ثغرات جمة في تقنين دعاوى ثبوت الزوجية وطلبات الإذن بالتعدد إذا كان اللجوء إلى حل ميثاق الزوجية بالطلاق أو بالتطليق لا يتم إلا استثناء وفي حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين، لما في ذلك من تفكيك الأسرة والإضرار بالأطفال عند وجودهم، فإن الواقع يكذب القانون إذ أن الارتفاع المهول لنسبة التطليق وبطلب من الزوجة أصبح سائدا، وكأنما يتعلق الأمر بالتعسف في استعمال الحق، فقبل صدور مدونة الأسرة لم يكن التطليق ميسرا لموانع شرعية ولصعوبة إثبات الضرر ولطول المسطرة القضائية، أما بعد صدور المدونة المذكورة، فإن الحرج عن الأزواج رفع بطريقة قد يفهم منها أنها انتقامية بل وخرقت قاعدة الأخذ بأخف الضررين، أي ضرر وما هو نوعه؟ هل هو الشقاق؟ علما أنه ليس هناك أي تعريف تشريعي لمفهوم أو مصطلح الشقاق مما فتح الباب على مصراعيه لكل من يدعي عدم التفاهم أو عدم وجود حل أو علاج نفسي أو اجتماعي لمشكلة ما التذرع بوجود شقاق.وبالرجوع إلى قوله عز وجل: «وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما»، فالمعنى واضح من القاعدة الشرعية وهي الخشية من الشقاق وليس الشقاق في حد ذاته، فإذا وقع ضرر للمرأة ولم تستطع إثباته وأصرت على التطليق أمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق حسب المادة 100 من المدونة، وبالتالي فالحل يكمن في المرحلة ما قبل الوصول إلى القضاء، ولذلك كان الإصلاح هو المعول عليه شرعا وليس الصلح لما بينهما من فروق جوهرية رغم أن الظاهر لدى عموم الناس، وكذلك في المدونة نفسها، أن الأمر سيان مما بات معه عدم دستورية مقتضيات طلب الزوجة التطليق للشقاق لأن الإسلام دين الدولة وليس فيه ما يخول لها الطلب المذكور خاصة أنه بالرجوع إلى جميع مقتضيات القرآن المتعلقة بالطلاق فإنها تخاطب الأزواج وحدهم كقوله تعالى: «وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف» ...»وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف» الآيتان 231 – 332 من سورة البقرة، بل الأكثر من ذلك أن المدونة أجازت للمحكمة اللجوء تلقائيا إلى مسطرة الشقاق في حالة طلب الزوج الإذن بالتعدد وعدم موافقة الزوجة المراد التزوج عليها (المادة 45). فالإصلاح هو ضد الفساد والصلح هو ضد الخصومة وقد جاء في قوله تعالى: «وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما والصلح خير» (الآية 120 من سورة النساء)وطبقا لقانون الالتزامات والعقود سيما الفصل 1098 منه فإن الصلح عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه أو بإعطائه مالا معينا أو حقا. فضبط التدخل للإصلاح أو الصلح أمر أساسي وبه وجب تعديل مقتضيات المدونة حتى تكتسي طابع الانسجام الاصطلاحي الغائب في هذا الإطار.وعلاقة بسبب الشقاق كذريعة للفراق وحل ميثاق الزوجية، فإن السبب المذكور صار قناعا بل غطاء يتذرع به طالب التطليق (الرجل أو المرأة) لنيل مراده، حتى إن مسطرة الشقاق هي الوحيدة السهلة المتناول والرافدة لأسباب ومساطر أخرى مستوجبة للإثبات أو لمرور مدة زمنية معينة كما هو الحال بالنسبة إلى طلب التطليق للضرر أو للغيبة.وهكذا فبدل أن تحل المدونة معضلة تفكك الأسر أضحت تشجعه أمام غياب دعوى للصلح أو الإصلاح حقيقين من طرف المحاكم، إذ أن التخصص في المجال الأسروي يكاد ينعدم لدى منظومة الوزارة الوصية على القطاع، مما يؤثر سلبا على التوفيق بين الزوجين المتخاصمين أو إجراء التصالح الجدي المنصوص عليه في الفصل 180 من قانون المسطرة المدنية الذي ينهي النزاع وينفذ بقوة القانون، ولا يقبل أي طعن بل يصلح أن يكون دفعا بسبقية البت ومانعا من عرض النزاع من جديد.