اختلالات وتفاوتات وتوزيع غير عادل للموارد البشرية والمعدات الطبية قسرا، يَجُر الحديث عن مشاكل مستشفى ابن طفيل بمراكش إلى مشاكل القطاع الصحي العمومي بالجهة ككل، حتى إنه يستحيل أن تضع سؤالا حول معضلة في قسم أمراض الرأس أو المعدة في ابن طفيل ولا تعثر على الجواب في مستشفى شيشاوة أو الحوز أو قلعة السراغنة أو حتى الصويرة. لأنها كلها «مشاكل ناتجة عن بعضها البعض». يقول نور الدين مكماسي، المنسق الجهوي والكاتب الإقليمي للمكتب الوطني للنقابة الوطنية للصحة المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. وقسرا أيضا ستتخلى عن المقارنة بين النواقص والحصيلة، لأن مقابلة الأرقام تصبح في مستشفى ابن طفيل متناقضة وبدون فائدة، خاصة عندما يشهر في وجهك البروفيسورات والأطباء رقما كبيرا يعادل 20 ألف عملية جراحية في خمس مصالح سنويا، فيما تشهر الإحصائيات نسبة 0.6 سرير لكل 1000 مواطن ومختبر واحد للجهة ككل، ومركز واحد لمحاربة داء السل وجهاز للفحص عبر الرنين المغناطيسي ليس للجهة فحسب، بل للجنوب كله. بل إن النقابات تتحدث عن تجاوز 176 في المائة من الاكتظاظ في بعض الأقسام. بعضهم قضى الليل في الحافلة ليصل صباحا إلى مراكش، ويكون عند السادسة صباحا في الصفوف الأمامية لطوابير الانتظار أمام باب ابن طفيل. هذا ما يعيشه بعض المرضى الوافدين من شيشاوة وورزازات وزاكورة وتارودانت وابن جرير وحتى من أكادير والعيون ليستفيدوا من بعض خدمات المستشفى التي استحال عليهم الاستفادة منها في مستشفيات مدنهم، نتيجة نقص في الاختصاصات أو معدات طبية.خديجة وزوجها تحملا، أيضا مشقة السفر من تارودانت من أجل الاستفادة من جهاز الرنين المغناطيسي. قد يكون ذلك مقبولا، نسبيا، بما أن الجهة ككل لا تتوفر على جهاز واحد من هذا النوع. لكن ما لن لا تقبل له شقيقة فاطمة من شيشاوة أي تبرير هو أن تتحملا مشقة السفر وتكاليفه المعنوية والمالية من أجل تشخيص سبب صداع في الرأس، وهو ما كان يجب أن تعثر له على سبب في مستشفى المدينة، «كلما ذهبنا لا نجد الطبيب، فقيل لنا سافروا إلى مراكش هناك سيكون الطبيب حاضرا لا محالة». هذه شهادة تفتح باب ما أسماه المكماسي «التفاوت» و«التوزيع غير العادل للأطباء في مختلف التخصصات بمدن الجهة، فإن طالعنا الخريطة الصحية سنجد فوارق صارخة بين مختلف المدن، وسنجد أن الوزارة تركز أهم الاختصاصات في مراكش ليس فقط على مستوى القطاع العمومي، بل حتى الخاص». يسجل المسؤول النقابي، ويضيف وسبابته تتحرك بخفة على مربعات جداول وإحصائيات رسمية تزكي شهادته، «هنا مثلا، سنأخذ الأطباء الاختصاصيين في أمراض الرأس في المركز الاستشفائي يتجاوز عددهم 33 طبيبا، ولا يوجد أي واحد في مستشفيات شيشاوة والحوز والصويرة وقلعة السراغنة، في الأمراض النفسية والعقلية يتركز أزيد من 185 في المركز الاستشفائي، في حين لا يوجد أي طبيب في الحوز ومراكش