رواج هام خلال الأسبوعين قبل يوم النحر لكل مناسبة طقوسها وعاداتها التي تنعكس على أنماط الاستهلاك، وتساهم هذه المناسبات في بروز العديد من النشاطات التجارية والمهن الموسمية من أجل تلبية حاجيات الأسر، ويعد عيد الأضحى من أهم المناسبات التي تشهد فيها مختلف الأسواق رواجا هاما، إذ مع اقتراب هذه المناسبة الدينية تعرف الحركة التجارية رواجا ملحوظا بدءا بشركات القروض التي تبدأ في الإعلان عن عروضها أسابيع قبل العيد، ومرورا بالمهن والنشاطات التجارية المرتبطة بالعيد ووصولا إلى تلك المتعلقة بأضحية العيد مثل الكسابة والشناقة وبائعي الأعلاف والذين يتكلفون بأضحية العيد، إذ أن بعض الأسر تفضل ترك أضحياتها ببعض الأماكن المخصصة لذلك إلى حين حلول موعد نحرها، وذلك مقابل مبلغ من المال. الكسابة والشناقة...مصائب قوم عند قوم فوائد إذا كان عيد الأضحى يساهم في تأزيم وضعية بعض الأسر من خلال الضغط على ميزانياتها، فإن الكسابة يجدون فيه مناسبة لتسويق قطيعهم بأعلى الأثمنة، إذ أن الارتفاع الملحوظ للطلب الاضطراري على الأضاحي خلال مدة محددة يجعل الكسابة في وضع مريح لفرض الثمن الذي يريدونه، كما يدخل على الخط بعض الوسطاء الذين يصعبون المأمورية على الراغبين في اقتناء الأضحيات، إذ مع عرض الخرفان والأكباش للبيع، تنشط مهنة مرتبطة بهذا العرض والطلب ارتباطا وثيقا ومباشرا، ويتعلق الأمر ب"الشناقة" أو"السبايبية"، ويقومون هؤلاء بشراء بعض الأكباش بثمن معين، ثم يعيدون بيعها بسعر أعلى، ما يجعل أثمان الأضاحي مرتفعة نسبيا، ويكون المشتري "الضحية" الرئيسي لهذا النوع من المضاربة، وهناك من "الشناقة" المضاربين الذين يكتفون بشراء كبش واحد ويعيدون بيعه في اليوم نفسه، تجنبا لخسارة محتملة بفعل تقلبات الأسعار، وبذلك يضمنون ربحا قليلا لكن مؤكدا. ناقلو الأكباش بعد شراء الكبش يكون صاحبه مضطرا للبحث عن من يحمله، فيجد عددا من الشباب يتسابقون نحوه من أجل عرض خدماتهم، وهذه المهنة لا تتجاوز مدتها أسبوعان داخل أسواق الأغنام، إذ تمثل هذه المناسبة فرصة لمجموعة من الشباب العاطل للحصول على قدر من المال، ومنهم من يكتفي بحمل الأكباش على ظهورهم لإيصاله إلى السيارة، في حين أن البعض الآخر يحمل الكبش على متن العربات المجرورة إلى منزل الزبون، الأطفال بدورهم يحملون رزما من الحبال ويطوفون بها لبيعها، إذ كل من يشتري كبشا يحتاج لحبل يربطه ويجره به. وتزدحم الشوارع الرئيسية بمختلف المدن بالعربات المجرورة التي يضع فيها الشباب أكباش الزبائن، ثلاثة أو حتى أربعة خرفان دفعة واحدة، وكل زبون له وجهته الخاصة، فيتم أحيانا التسابق بين سائقي العربات من أجل ثمن يتراوح بين 10 و50 درهما، حسب المسافة الفاصلة بين السوق ومنزل الزبون. بيع العلف بعد شراء العيد تبدأ الأسر في البحث عن الأعلاف التي ستقدمها إلى الأكباش، وهي المهنة التي يتكلف بها مجموعة من الأشخاص، إذ يعرضون أكواما من مختلف أنواع العلف والتبن على الأرصفة في الأحياء الشعبية وتقاطعات الشوارع والأزقة، من أجل ضمان مصروف الجيب خلال أيام العيد. وهناك بعض الطلبة الذين يمارسون هذه المهنة خلال الأسبوع الأخير قبل العيد لضمان مدخول يساعدهم على تغطية جزء من تكاليف الدراسة. ويمتد هذا النشاط ابتداء من دخول القطيع إلى الأسواق إلى غاية اليوم الأخير قبل العيد، وتتراوح الموارد التي يحصل عليها العاملون في هذه "المهنة" ما بين 1500 و3 آلاف درهم، حسب نوعية الزبائن والموقع الذي يوجد به كل شخص. بيع السكاكين وشحذها بعد شراء الكبش وتأمين كميات الأعلاف التي يحتاجها تبدأ الأسر في البحث عن السكاكين والإكسسوارات التي تستعمل في عملية النحر، فبعض أرباب الأسر يفضلون اقتناء هذه الوسائل جديدة، في حين أن آخرين يخرجون تلك التي سبق أن استعملت في مناسبات سابقة من أجل تهييئها للقيام بالمهمة المنوطة بها على أتم وجه، وهي المهمة التي يضطلع بها بعض الشباب، إذ ينصبون آلياتهم من أجل شحذ السكاكين التي يتوصلون بها من زبنائهم مقابل مبلغ مالي يتراوح بين 10 و30 درهما، حسب عدد القطع التي يراد شحذها. وفي هذه المناسبة تنتشر، أيضا، مهنة الجزارة، إذ يكثر الجزارون سواء كانوا محترفين يتقنون المهنة، أو جزارين "مناسباتيين" يتعلمون الذبح والسلخ في أكباش الزبائن، لكن هناك أسر مغربية كثيرة تعتمد على خدمات الأقارب أو الجيران الذين يقومون بذبح الأضاحي بأنفسهم. رواج معدات الطهو من أجل تهييء "شهيوات" العيد ومختلف الأطباق تقبل الأسر المغربية على شراء لوازم الطهو مثل "الطجين" التقليدي إلى جانب "المجامير" الحديدية والخزفية، كما تنتعش بشكل كبير أسواق التوابل والأقمشة والحناء والملابس التقليدية والنعال التي يفضل النساء والرجال والأطفال ارتدائها صباح العيد والذهاب إلى المصلى. وتحرص الأسر على اقتناء معدات ولوازم لصنع الحلوى فضلا عن العديد من الفواكه الجافة كالبرقوق واللوز التي يتم طهوها مع اللحم في "الطجين". خدمة بعد الذبح وبعد الانتهاء من ذبح الأضاحي، نشاهد مهنة أخرى مقرها الأزقة الضيقة والشوارع والساحات الفارغة، ويتعلق الأمر بخدمة شواء رؤوس الأضحية. إذ يجتمع الشباب في ما بينهم للقيام بهذه المهمة التي تتطلب صبرا على رائحة الدخان وحرارة نار الشواء، وهكذا يجمعون الحطب أو الأخشاب وهياكل حديدية متهالكة لاستقطاب الزبائن. ويناهز ثمن شواء رأس الخروف حوالي 20 درهما، وهي مهنة لا تصل إلى مهنة حمل الأكباش عبر العربات المجرورة في ربحها المادي، كما أن مدتها قصيرة جدا، إذ لا تتجاوز الفترة التي تلي ذبح الأضحية في غالب الأحيان فتكون بالتالي أقصر مهنة. عبد الواحد كنفاوي