فن الحياة الديمقراطية يقوم على قبول الآخر وعدم الشعور بطهرية الذات في مقابل دنس الآخرين من أبرز مكاسب الحياة العصرية تحرير الإنسان من الفكرة الدوغمائية التي تجعل مهمة الفرد أن يسعى إلى تنميط الناس وتعليبهم داخل رؤية جاهزة للحياة وللإنسان، وهي الرؤية القديمة التي جعلت من الفرد آلة مشحونة ضد غيره من الذين يختلفون عنه، إذ يخوض كل يوم حربا مقدسة ضد عناصر الاختلاف في محيطه، ما يجعل حياته قائمة على فلسفة حربية ضد الغير قوامها الاعتقاد في أن الخير والحق والجمال لا يمكن أن يكون منبعها الآخر الذي هو منحرف بطبيعته، ما دام مختلفا، وإن لم يكن يؤذي أحدا باختلافه. هكذا قام المجتمع العصري الذي عماده حداثة الفكر والقيم والسلوك، على أربعة مبادئ أساسية تجعل «العيش المشترك» بين المواطنين فنا قابلا للتجديد والتجدّد:أولا: قبول الآخر، كما هو باعتباره شخصا يتمتع بحرية اختيار مصيره، في إطار احترام القانون واحترام غيره، وهو ما يجعل المعتقد اختيارا حرا لا نمطا سلطويا مفروضا، كما يجعل الوعظ الديني والتبشير بالقيم الروحية مبادرة حرة لا حربا مقدسة، ويجعل هدفها إرشاديا يهدف، عبر السمو الروحي، إلى إكساب الفرد ملكات الفضيلة دون إشعاره بالخوف أو الحاجة إلى الرياء والنفاق الاجتماعي. ثانيا: الوعي بالذات خارج الشعور الأخرق بالطهرية والتعالي على الآخر، وهو وعي يتأتى من التربية على القيم الديمقراطية وعلى احترام الاختلاف والتعددية التي هي أساس المجتمع الديمقراطي، ما ينجم عنه انتفاء الشعور بالوصاية على ضمائر الناس وحياتهم.ثالثا: اعتبار الخصوصية الدينية والثقافية والتقاليد والعادات جزءا من ثقافة الإنسان على الأرض، ما يجعلها منفتحة على مكاسب الإنسانية لا مضادة لها، ويمكنها بالتالي من الإسهام في الرقي بالوضعية الإنسانية إلى رتبة أفضل مما كانت عليه، وتحصيل الكرامة التي هي المبتغى من كل عمل الإنسان وجهوده الحضارية. وهذا ما يسمح بإدراك القيم النبيلة الموجودة في كل الأديان والمعتقدات والتقاليد وتمييزها عن تلك التي تحط من قيمة الإنسان وتعيده إلى سابق أوضاعه المهينة.إن الخصوصية بهذا المعنى ليست لعنة ولا هي بالعائق الذي يعزل الناس عن بعضهم البعض، إذ يكفي تصورها كمغايرة إيجابية تغني الحياة الإنسانية، لا كاختلاف متوحش ورديء. رابعا: التخلي عن فكرة إقحام السماء وتزكية الذات باعتبارها حاصلة على وعد إلهي بمقاتلة الأشرار والتغلب عليهم ومحوهم من الوجود، ذلك أن من أسباب الشقاء الأبدية، الاندفاع الغريزي النابع من تقسيم العالم إلى فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان، ما يؤدي إلى وسواس قهري سببه الانغلاق والتقليد والاجترار وإغلاق المنافذ عن نسمات الحياة والحرية والتجديد والإبداع التي هي منبع الجمال في الوجود الإنساني، ومصدر المتعة الفائقة في الحياة.إن العيش المشترك إذن هو فن الحياة الديمقراطية القائمة على قبول الآخر وعدم الشعور بطهرية الذات في مقابل دنس الآخرين، واعتبار الخصوصية انفتاحا لا عزلة عن العالم، وإسقاط وهم انتحال دور النبي في مواجهة جموع المارقين. بقلم: أحمد عصيد, كاتب