اختلاف كبير بين ما تبنيه قطر وما يفكر فيه المحافظون من سكان دولة تعيش في عباءة مدينة عالمية مغاربة قطر يتزايدون، يعيشون في «كفالة» سكان البلاد، نظام الكفالة هنا يشبه «الكَريمة» في المغرب، فكفالة أجنبي للعمل في قطر تكلف الأخير الكثير، يدفع مقابل هذا الوضع، تعويضات، وهناك من يترك جواز سفره ضمانة لعدم استبدال الكفيل، ولكل شيء ثمن. المغاربة في الدوحة يشتغلون في مختلف المجالات، الرياضة والتجارة، وحتى أجهزة الأمن القطرية تجلب المغاربة للعمل في الحراسة، وبعضهم يشتغل في جهاز «لخويا» (الأمن الوطني) برتب تقل عن رتبة ضابط.اختلاف كبير بين ما تبنيه قطر وما تفكر فيه . مظاهر تحديث العمران، في الدوحة، لا تعكسها الأفكار التي يحملها المجتمع الخليجي، هنا، فالاختلاط ممنوع في مداخل الصالات والقاعات العمومية، وإن كان الانفتاح الحذر الذي تعيشه الإمارة يفتح متنفسا للنساء الباحثات عن الحرية في هذه البلاد. الدوحة، هنا، دوحتان، واحدة منفتحة على قيم الحداثة في العمران، وأخرى تحافظ على هويتها القديمة، بتقاليدها وأفكارها ولباسها.في بعض الأماكن من المدينة، «الحجاب قبل الحساب»، فهو شرط سابق، ببعض المحلات لبيع الملابس النسائية، على دفع ثمن البضاعة، العبارة كتبت بالبنط العريض على واجهات محلات تجارية تلجها النساء. أما في الأسواق التجارية والمساحات الكبرى، فإن الحساب يصرف النظر عن الحجاب. هكذا هي المجتمعات التقليدية، تعيش، دائما، غير بعيد عن هوية قريبة من الانفتاح على قيم الحداثة والحرية. قطر تتطور، دولة تعيش في عباءة مدينة عالمية، الدوحة، حيث صناعة القرارات السياسية والاقتصادية، مدفوعة بقوة إعلامية مؤثرة، تمارسها «الجزيرة». تأثير القناة على التحولات التي تعرفها الدولة، باد للعيان، ودورها في الزخم الذي تعيشه البلاد، سياسيا، بوصفها دولة قُطرية بالمنطقة، يثبت أن المساحة وحدها لا تكفي، لتقوم الدولة، بل يلزمها تفكير إستراتيجي بعيد، يجعل المساحة تكبر في العقول وفي صناعة القرار الدولي. في التفكير كما في التدبير، بون شاسع بين المجتمع ونخبه السياسية، فالأول يريد أن يحافظ على ريعه، وأن يعيش على الثروة دون أن ينتجها، كما هو حال القطريين هذه الأيام مع الثورات في بلدان الربيع العربي، يعيشون عليها فقط، بينما النخب، وتقودها قوة ذات نفوذ في العائلة الحاكمة، تبحث عن إحداث تغيير في بنية المجتمع، بما يجعله منتجا للثروة والقيم والأفكار، يعيش بها لا عليها فقط. هذه القوى انتبهت إلى أن التعليم يمكن أن يشكل مدخلا إلى تحقيق هذه القفزة، وفي قمة «وايز»، مؤتمر الابتكار في التعليم، التي تحتضنها الدوحة، هذه الأيام، يبحث المشاركون في الإمكانيات التي يوفرها التعليم لنهضة الشعوب، وتخليصها من ويلات النزاع والفقر واللجوء. على طول الشوارع الرئيسية، حيث أشغال البناء جارية، تبدو إعلانات الدعاية وكأنها انتقيت بعناية فائقة، إذ كلها تضمر تحفيزا خفيا من أجل البناء والتفوق والريادة والقيادة، هي نفسها الشعارات التي تسعى قطر اليوم إلى تحقيقها، وتسير نحوها بحذر شديد، وهي الخارجة توا من تجربة صدام غير معلن مع السعودية، مركز ثقل العالم الإسلامي. في أحاديث السياسة، يدرك الكثيرون هذه الحقيقة، وحتى المتتبعون لوجهة العلاقات الخارجية للدوحة، قبل الربيع العربي، يدركون أنها سرعان ما عادت عن وجهتها التي كادت تقودها إلى التخندق داخل «محور الشر»، فبقليل من السياسة وكثير من الدهاء، استطاعت أن ترجع بخسائر أقل في علاقتها بدول الجوار.إحسان الحافظي (موفد الصباح إلى قطر)