خاص

عين حرودة … مدينة مع وقف التنفيذ

“الكريانات” وضعف الميزانية والخدمات جيوب مقاومة لكل إصلاح وعصرنة

رغم توسطها البيضاء والمحمدية، عانت عين حرودة التهميش، إذ تعد عاصمة البناء العشوائي بامتياز، لانتشار عشرات الدواوير الصفيحية التي يعيش قاطنوها في وضعية هشاشة وفقر مدقع. رغم مجهودات المجلس الجماعي الحالي، وتبنيه العديد من المشاريع التنموية، لم ينجح في تحويل المدينة إلى حاضرة عصرية، وما زالت مظاهر البداوة تطغى وتقاوم كل رياح التغيير.
إنجاز : مصطفى لطفي – تصوير (عبد الحق خليفة)
في الحقبة الاستعمارية، كانت عين حرودة ملاذ كبار المعمرين، لتوفرها على أراض خصبة وقريبة من البحر. احترف المعمرون النشاط الزراعي، وساهموا في وضع أولى لبنات الأحياء الصفيحية بالمنطقة، التي آوت العشرات من الأسر، المهاجرة من القرى للعمل لديهم.
شهدت المنطقة هجرة قروية غير مسبوقة من كل أرياف المغرب، بعد الاستقلال لتشتهر المنطقة بـ”كرياناتها” التي تجاوزت تلك الشهيرة بالبيضاء كـ”كريان سنطرال” وتبدأ معها معالم قرية، قبل أن يرتفع عدد سكانها بشكل صاروخي، بشكل متزامن مع ظهور العمران، وتحظى في الأخير بصفة جماعة حضرية.

موقع إستراتيجي وطبيعي
تحمل جماعة عين حرودة لقب 17، بحكم بعدها عن البيضاء بـ17 كيلومترا، وهي تابعة لعمالة المحمدية، تمتد على مساحة تبلغ 28.31 كيلومترا، تقطن فيها 60420 ألف نسمة حسب إحصاء 2014.
تتميز بموقعها الاستراتيجي بين البيضاء والمحمدية، وبأنها ساحلية. ورغم ما تزخر به من إمكانيات اقتصادية، بحكم وجود منطقة صناعية على ترابها، خصوصا بمنطقة زناتة، إلا أنها، شهدت تأخرا كبيرا في تنميتها، والسبب أنها ما زالت تعد أراضي احتياط للبيضاء لأزيد من 30 سنة، وظلت تهيئتها تعتمد لمدة طويلة على الوثيقة التعميرية الوحيدة وهي المرسوم عدد 170.68.02 المؤرخ في 17 مارس 1989، الذي وقف حجرة عثرة لتطبيق عدة تصورات ورؤى للنهوض بالمدينة على أرض الواقع، والنتيجة كارثية، بروز تجمعات سكنية عشوائية ضخمة تشكل 70 في المائة من سكان الجماعة، توزعت على 29 دوارا تعاني الهشاشة والفقر، ما شكل عبئا كبيرا على الجماعة تحملته لمدة طويلة.
لكن هذا التنوع أعطى للجماعة خصوصية فريدة، جعل منها منطقة خصبة لمشاريع ذات صبغة خاصة وعالمية، ستنقل عين حرودة إلى مصاف المدن العصرية، وعلى سبيل المثال مشروع مدينة زناتة، التي تعتبر المدينة الإيكولوجية الوحيدة بالمغرب، وهذا المشروع أحدث بموجب البرتوكول الموقع تحت الإشراف الفعلي للملك محمد السادس في 2006.
كما تتوفر المدينة على ثلاثة مكونات للمجالات الطبيعية، وهي :
الشريط الساحلي الذي يمتد على طول الخط الساحلي بين الطريق الإقليمي رقم 322 والواجهة البحرية، والمنطقة المركزية بين الطريق الإقليمي 322 والسكك الحديدية، والمنطقة الجانبية في شكل شريط مواز للخط الساحلي، تحده السكة الحديدية والطريق السريع بين الرباط والبيضاء إضافة إلى واجهة بحرية مهمة تمتد على طول سبعة كيلومترات تضم عدة شواطئ، منها شاطئ الحرية (بيكيني سابقا) وشاطئ زناتة الصغرى وزناتة الكبرى وشاطئ الحمامة البيضاء (بالوما سابقا)، وشاطئ أولاد حميمون، لكن الملاحظ أن هذه المكونات الطبيعية لقيت التهميش وسوء الاستغلال، خصوصا على المستوى السياحي، ما ضيع على الجماعة مداخيل مالية مهمة.