ومن مساوئ محاولات الصلح في المدونة أيضا، وتحديد مدة ستة أشهر كحد أقصى للبت في دعاوى التطليق (باستثناء حالة الغيبة)، اعتماد حكمين يمكن أن يكون لهما دور في نفور الزوجين من بعضهما أو من رفع درجة التوتر بينهما، وهذا يتطلب إما تدخل تشريعي تعديلي يوكل مهمة الحكمين إلى مؤسسات اجتماعية متخصصة أو للمحامين أو الأطباء النفسانيين أو لكل من يفترض فيهم الخبرة والعلم على الأقل في المسائل القانونية والتخصص والحياد، طالما أن الحكم يفترض فيه التوجيه والإرشاد والمعرفة الحقوقية لتحرير المحضر أو التقرير الكتابي الذي بموجبه يتم الإشهاد من طرف المحكمة على الإصلاح أو تحديد المسؤولية عن الفراق.إن ما أهملته المدونة هو العلاج النفسي والاجتماعي والاقتصادي الرامي إلى الحفاظ على استمرار الزوجية أو الأسرة قبل الحلول القانونية المجردة عن العلاج المتنوع المذكور.ومن عيوب المدونة نذكر مسألة الإذن بالتعدد، فالمشرع لم يفترض للزوج طالب الإذن بالتعدد أن تكون له زوجتان أو ثلاث، إذ أن مقتضيات المواد من 41 إلى 46 من المدونة لا تستهدف إلا الزوجة المراد التزوج عليها ولم تتحدث عن الأخريات ممن يكون الزوج قد عقد عليهن سواء قبل دخول المدونة حيز التطبيق أو بعدها، فهذا إغفال غير مقبول لأنه يقف أمام حق الزوج الشرعي في التعدد فضلا عن غموض السبب الموضوعي الاستثنائي الذي جاء به نص المادتين 42 و44 مما يترك للمحكمة السلطة التتقديرية للإستجابة للطلب من عدمه وهذا حد غير مقنن لممارسة التعدد.أما في ما يتعلق بالزواج الواقعي وإن كان شرعيا بعد توفر شروطه، فإن المادة 16 من المدونة اعتبرت عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج مما قد يجر على الزوجين اللذين لا يتوفران على رسم زواج متابعة جنحية بشأن الفساد إلى حين صدور حكم نهائي في دعوى الزوجية علما أن بعض النيابات العامة تطعن بالاستئناف وأحيانا بالنقض في الأحكام الصادرة بثبوت الزوجية مما يؤزم ويعقد أمر إثبات الزواج خاصة إذا كان المدعى أو المدعى عليه متزوجا، إذ في هذه الحالة يمكن أن يتابع بجنحة الخيانة الزوجية، وهذه أمور كلها تتيحها المدونة دون أن تجعل لها حلا قانونيا رغم مرور ثماني سنوات على صدورها تاركة بذلك سد الخلل والثغرات للاجتهاد القضائي الذي يعاني بدوره تضاربا، إذ أن تناقض الأحكام لا يساعد على استقرار الأسرة وحماية الأطفال، وإنما تساهم في تعريضهم لأمراض نفسية ولآثار اجتماعية وخيمة مما ينبغي توحيد العمل القضائي ومراقبته في هذا الإطار وتفادي ذلك بتعديل المدونة حتى تفي بالغرض الذي وضعت من أجله. وجدير بالذكر أن النيابة العامة بمحاكم الأسرة ليس لها من الآليات المادية للسهر على تنفيذ الأحكام القانونية المتعلقة بحقوق الأطفال المنصوص عليها في المادة 54 من المدونة سيما ما يتعلق بالتدابير اللازمة لحماية الأطفال وضمان حقوقهم في الصحة والتعليم والحياة والهوية والنسب وما إلى ذلك، إذ ليس للمؤسسة القضائية المذكورة من سلطة على الجهات المعنية بالتدابير المومأ إليها، رغم أن الدولة مسؤولة عن ذلك بصريح العبارة، فمن المسؤول إذن؟ هل وزارة الأسرة والتضامن أم غيرها علما أن الجزاء عن المسؤولية هو أداء التعويض عن الضرر اللاحق بالطفل عن خطأ مرفقي أو الإهمال.إنه ينبغي تفعيل المقتضى الدستوري (المادة 1 من الدستور) الرابط بين المسؤولية والمحاسبة إلى حين إحداث المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة (المادة 32 من الدستور). بقلم: د. مصطفى أشيبان