و40 في الصويرة»، الأمر نفسه بالنسبة إلى اختصاصات أخرى يتركز عشرات أطبائها في المركز الاستشفائي الجامعي وتغلق مكاتبهم في باقي مستشفيات الجهة. التفاوت نفسه يسري على الأسرة، إذ في الوقت الذي تصل فيه النسبة إلى 0.1 سرير لكل 1000 مواطن بالحوز و0.14 لكل 1000 بشيشاوة ترتفع إلى 0.60 بالمركز الاستشفائي، ويصل المعدل جهويا إلى 0.71 لكل 1000. الوصف نفسه يليق بتوزيع الأجهزة التي تركز الوزارة أهمها في مدينة مراكش وتجبر مرضة باقي مدن الجهة على استقلال الحافلات وسيارات الأجرة للاستفادة من عرض طبي ممركز في المركز الاستشفائي محمد السادس. «هذا ما نسميه الاختلالات الكبرى التي على وزارة الصحة أن تنظر إليها بعين الاعتبار، لأن الوضع يتفاقم سنة بعد أخرى ويرتفع الضغط على مستشفيات»، يضيف المكماسي.من جهته اعتبر ابراهيم مومن، عضو النقابة الوطنية للصحة المنضوية تحت لواء الفيدرالية الديمقراطية للشغل، أن الشغيلة الصحية تعاني ضغطا كبيرا، نتيجة الاكتظاظ الذي يعرفه المركز الاستشفائي خاصة مستشفى ابن طفيل «بني المركز الاستشفائي على أنقاض مستشفيات أخرى، ولم يتم تعويضها، إذ أنه يفترض أن يكون هناك في مراكش مستشفى جهوي يمتص نسبيا الضغط الذي يواجهه المركز»، يقول المسؤول النقابي قبل أن يضيف أن درجة الضغط لا تنعكس على مردودية الموارد البشرية فحسب، بل أيضا تنعكس على المعدات والسكانيرات، «مثلا جهاز الرنين المغناطيسي يشغل طيلة الأسبوع، ولا يتوقف إلا حين يصاب بعطل، إذ تتناوب على استخدامه ثلاثة أفواج، ويستفيد منه مرضى يفدون من كل الجهة بل الجنوب، إذ يفد علينا مرضى من أكادير والعيون». في فوضى الاكتظاظ وظلام الضغط تنمو ظواهر تزيد الأزمة عمقا، فيجد بعض المواطنين أنفسهم ضحايا أخطاء طبية من جهة، والابتزاز من جهة أخرى ويستغل بعض الأطباء والممرضين الفرصة للتغيب وتعطيل بعض الأجهزة من طرف موظفين مقابل عمولات من القطاع الخاص، «صحيح هذه ظواهر منتشرة، لكن لم تكن لتظهر لو أن الوزارة اهتمت بجميع مؤسساتها الاستشفائية وخصصت لكل واحد منها ما يحتاجه من معدات وموارد بشرية».الحل المناسب يعود للقول نور الدين المكماسي، هو أن تعود وزارة الصحة إلى احترام اختصاصات كل مؤسسة، «هناك ثلاثة مستويات الأول تعنى به المستشفيات المحلية واختصاصها الولادة وطب الأطفال والجراحة العامة والطب العام، أما المستوى الثاني فيهتم بكل التخصصات الأخرى بما فيها العيون والقلب وغيرها، فيما تهتم المراكز الاستشفائية الجامعية بالبحث العلمي وزراعة الأعضاء والسرطان والعمليات الكبرى المستعصية، إلا أننا حاليا نعيش وضعية تداخل الاختصاصات وتصب كل التخصصات على المركز الاستشفائي الجامعي بما فيها العمليات الصغيرة والولادة». ممرضات في قفص الاتهام «أنتوما قتالات»...