باعة متجولون وأزبال ودواب
رغم الموقع الاستراتيجي، تشهد عين حرودة مظاهر البداوة بامتياز، فخلال جولة وسط المدينة، يقع بصرك على تناقضات مثيرة، ونوعا من الفوضى، باعة جائلون يحتلون الفضاءات العامة، وسيارات فاخرة ودواب، وعمارات تقابلها منازل عشوائية.
ساهمت في تلك الفوضى مشاريع التهيئة التي شرع في إنجازها المجلس الجماعي، همت على الخصوص توسعة شوارعها الرئيسية بطرق عصرية، والرهان على الفضاءات الخضراء، وتأهيل المرافق العمومية بالمدينة لتتماشى مع التطور الذي تشهده مدن الجوار.
لكن رغم هذه المجهودات، تعاني المدينة من اختلالات، أبرزها مسألة تصفية النفايات بالمدينة، إذ بحكم أن المجلس الجماعي أولى اهتماما خاصا بقضايا البيئة، أبرم اتفاقية مع شركة خاصة أوكل لها تدبير النفايات الصلبة، في إطار التدبير المفوض للنظافة. وتتركز مهمة الشركة في جمع ونقل النفايات الصلبة تحت إشراف خلية لمراقبة وتتبع تنفيذ هذه الاتفاقية، لكن رغم ذلك، هناك صعوبات جمة في جمع النفايات بالمدينة، أبرزها عمليات التخريب المتكررة التي تلحق الحاويات وسرقتها، والتخلص العشوائي من نفايات سوق الجملة وخردة النفايات، رغم توفير الشركة صاحبة الصفقة لمكان مخصص لجمعها. كما يلعب جامعو النفايات دورا في هذه الفوضى عبر التخلص منها بمناطق أخرى، إضافة إلى عدم جمع الحاويات بطريقة معقلنة، والنتيجة انتشار بقايا النفايات على جوانب الطريق، دون إغفال ظهور نقط سوداء داخل وخارج المدينة، دفعت الجماعة إلى بذل مجهودات للقضاء عليها.

زناتة الجديدة… أمل المدينة
تعرف الجماعة تصميما جديدا للتهيئة، يعتمد على ثلاثة ركائز للتنمية المستدامة، وهي الجانب البيئي والاجتماعي والاقتصادي.
كما أن هذا التصميم ميز مشروع المدينة الجديدة لزناتة بتقسيمها على سبع مناطق، الأولى وهي المنطقة المركزية، وستشيد فيها الأحياء السكنية والمتاجر ومكاتب الشركات العمومية والخصوصية، بالإضافة إلى الفنادق وبنايات من أربع طوابق.
المنطقة الثانية، هي المنطقة “المتروبولية” والتي ستشهد إعمارا هندسيا ذا أشكال إبداعية تدخل في مشروع المحافظة على البيئة.
أما المنطقة الثالثة، فخصصت للعمارات السكنية ويمكن إضافة مرافق الخدمات من أربعة طوابق، والرابعة منطقة حضرية مختلطة، تتميز بوجود مساكن عائلية وأخرى جماعية، والمنطقة الخامسة مخصصة للأنشطة الشاطئية والسياحية، الهدف منها توفير المرافق والحاجيات للزبائن الموسميين للجماعة
المنطقة السادسة هي قسم اقتصادي سيسمح بتوفير الأنشطة الصناعية والحرفية والاقتصادية والتعليم والبحث، كما يمكن إحداث وحدات فندقية بها، أما المنطقة الأخيرة فتشكل فيها أراضي الاحتياط والتي تظل مرصودة لاستيعاب تطور الجماعة في المستقبل.

