أسر تعارض التدخل في أوقات فراغ أبنائها احتراما لحريتهم يعتبر تدبير الوقت الثالث من الأمور التي تشغل بال كثير من الآباء، فتجد كثيرا منهم يحرصون على توجيه أبنائهم حتى تكون أوقات فراغهم أكثر إيجابية بدل إضاعتها في أمور قد لا تعود عليهم بالنفع. وفي مقابل ذلك هناك أسر ترى أن فرض خضوع أبنائها في أوقات فراغهم لنظام معين، بمثابة تدخل في حريتهم الشخصية وحرمانهم من الاستمتاع بطفولتهم. في الورقة التالية نستقي آراء مختلفة حول الموضوع: قالت فدوى إنها دأبت منذ ثلاث سنوات على تسجيل ابنتيها لمتابعة دروس في مجال الرقص الكلاسيكي، عصر كل أربعاء ومتابعة دروس في السباحة والتنس نهاية الأسبوع.وتعتبر فدوى ما تقوم به يندرج في إطار تدبير الوقت الثالث لابنتيها، إذ تقول إن دور الآباء هو التوجيه السليم للأبناء وتمكينهم من تعلم عدد من المهارات بدلا من تضييع الوقت في مشاهدة التلفزيون أو اللعب ساعات طويلة.وأكدت فدوى أنها تدخلت لتنظيم الوقت الثالث لابنتيها بعد أن لاحظت جلوسهما ساعات طويلة لمشاهدة برامج التلفزيون بما فيها المحظورة عنهما، موضحة أن الخادمة التي تتولى تدبير شؤون المنزل في غيابها تسمح لهما بمتابعة برامج كل القنوات الوطنية والأجنبية.وتوافق مريم (أم لطفلين) فدوى الرأي في حرصها وزوجها عمر على تدبير الوقت الثالث لابنيهما، فلا يفوتان أي فرصة لجعل أوقات فراغهما مفيدة، فهما يلجآن إلى وضع برنامج معين ومختلف عن سابقه.وتؤكد مريم أن طفليها أصبحا أكثر انضباطا وتدبيرا لوقت فراغهما، وذلك بتقسيمه للقيام بأمور تساهم في تنمية مهارتهما وتقوية معارفهما بشأن أمور كثيرة.وفي إطار التدخل لتدبير الوقت الثالث لعمر (عشر سنوات) وأشرف (ثماني سنوات)، سجلت مريم ابنيها في ناد لتعلم الفروسية، على اعتبار أنها من الرياضات التي ذكرها الرسول الكريم في حديث له وحث الآباء على تعليم أبنائهم لها.وإذا كانت فدوى ومريم اختارتا تدبير أوقات فراغ أبنائهما باللجوء إلى تسجيلهم في دروس رياضية فإن مجيدة ترى أنه من الأفضل تعليم الأبناء لغات مثل الإنجليزية والإسبانية في وقت مبكر ليستفيدوا منها في ما بعد في مسارهم الدراسي والمهني."أغلب الآباء أصبحوا يفكرون في تقوية معارف أبنائهم في شتى المجالات ومن جملتها اللغات الحية"، تقول مجيدة التي سجلت ابنتها منال (اثنتا عشرة سنة) وابنها ربيع (تسع سنوات) في أحد المراكز الثقافية لتعلم اللغة الإنجليزية.وتعتبر مجيدة أنها بذلك تنجح في تدبير الوقت الثالث بشكل جيد، إذ يتعين على ابنيها متابعة الدروس وإنجاز تمارين بعد العودة إلى البيت، وبذلك لا يبقى لهما سوى وقت محدد للعب واللهو.واسترسلت مجيدة أنها تفكر في ما بعد في تسجيل منال وربيع في دروس لتعلم اللغة الإسبانية بعد استكمال كل مراحل الدراسة بالمركز الحالي.وتعترض نادية على تدبير الوقت الثالث لأبنائها الثلاثة، إذ ترفض التدخل في ذلك مخافة أن تحرمهم من حريتهم في اللعب والقيام بأشياء من شأنها المساهمة في تكوين شخصياتهم."لو فرضت على أبنائي ماذا يتعين عليهم القيام به في وقتهم الثالث، فحينها سأجردهم من حريتهم التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من إنسانيتهم وسأبدو كأنني بصدد التعامل مع آلات وليس أطفالا"، مضيفة "ينبغي على كل الآباء ترك مجال للأبناء ليختاروا ما يريدون القيام به، وليس إجبارهم على اتباع نظام معين أو الانخراط لتعلم مواد لا تكون لهم رغبة في متابعتها".وتعارض نادية الرأي القائل بضرورة تسجيل الأبناء بالموازاة مع دروسهم في مدارس أخرى لمتابعة دروس في اللغات، موضحة أنه ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن الطفل في حاجة إلى قسط من الترفيه في وقته الثالث، مادام يقضي ساعات كثيرة أسبوعيا لمتابعة دروس في مواد مختلفة والقيام بواجباته المدرسية.ويعتبر تدبير الوقت الثالث من الأمور التي أثارت خلافات كثيرة بين نوال وزوجها فوزي، فهي دائما تمانع قراره بفرض نظام معين على أبنائهما الثلاثة، الذين لم يعد أمامهم سوى ساعات قليلة كل أسبوع للاستمتاع براحتهم.وأوضحت نوال أن الأبناء بالموازاة مع متابعة دروسهم في مستويات مختلفة يتابعون دروسا ليلية في مواد علمية (رياضيات، فيزياء علوم تجريبية، لغات...)، كما يمارسون رياضات السباحة والكراطي وكرة القدم نهاية الأسبوع.وتنتقد نوال النظام الذي أرغم زوجها أبناءه عليه، الذين أصبحوا دائمي الشكوى وفي حاجة إلى الاستمتاع بأوقات فراغهم، فلم يعد لهم متسع من الوقت حتى لمشاهدة ما يرغبون فيه من برامج على شاشة التلفزيون.واعتبرت نوال أنه من الضروري الاعتدال في تدبير الوقت الثالث، لأن الأمور قد تنعكس سلبا على الأبناء نتيجة حرمانهم من حقهم الطبيعي في اللعب واللهو.وأشارت نوال أن كثيرا من الآباء يدبرون الوقت الثالث لأبنائهم ليس حبا فيهم وإنما لتقليد أسر أخرى، وكأن الأمر بات موضة العصر، وتخلفهم عن تسجيل الأبناء في دروس لتعلم الموسيقى أو الرقص أو الرياضة واللغات يجعلهم ينعتون ب"التقليديين". أمينة كندي