تهمة وجدت ممرضتان بمركز القبة بسيدي يوسف بن علي بمراكش نفسيهما تقفان أمام بشاعتها، أثناء استدعائهما للتحقيق معهما في قضية وفاة أم نتيجة إصابتها بنزيف واستئصال رحمها. قصة الممرضتين والبروفيسور بدأت عندما وفدت على مركز القبة امرأة في حالة مخاض، «قضت الممرضتان وقتا وهما تحاولان مساعدتها على الوضع، وزاد من عسر مهمتهما عدم وجود طبيب اختصاصي في الولادة ما اضطرهما إلى نقلها إلى المركز الاستشفائي الجامعي، وهناك اكتشف الطبيب أن حالتها تطورت ليدخلها مباشرة إلى قاعة العمليات، حيث خضعت إلى عملية جراحية لاستئصال الرحم، وبعد ساعات اصيبت بنزيف حاد أدى إلى وفاتها». أسرة الضحية حملت الممرضتين المسؤولية، واعتبرت النقابات من جهتها أن المسؤولية تقع على الوزارة، لأنها المسؤولة عن الاختلالات الكبرى التي يعرفها الوضع الصحي بالجهة ككل، والتي تتجسد في التوزيع غير العادل للأطباء الاختصاصيين، «لو كان في المركز طبيب لكان تدخل في الوقت المناسب، ولو لم تتدخل الممرضتان لعوقبتا من طرف الإدارة على عدم القيام بواجبهما، وليست هذه الحالة الأولى التي نقف عندها، بل هناك حالة ممرضة أخرى بمركز رأي العين ساعدت امرأة على وضع لولب لمنع الحمل، وهي العملية التي كان يجب أن يقوم بها طبيب اختصاصي، إلا أنها لو لم تقم بها لعوقبت إداريا، إذ تكلفت الممرضات بالقيام بمهام ليست منوطة بهن، لكنهن يقمن بها في جميع الأحوال» يقول المكماسي.الممرضة الأخيرة هي الأخرى سيقت إلى المحكمة والتهمة تعفن أدى إلى إجراء عملية جراحية عاجلة للمرأة، إذ في الوقت الذي يلح فيه الزوج على أن زوجته ضحية خطأ طبي أدى إلى مضاعفات صحية خطيرة، تتشبث الممرضة بأن التأخر في مراقبة اللولب طبيا أدى إلى التعفن، فيما تبرر النقابات ذلك بالعشوائية في العمل، «الممرضون يقوم بكل شيء، مكلفون بعدة اختصاصات، وهذا يرجع إلى غياب قانون مزاولة المهنة ومرجع الكفاءات والمهن، وحين يرفض هؤلاء القيام بهذه الادوار يعاقبون إداريا، أما إذا أخطؤوا فيها فإنهم يتابعون قضائيا وتتنصل الإدارات والأطباء من المسؤولية» يشرح المكماسي.لا تؤدي هذه الفئة من الشغيلة الصحية الثمن في ردهات المحاكم فحسب، بل إن هناك ممرضين وممرضات يواجهون الإهمال عند أبسط حادث يتعرضون له، «أكبر مثال على ذلك ما تعرضت له ممرضة بمستشفى ابن جرير، كانت توصلت بحالة حامل أحالها مركز بوشان على بعد 60 كيلومترا من ابن جرير، على المدينة، وحين استعصى على الممرضة مساعدتها على الولادة نقلتها عبر سيارة إسعاف إلى مراكش، في طريق العودة انقلبت سيارة الإسعاف وأصيبت إصابات خطيرة قضت إثرها 20 يوما في غرفة الإنعاش، حيث تعرضت للإهمال لتنقلها عائلتها إلى مصحة خاصة». يحكي المكماسي، مضيفا أنه لو كان مستشفى ابن جرير مجهزا وتتوفر فيه الموارد البشرية من ممرضين وأطباء بالعدد الكافي لما كانت الممرضة اضطرت إلى التنقل إلى مراكش لإنقاذ حياة امرأة.إنجاز: ضحى زين الدين (موفدة الصباح إلى مراكش) «أنتوما قتالات»...تهمة وجدت ممرضتان بمركز القبة بسيدي يوسف بن علي بمراكش نفسيهما تقفان أمام بشاعتها، أثناء استدعائهما للتحقيق معهما في قضية وفاة أم نتيجة إصابتها بنزيف واستئصال رحمها. قصة الممرضتين والبروفيسور بدأت عندما وفدت على مركز القبة امرأة في حالة مخاض، «قضت الممرضتان وقتا وهما تحاولان مساعدتها على الوضع، وزاد من عسر مهمتهما عدم وجود طبيب اختصاصي في الولادة ما اضطرهما إلى نقلها إلى المركز الاستشفائي الجامعي، وهناك اكتشف الطبيب أن حالتها تطورت ليدخلها مباشرة إلى قاعة العمليات، حيث خضعت إلى عملية جراحية لاستئصال الرحم، وبعد ساعات اصيبت بنزيف حاد أدى إلى وفاتها». أسرة الضحية حملت الممرضتين المسؤولية، واعتبرت النقابات من جهتها أن المسؤولية تقع على الوزارة، لأنها المسؤولة عن الاختلالات الكبرى التي يعرفها الوضع الصحي بالجهة ككل، والتي تتجسد في التوزيع غير العادل للأطباء الاختصاصيين، «لو كان في المركز طبيب لكان تدخل في الوقت المناسب، ولو لم تتدخل الممرضتان لعوقبتا من طرف الإدارة على عدم القيام بواجبهما، وليست هذه الحالة الأولى التي نقف عندها، بل هناك حالة ممرضة أخرى بمركز رأي العين ساعدت امرأة على وضع لولب لمنع الحمل، وهي العملية التي كان يجب أن يقوم بها طبيب اختصاصي، إلا أنها لو لم تقم بها لعوقبت إداريا، إذ تكلفت الممرضات بالقيام بمهام ليست منوطة بهن، لكنهن يقمن بها في جميع الأحوال» يقول المكماسي.الممرضة الأخيرة هي الأخرى سيقت إلى المحكمة والتهمة تعفن أدى إلى إجراء عملية جراحية عاجلة للمرأة، إذ في الوقت الذي يلح فيه الزوج على أن زوجته ضحية خطأ طبي أدى إلى مضاعفات صحية خطيرة، تتشبث الممرضة بأن التأخر في مراقبة اللولب طبيا أدى إلى التعفن، فيما تبرر النقابات ذلك بالعشوائية في العمل، «الممرضون يقوم بكل شيء، مكلفون بعدة اختصاصات، وهذا يرجع إلى غياب قانون مزاولة المهنة ومرجع الكفاءات والمهن، وحين يرفض هؤلاء القيام بهذه الادوار يعاقبون إداريا، أما إذا أخطؤوا فيها فإنهم يتابعون قضائيا وتتنصل الإدارات والأطباء من المسؤولية» يشرح المكماسي.لا تؤدي هذه الفئة من الشغيلة الصحية الثمن في ردهات المحاكم فحسب، بل إن هناك ممرضين وممرضات يواجهون الإهمال عند أبسط حادث يتعرضون له، «أكبر مثال على ذلك ما تعرضت له ممرضة بمستشفى ابن جرير، كانت توصلت بحالة حامل أحالها مركز بوشان على بعد 60 كيلومترا من ابن جرير، على المدينة، وحين استعصى على الممرضة مساعدتها على الولادة نقلتها عبر سيارة إسعاف إلى مراكش، في طريق العودة انقلبت سيارة الإسعاف وأصيبت إصابات خطيرة قضت إثرها 20 يوما في غرفة الإنعاش، حيث تعرضت للإهمال لتنقلها عائلتها إلى مصحة خاصة». يحكي المكماسي، مضيفا أنه لو كان مستشفى ابن جرير مجهزا وتتوفر فيه الموارد البشرية من ممرضين وأطباء بالعدد الكافي لما كانت الممرضة اضطرت إلى التنقل إلى مراكش لإنقاذ حياة امرأة.