الصحة والتعليم … ضعف الخدمات
رغم أن عدد سكانها يتجاوز 62 ألف نسمة، تتوفر عين حرودة على مركزين صحيين فقط، يشرف عليهما خمسة أطباء، ما جعل الخدمة الصحية تثير سخطا من قبل السكان. ساهم في هذا السخط، غياب طبيب بالمركز الصحي “سهام”، وعدم استغلال مركز آخر بـ”ديار المنصور”.
وعلى مستوى التعليم، تتميز بغياب الهدر المدرسي بين التلاميذ ما بين سبع سنوات و11، إذ تصل نسبة المتمدرسين إلى 98 في المائة، وهو رقم اعتبر متميزا في المغرب، لكن عدد التلاميذ يتقلص بشكل كبير خلال مرحلة الإعدادي والثانوي ، رغم وجود إعداديتين وثانوية بالمدينة. وهذا راجع إلى الصعوبات الاجتماعية التي تدفع التلاميذ للانقطاع عن الدراسة في هذه المرحلة المهمة من التعليم، أبرزها مشاكل النقل وتعاطي المخدرات لدى الشرائح العمرية من 11 سنة إلى 17، وانعدام المواكبة من قبل أولياء الأمور.
كما ساهم في هذا التراجع، عدم ملاءمة التجهيزات المدرسية لعدد السكان، إذ أن الثانوية الوحيدة بالمدينة تصل سعتها 2600 مقعد، ما يجعلها عاجزة عن استيعاب جميع المتمدرسين، إضافة إلى انعدام مؤسسات التكوين المهني بالمدينة، ما دفع إلى وضع وحدة “متنقلة” أمام الثانوية التأهيلية.

ميزانية “على قد الحال”
من أكبر المشاكل التي تعانيها الجماعة ضعف ميزانيتها، إذ لا تعرف توازنا قارا يمكن من ضمان السير العادي لبرمجة المشاريع، إذ يلاحظ ارتفاع مصاريف التجهيز والتسيير والباقي استخلاصه، إضافة إلى عدم التوصل بالحصة الكاملة للضريبة على القيمة المضافة، ما يعيق توازنها، كما ساهم مشروع زناتة في تقلص المداخيل، إذ أن عمليات تنقيل الشركات التي كانت موجودة ضمن الأراضي المزمع تخصيصها لمشروع زناتة، أدى إلى حرمان الجماعة في الوقت الحالي من مبالغ مهمة من عائدات للضرائب المستخلصة من تلك الشركات. لكن رغم هذه الإكراهات يتوقع مسؤولو المجلس أن تشهد مداخيل الجماعة ارتفاعا سنويا يصل إلى 30 مليون درهم.

“الـكـريـانـات”… الــورطــة
يتعايش السكن العصري مع العشوائي بعين حرودة، إذ رغم النهضة العمرانية التي شهدتها المدينة، عبر بناء إقامات سكنية وعمارات ومنازل بمواصفات عصرية، تبقى الهيمنة للسكن الصفيحي.
يوجد بالجماعة ما يزيد عن 29 دوارا، أشهرها دوار “لحجو” و”خمرية” و”الري” و”بن حربيلي” و”الشابو” و”العين” و”المرجة”، و”كريسطال” و”بيكي 1″ و”بيكي 2″.
وتتموقع أغلب هذه الدواوير في الشريط الساحلي وخط السكك الحديدية، وتحديدا بالمنطقة المسماة حاليا المدينة الجديدة زناتة، وتضم عائلات من أصول متنوعة لا تتوفر على سكن لائق، كما أن إمكانيتها المالية متواضعة، ما أجبرها على الاستقرار بمنازل صفيحية.
تظل “البراكة” بمفهومها التقليدي هي الأصل داخل هذه الدواوير، بنيت بالقصدير، قبل أن تشرع عائلات في دعمها بالإسمنت والحديد وحولتها، إلى منازل عشوائية.
تشكل هذه الأحياء تهديدا خطيرا، إذ تغيب فيها قنوات الصرف الصحي، ويتخلص السكان من مياه الصرف الصحي في حفر، وتطرح في الأزقة عبر قنوات أو فوهات، بل يتسبب بعضها في كوارث بيئية، كما يحصل في دوار “كريستال” حيث تفرغ مياه الصرف الصحي عبر مزاريب مباشرة في واد بونان. أما في الشتاء فيعاني السكان الويلات، إذ يتم توجيه مياه الأمطار، خصوصا بدواوير الحجر والمجرة والعين وكريسطال إلى حوض، فتصبح راكدة، مهددة بانتشار أمراض معدية.
وما زال سكان هذه الدواوير يترقبون استفادتهم من برامج محاربة السكن غير اللائق التي أعلن عنها منذ سنوات، في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وما زالت تصادفها عراقيل، جعلت تصفية هذا الملف الشائك مؤجلة إلى وقت لاحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق