هل ينتظر هذا الوطن رحيل رموزه الواحد تلو الآخر لكي يعي كم كانوا فيه رائعين؟ هناك أشخاص نرفض أن نصدق أننا فقدناهم إلى الأبد، وأنهم أصبحوا ذكرى سنكتفي بالاشتياق إليها بحب، وباعتزاز، وبالكثير الكثير من الوجع... هنالك أشخاص يسكنون فينا إلى الأبد... ويسكنون في الوطن وفي الذاكرة الجماعية إلى اللانهاية. آسية الوديع كانت منهم. امرأة من طينة مختلفة. امرأة كانت لديها كل الفرص لتعيش، كالكثيرين، حياة أنانية مستقرة تحقق فيها النجاح المهني والمادي بعيدا عن الجراح والمعاناة (وما كان أحد ليحاسبها أو يلومها على ذلك)، لكنها اختارت قدرا مختلفا جعلها أما للمئات من شباب هذا البلد الأمين. لذلك، فقد كانت وفاتها خنجرا يوجع قلوب المئات عبر أرجاء هذا الوطن، الذي فقد فيها أما وصديقة وأختا أثخنها الحب كما أثخنتها الجراح والآلام... لكن، ورغم كل خطابات العقل، رغم كل الكلام الذي قيل، والذي سيقال عن أنها عاشت لتسعد الكثيرين، وبأننا لن ننساها، وبأن أمثالها لا يموتون، إلا أني، وبكل الضعف الإنساني الممكن، أعترف: فقدانك موجع يا آسية... والألم فينا جارح كالخنجر المسموم. مضى اليوم أسبوع تقريبا... أسبوع ونحن نحاول اقتراف الحياة بدونك أيتها الغالية... نخجل حتى من تلك الأمور التافهة واليومية التي مازالت تشغلنا... نمارس تفاهاتنا في عالم لم تعودي فيه، لكننا أبدا لا ننساك، لأن النساء من طينتك لا ينسين. أتذكر التفاصيل الصغيرة. أتذكر اللقاء الأول. أتذكر الضحكات تجلجل في الفضاء. أتذكر ابتسامتك، وهي تخفي خلفها أطنانا من الوجع والألم. أتذكر الشِّعر والنكت وكل تلك الأمور الصغيرة التي اختطفناها يوما من أيدي الزمن... وأتذكر حزنك الصامد. أسبوع أيتها الرائعة، منذ أن وصلتني تلك الرسالة القصيرة من ابنك وصديقي يوسف... أسبوع منذ استفقت على تلك الفاجعة وأنا أرفض أن أصدق أني وأننا أبدا لن نراك. أسبوع وأنا أحاول أن أفهم لماذا يرحل الرائعون بسرعة، بينما نحن في أمس الحاجة إليهم. وآه لكم أحتاجك اليوم، وفي هذه اللحظة بالذات... وآه لكم أفتقدك، أنا التي تخلفت عن مواعيد كثيرة معك أيتها الرائعة... فسامحيني. سامحيني أيتها الرائعة. أيتها القديسة. أيتها البهية. أيتها الفريدة في طيبوبتها، الطيبة في فرادتها... هل يجب أن ننتظر أن يأتي الموت ليخطف منا من نحبهم كي ندرك أخيرا كم نحن نفتقدهم؟ هل يجب أن يأتي الموت لكي نتذكر أننا تأخرنا كثيرا في الزيارة وأننا تخاذلنا وأننا قصّرنا وأننا أخطأنا؟ هل يجب أن يأتي الموت لنتذكر أننا نسينا أن نضع قبلة على الجبين وعلى الكف، وأن نقول بكل بساطة: «أحبك...»؟ هل يجب أن يأتي الموت لنتذكر كم كنا قساة حين سمحنا للحياة أن تفعل فينا ما تشاء، ونسينا أشياء أخرى، بسيطة في أهميتها؟ يا آسية... هل ينتظر هذا الوطن رحيل رموزه الواحد تلو الآخر، لكي يعي كم كانوا فيه رائعين؟ يا آسية... هل يقدر هذا الوطن أن بين أطفاله أشخاصا يستحقون كمّا أكبر من الحب ومن التقدير ومن الإجلال؟ يا آسية، سيذكرك الوطن وسيذكرك المئات من الشباب الذين أعدت لهم جزءا من إنسانيتهم ومن أملهم؛ أنت التي انغرس عَرقك في تربته حد الانصهار؛ أنت التي كنت وستبقين جزءا من قدر هذا الوطن...أمثالك قلائل، وأنتم من تجعلون حالَنا غير الحال سيدتي... لم أقلها لك في السابق، وآه لكم أندم. آه يا آسية، لكم أحببتك... وآه يا آسية، لكم أندم على كل تلك الأشياء البسيطة التي لم نقم بها، وتلك اللقاءات التي لم نكررها، وتلك القصائد التي لم نقرأها وتلك النكات التي لم نحكها وتلك الضحكات التي لم تملأ الفضاء وتلك اللحظات التي لم ولن تكون بعد اليوم. آه كم هو موجع فقدك أيتها الغالية... أشتاقك اليوم. أشتاقك في الهدوء المفجع ليوسف، وهو الذي فقد فيك الأم والصديقة. أشتاقك وأنا أتأمل صلاح، تلك القوة الهشة التي أنهكها الرحيل. أفتقدك ووفاء تبكي، تائهة، بين ذراعي. أفتقدك في ابتسامة توفيق المكابرة وفي الحزن العنيد في أعين أسماء. أشتاقك في الصمت الموجع للعربي. أشتاقك في الابتسامة الحزينة لجمال وفي الهدوء المكابر لخالد. أفتقدك في لوعة سلمى وأسماء وخديجة وفوزية وغسان وعبد العزيز، وفي دموع تلك التي تبقى رائعة، وهي في قمة الفاجعة والألم والحزن، مريم. أفتقدك في كل جزء من هذه العائلة التي تبنّتْني بسهولة تغمرني... تدفئني... تُحييني... أفتقدك في دموع أسرة تختزل عندي الوطن والحب والصداقة. ارتاحي آسية... فقد تعبتِ كثيرا أيتها الغالية. ارتاحي لأننا، ربما، حملناك أكثر مما يستحمل قلبك الكبير... بقلم : سناء العاجي, كاتبة