معنى الانتقال إلى الديمقراطية اليوم بالمغرب ينبغي أن يشمل تغيير نظرة المواطنين إلى ذواتهم في مرحلة يعيش فيها المغاربة تعبئة كبيرة من أجل التأسيس للديمقراطية وبناء دولة القانون التي تضمن حقوق المواطنة للجميع، تستمر بعض السلوكات المتحدرة من الماضي، والتي لا يريد أصحابها أن ينتموا إلى العصر الذي نحن فيه، ويظلون متمسكين بقيم أصبحت أوهى من خيوط العنكبوت، ومنها الاعتداد بالأنساب والأعراق والشجرات الوهمية، واعتبارها أساسا لشرعية سياسية أو امتيازات اجتماعية أو طبقية أو عشائرية، في الوقت الذي أصبح الهاجس اليوم هو تحقيق المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون والمؤسسات. ارتبط ظهور مفاهيم الأصل والعرق والنسب بخروج الإنسان من التنظيم المشاعي القديم إلى الجماعة القائمة على أساس المِلكية والإرث والعائلة المنبثقة من مؤسسة الزواج التي انبنت بالتدريج على مركزية الرجل الأب عماد المجتمع الباترياركي، وأنزلت المرأة عن عرشها الذي كان يجعل منها عماد الأسرة والمجتمع القديم. مما جعل أواصر الدم والقرابة العائلية والعشائرية والقبلية ذات الصلة بالأب تصبح رباطا وثيقا يضمن حماية المصالح المشتركة للجماعة، والتي لم تعد مجرد مصالح مادية صرفة بل صارت بجانب ذلك مصالح ذات صلة بمعاني الشرف والكرامة والرفعة والامتياز الاجتماعي، خاصة بعد أن أدى ظهور المِلكية إلى تكريس التفاوت بين الناس بشكل أصبح يمثل خاصية أبدية للجماعة البشرية المنظمة. من هنا صار اهتمام الإنسان بأصوله يلبّي حاجة طبيعية إلى معرفة ماضيه السلالي، إذ يدخل ذلك عنده في باب الحفاظ على المركز الاجتماعي المتوارث.وإذا كانت المجموعات المنعزلة لأسباب جغرافية أو غيرها أعطت اهتماما بالغا لموضوع النسب والأصل والعرق، وانطبعت في سلوكها الثقافي على الحفاظ على عرق «نقي» و«خالص»، مما كانت له آثار بارزة في السمات الفيزيولوجية المادية لأبناء الجماعة، فإنّ تطور المجموعات البشرية وتحركاتها عبر الهجرات والحروب وأشكال التبادل الثقافي وانفتاحها وتفاعلها التاريخي مع غيرها، أدّى إلى أنواع من التلاقح العرقي والتمازج الإثني ظهرت معه استحالة الحفاظ على الدم والسلالة أو العرق الخالص، وأصبحت السمات البيولوجية متداخلة لدرجة كبيرة، خاصة في الأزمنة الحديثة والمعاصرة، دون أن يعني ذلك انصراف الإنسان عن الاهتمام بموضوع الأصول والأعراق، الاهتمام الذي أدى في بعض الأحيان إلى انبعاث أشكال من التطاحن العرقي بالأساليب الأكثر وحشية التي لم تستطع قيم الحضارة الحالية رغم تطورها الكبير وطابعها الإنساني أن تهذبها أو تطمسها بشكل نهائي. وأفضل الأمثلة على ذلك ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية بسبب النزعة النازية، وما وقع قبل سنوات في كل من البوسنة والهرسك ودارفور ورواندا، مما يطرح أكثر من سؤال حول هذا الاهتمام ومستويات تمظهره وأسباب استمراره وتجلياته المختلفة. في المغرب مثل السكان الأصليون الأمازيغ نموذجا للمجموعات البشرية المنفتحة على كافة أنواع التفاعل منذ فجر التاريخ، مما جعلها لا تهتم بالنسب والعرق الخالص ولا بالشجرات الجنيالوجية، بل كانت ـ رغم مقاومتها الشديدة للغزاة الأجانب ـ لا تمانع في التزاوج والتمازج العرقي، كما كانت ذات إقبال عجيب على أشكال التبادل الثقافي واللغوي مع الآخر، ولهذا لم يذكر التاريخ أن الأمازيغ قاموا ضد ثقافة ما أو لغة أو ديانة ما في حدّ ذاتها، أو أنهم تقوقعوا داخل محميات مغلقة أو تجمعات خاصة، وإن كانوا يقاومون الإيديولوجيات الثقافية والدينية الرامية إلى الغزو مثلما كان عليه الشأن عندما انقلبوا ضدّ المسيحية أيام أصبحت إيديولوجيا لـ "الرومنة" La romanisation، أي للاحتلال والغزو الروماني، كما رفضوا الإسلام الأموي المتغطرس الذي كان يرمي إلى استرقاق الناس وسبي نسائهم، فتبنوا مذهب الخوارج ثم الشيعة، كما أقاموا دولة برغواطة أزيد من أربعة قرون على أساس ديانة وطنية خاصة مفارقة للدين السني الرسمي للخلافة والدول التابعة لها.لكن عدم اهتمام الأمازيغ بالأنساب والأصول والأعراق قد جعل الأقوام الأخرى تنسبهم إلى أصول مختلفة، بحسب الأهداف السياسية، فنسبهم العرب إلى الشرق ونسبهم الفرنسيون إلى أوربا، بينما يقول التاريخ إن شمال إفريقيا شهد استيطانا ضاربا في القدم، كما عرف موجات بشرية مهاجرة في كل الاتجاهات، تفاعلت مع السكان الأصليين على مرّ العصور تفاعلا عميقا، نتج عنه صهر المكونات الوافدة في النسيج السكاني الأصلي الذي كان أكثر كثافة.وخلافا للأمازيغ، كان العرب شديدي الاهتمام في ثقافتهم بالأنساب والأعراق والأصول، حتى أسسوا علما قائما بذاته يدعى "علم الأنساب"، وألفوا في ذلك مصنفات كثيرة منها "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم، وكتاب "أنساب الأشراف" للبلاذري، و"لب اللباب في تحرير الأنساب" للسيوطي، و"نسب قريش" لمصعب الزبيري، و"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" للقلقشندي، وغير ذلك كثير مما يدلّ على انشغال المجتمع القديم بموضوع الأنساب الذي كانت له صلة كبيرة بنمط الحكم وبالصراعات الإثنية في دولة الخلافة، وكذا بالتراتبية الاجتماعية والرهانات الطبقية في ذلك الوقت.وفي المغرب ظلت المَلكية على مدى نصف قرن من الاستقلال تعتدّ بنسبها "الشريف" الذي يربطها بـ"آل البيت"، أي بـ"الدوحة النبوية"، كأحد أسس الشرعية السياسية، معتمدة في ذلك التقليد القديم نفسه الذي يعود إلى قرون خلت، وكانت لذلك تداعيات كثيرة على طبيعة نظام الحكم وتقاليده وسلوك حلفائه، كما انعكس على المجتمع أيضا حيث ظلّ البحث عن انتحال "الشجرات" والتباهي بها واستغلالها في نيل المكاسب المادية والامتيازات الاجتماعية أمرا معمولا به، حتى رأينا في أيامنا هذه من اخترع طريقة جديدة في استعراض نسبه "الشريف" بوضع علامة على سيارته تميزه عن غيره من المواطنين وقد كتب عليها دعوة إلى "احترام" صاحب السيارة وتيسير قضاء حاجاته (كذا!). وهو أسلوب غاية في التخلف، يتم برعاية من السلطة التي تعتبر هذه الفئة من أصحاب "الشجرات" حلفاء لها في المجتمع، مهمتهم إشاعة أخلاق الطاعة والولاء بين الناس، وضمان خضوع الرعايا للسلطة وفق القيم التقليدية للمخزن المركزي.إنّ معنى الانتقال إلى الديمقراطية اليوم بالمغرب، ينبغي أن يشمل أيضا ـ بجانب تغيير علاقة السلطة بالمجتمع من علاقة تسلط وغلبة إلى علاقة تعاقد ـ تغيير نظرة المواطنين إلى ذواتهم، وتغيير وعيهم بالانتماء إلى الوطن وبقيمتهم العليا كمواطنين ذوي كرامة، وهي ثقافة تجعل الناس في غير حاجة إلى الأنساب والشجرات الوهمية لتأكيد جدارتهم وحقهم في أن تُرعى مصالحهم وتُصان. ومنطلق هذا التغيير ينبغي أن يكون انتقال السلطة من الشرعية الدينية والتاريخية (القائمة على رواية معينة للتاريخ وليس التاريخ الفعلي)، إلى الشرعية الديمقراطية التي هي وحدها الشرعية الحقيقية الدائمة، وهذا ما سيجعل المواطنين في غنى عن البحث عن أشكال التقرّب إلى السلطة باعتماد أساطير الأعراق الخالصة والأصول "الشريفة" النقية، لأنهم سيجدون في المؤسسات والقوانين التي تساوي بين الجميع، وكذا في أساليب الحكامة الرشيدة ما يغني عن هذه السلوكات المشينة. بقلم: أحمد عصيد, كاتب