ملف الصباح

مفتشية العدوي … الدولة زاهدة في استعادة أموالها

تباين في تدبير الملفات و أخطاء تقنية تضيع الحقيقة وغياب الردع يجعل منها مجرد مسكن

لم تحقق محاكمة ناهبي المال العام، على مدار السنين الماضية، الردع المطلوب، الذي كان المجتمع ينتظره من وراء فتحها خاصة خلال حملة التطهير الأولى أو حتى الثانية، وأضحت في أغلبها محاكمات صورية, بالنظر إلى طريقة معالجتها قضائيا.
الإشكالات الحقيقية التي تتخبط فيها تلك الملفات القضائية، تظهر بالنظر إلى الطبيعة التقنية لأغلبها، والخبرات المحاسبية التي تتطلبها سواء في مناقشة الملف أو حتى في شأن تحديد حجم الأموال المبددة أو المختلسة والتي في غالب الأحوال لا يتم استرجاعها، وتبقى تلك الأوامر القضائية حبرا على ورق، إضافة إلى نقص التكوين في شأن تلك الملفات، فتكون كالمثل القائل «من الخيمة خرج مايل”، سواء من خلال التقارير التي تبنى عليها المتابعة، أو من خلال الوثائق التي يتم الاستناد إليه.
إن قصور الدولة في استرجاع أموالها المختلسة والمبددة، من تركة محكمة العدل الخاصة، واستمرار الوضع نفسه في الملفات التي أحيلت على القضاء بعد ذلك, جعلا المتتبع يجزم أن مثل تلك الملفات مجرد مسرحيات تعرض على المواطن المغربي في غياب معالجة حقيقية لها، إذ لم تسفر تلك المحاكمات عن إعادة ما تم الاستيلاء عليه، وأضحت تلك المحاكمات تشكل في غالبيتها “مسكنا للمواطن”، هذا المسكن ربما أعطى مفعوله في البداية، إلا أن تكرار السيناريوهات نفسها أفقده مفعوله وأثار الشك في مصداقية إثارة هذه الملفات والغاية من إعلان الحرب على الفساد، إذا ما كانت ستعالج بالانتقائية في التعامل والمحاسبة.
ومن الملفات التي أثارت العديد من علامات الاستفهام حول الغاية منها ملف الضمان الاجتماعي الذي بت فيه بعد 13 سنة والذي انتهى بأحكام مخففة للمتهمين المتابعين فيه، الشيء الذي يفيد أنه يحمل طابعا سياسيا أكثر منه اجتماعيا، خاصة أن الدولة المغربية لم تنتصب فيه طرفا مدنيا، ما يفيد أنها زاهدة في الأموال التي بددت والتي كشف عنها تقرير لجنة تقصي الحقائق، الشيء الذي يطرح تساؤلات عدة حول الغاية من نبش مثل هذه الملفات إذا لم تبادر الدولة إلى استرجاع الأموال المنهوبة.
قبل أن يغادر وزير العدل الأسبق المرحوم محمد الطيب الناصري، الوزارة، وجه مذكرة إلى الوكلاء العامين بمحاكم الاستئناف تحثهم على التعجيل بالإجراءات المسطرية في الملفات المرتبطة بالمال العام. رسالة وزير العدل شكلت ساعتها محاولة لنفض الغبار عن الملفات التي مازالت في طور البحث التمهيدي، أو المعروضة على قضاة التحقيق سيما المتعلقة بتقارير المجلس الأعلى للحسابات، والتي عرضت على النيابة العامة، وأهمها ملف المكتب الوطني للمطارات، بعد إعفاء مديره عبد الحنين بنعلو الذي أدين بخمس سنوات ، ثم ملف القرض العقاري والسياحي، في نسخته الثانية، الذي اختفى بمجرد خروج عليوة من السجن، ما أعطى الانطباع عن حملة تطهير ثانية، وطرح السؤال هل هي شبيهة لسابقاتها التي لم تخرج عن طابع الموسمية والانتقائية في العقاب، أم أن الحملة الحالية، ستشكل الفيصل لقطع دابر التسامح مع المفسدين ولتعطي العبرة الحقيقية، عن المفهوم الحقيقي لدولة الحق والقانون، خاصة أن الظرفية الحالية التي يعيشها المغرب تتطلب بناء على ما ورد في جل الخطابات الملكية، العمل على محاربة الفساد في جميع أشكاله والابتعاد عن الانتقائية التي تفرغ مثل هذه المبادرات من الغاية الحقيقة منها، خاصة أن الملاحظ هو غياب الثقة لدى المواطن بسبب ما تكرس عن الملفات السابقة التي لا تحقق الردع المطلوب، بالنظر إلى طريقة تدبيرها التي تعاني البطء، ما يدخلها في سلة المهملات ويفقدها المصداقية. بل إنها في حالات معينة، تكون فقط نتيجة تصفية حسابات بين جهات، ما يدفع المتتبع إلى الشك في الغاية الحقيقية من تلك المحاكمات.
انعدام الثقة لدى المواطن يجد سنده الشرعي في الملفات السابقة للحملة التطهيرية، التي شنها المسؤولون خلال التسعينات على أباطرة المخدرات، والتي أعطت محاكمات فارغة ولم تستفد الدولة.

كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق