التوثيق العدلي وضرورة فك الارتباط المقال التالي يأتي في إطار الحوار الوطني، حول إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، وفي إطار العروض التركيبية بالمقترحات المعروضة في شأن المهن القضائية، في ندوة الدار البيضاء. في إطار الحوار الوطني، حول إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، وفي إطار العروض التركيبية بالمقترحات المعروضة في شأن المهن القضائية، في ندوة الدار البيضاء المنعقدة بمؤسسة الملك بن عبد العزيز آل سعود، خصوصا العرضين المتعلقين بخطة العدالة، ومهنة النساخة، اللذين يتقاطعان في نقاطهما العديدة، سيما مسألة المرأة المؤهلة ثقافيا، والتي اقترحت جمعيتنا، سلفا، ، من خلال دراستها المنشورة بجريدة الصباح في عدديها: 3250 و3251. ورسميا، في خضم الحوار هذا، بتاريخ 2012.6.15 ، أقول: اقترحت: جدارة إشراكها، وأحقية ولوجها مهنة العدالة والتوثيق العدلي، ناسخة كانت أو غيرها، تفعيلا للقوانين الوطنية، ومبادئ الشريعة الإسلامية، على وجههما المشروع، انطلاقا من المادة 4 من قانون مهنة العدالة بالمغرب رقم 16.03، وقانون مدونة الأسرة المغربي رقم 70.03 والدستور المغربي الجديد، والآية القرآنية 282 من سورة البقرة في قوله تعالى )وليكتب بينكم كاتب بالعدل(: بدون تخصيص الذكر أو الانثى، خصوصا، أن النكرة تعم، كما قال الأصوليون، وصولا إلى الحداثة الميدانية، والتغيير الجذري البناء، إيمانا منا: بأن التغيير المنشود، من هنا يبدأ، وأن قطار فك الارتباط بأنواعه الأربعة، من هنا ينطلق، وأن معظم السادة العدول، طواقون للحداثة والتخليق الشريفين، وليسوا أنانيين ولا إقصائيين، ولا يدلهم فيما يتهمون به، من الرغبة في الإبقاء على الرتابة، والروتينية، والانطواء على خدمة الذات، والتخوف من أن يلاحقهم التنقيص أو التخسيس.وفي هذا الاتجاه، جاء اقتراحنا هذا، الذي قوبل موضوعه، أثناء الندوة أعلاه، باستشكال تقليدي وتعميمي، في عرض وزارة العدل والحريات في اليوم الأول من يومي الندوة، وبتحفظ تقليدي وتعميمي كذلك، من طرف ممثل رئيس المجلس الأعلى للإفتاء بالرباط في اليوم الثاني، الذي علق، الجواب الحاسم في الإمكانية الفعلية، على استصدار إفتاء خاص، من المجلس الأعلى للإفتاء في الموضوع، والذي لا أعتقد أنه سيصدر . كما قوبل، باللامبالاة الملحوظة من طرف الحضور الكريم: لكل من وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، ومن ممثلات جمعيات النساء بالمغرب، ومن الموثقات والموثقين العصريين، رغم أن الولوج المقترح من قبلنا، جاء أولا، في إطار العمل على تخليق مهنتنا، ومراعاة للمنفعة العامة في أهداف جمعيتنا، وهو حق من حقوق المواطنة الكاملة، وأن الإبقاء على الإقصاء منه، هو إبقاء على نوع من الهضم، والتعنيف، والرتابة، والتمايز، التي تتنافى مع سهر وأعمال كل المؤسسات ببلادنا. حيث إن الأولين ( العدل والإفتاء)، وإن استساغا مبدئيا، إمكانية ولوج المرأة مهنة التوثيق العدلي، إلا أنهما في الحقيقة، لم ينظرا إلى الموضوع، بعين الاهتمام، من نواحي متعددة، منها حقوق المرأة المؤهلة، ومنها ضرورة توحيد التوثيق ببلادنا، ومنها ضرورة فك الارتباط، المثقلة به مهنة العدالة لوحدها، سواء مع الازدواجية في الممارسة اليومية على عدلين، أوالازدواجية في وظيفة الكتابة مع مهمة الشهادة، أو مع مؤسسة قاضي التوثيق، أو مؤسسة النساخة، إذ لم يقترحا ولم يستحسنا معا، عملية التطبيق الفعلي الإنصافي، على أرض الواقع، معللين الاستشكال والتحفظ أعلاه بأن حدود شهادة المرأة في الشرع، قصيرة، ولا تتعدى العقود المالية، أو التي تؤول إلى المال، في حين أن عمل وحدود التوثيق العدلي واسعة، ولا تقتصر على هذه العقود فقط، مع أن القصور هذا، هو مجرد نظرية واجتهاد فقهي قديم، وليس فيه نص شرعي حاسم، وأنه متنافى، مع القوانين الوطنية، ومع صريح القرآن الكريم أعلاه، بالإضافة إلى أن هذا الاستشكال، في نظرنا، كان قصيرا في نفسه، منصبا على الشهادة، ومتغاضيا عن الكتابة بالعدل، وكان ينبغي، في هذه الظرفية، وفي هذه المناسبة، تجاوزه على كل حال، والاهتداء بالنصوص القانونية والشرعية الحاسمة، وبالتوجيهات المولوية، ليكون الحوار الوطني، موضوع هذه الندوة وغيرها، حوارا شاملا، وعميقا، وبناء، كما أراد له صاحب الجلالة، في خطاب تنصيب أعضاء الهيأة الوطنية العليا، للحوار الوطني، حول إصلاح منظومة العدالة، بتاريخ 2012.5.8. وفي هذا المضمار، ينبغي اعتبار: الهدف الأسمى المتوخى، لفائدة الصالح العام للوطن والمواطنين، والرجوع الحتمي:عن سنن التشريعات الغربية، التي تمت هندستها، إبان استعمارهم، وخدمة لخصوص مصالحهم: إلى الدستور الإلهي في التوثيق الإسلامي، حيث نهاية دوامة كل الارتباطات بكل أنواعها، وحيث وضع عربة قطار التوثيق العدلي بالمغرب، على متن سكته الصحيحة، بعيدا عن الاحتماء بالتعلل: بالحفاظ على التراث، والأصالة المغربيين، الذي لم يبق له معنى، ولم يبق مجرد الاحتماء به كافيا، على الإطلاق .إذ جاء في القرآن الكريم، وسنة نبيه العظيم في التوثيق الإسلامي وفي استقلال وظيفة الكتابة، عن مهمة الشهادة وغيرها، من الإرتباطات الأربعة: قوله تعالى في أواخر سورة البقرة الآتية 282 )وليكتب بينكم كاتب بالعدل( )واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء(.وفي السنة النبوية الشريفة جاء: أقدم عقد لرسول الله )ص( هو: )بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من محمد رسول الله لفتاه: أسلم، إنى أعتقك لله عتقا مبتولا، الله اعتقك، وله المن علي وعليك، فأنت حر لا سبيل لأحد عليك، إلا سبيل الإسلام، وعصمة الإيمان، شهد بذلك: أبوبكر، وشهد عثمان، وشهد علي، وكتب معاوية بن أبي سفيان(، راجع كتاب التراتيب الإدارية ص 274 من الجزء الأول،)والقصة المأثورة عن رسول الله ) ص( في قبوله: شهادة الأعرابي: الحديث الدخول للإسلام: بثبوت رؤية الهلال، حيث البلدة التي قدم منها، والحالة هذه، أن لا رصيد عدالة له، زائد في شهادته أمام الرسول ) ص( إلا الإسلام( بمعنى أن العدالة المطلوبة في الشهادة، ليست شيئا زائدا عن الإسلام، وأن كل مسلم هو: عدل، وله الحق في الشهادة: رجلان، أو رجل وامرأتان، راجع الصفحة 346 من كتاب: بداية المجتهد، لابن رشد الحفيد، والصفحة 88 من كتاب وسائل الإثبات في الفقه الإسلامي، للدكتور محمد بنمعجوز المزغراني.فهذا شرع الله، وهذه سنة رسول الله: قولا وعملا، كلاهما يوضحان الدسترة الإلهية للتوثيق العدلي، وكلاهما يحتمان إعادة صياغة تشريعنا التوثيقي، بما يتماشى وروح العصر، ويتواكب مع تطوراته ومستجداته، يعنى: ) صاحب حق أو أصحاب حق(، وكاتب بالعدل واحد، وشهود على الكتابة( من مختلف المسلمين، ترضى شهادتهم، فهذا التوثيق العصري ببلادنا، الذي لا تنقصه عن الشرعية الإسلامية، إلا الشهادة على كتابته، وهذا التوثيق في جل البلدان الإسلامية كذلك.ويلاحظ، أنه من خلال العرضين التركيبيين لوزارة العدل، في الندوة أعلاه، أن ثمة إمكانية في فك الارتباط، مع مؤسسة النساخة، ومع مؤسسة القاضي المكلف بالتوثيق، بينما يلاحظ، أن ثمة تغييبا كليا، لمناقشة ضرورة فك الارتباط بين العدلين نفسيهما، في الممارسة اليومية، تلقيا، وتحريرا، وبين وظيفة الكتابة، ومهمة الشهادة عليهما في كل عقد، مما ينعدم فيه الإنصاف، ولا يتماشى مع مبدأ الحوار الوطني، الشامل، والعميق، والبناء، ولا مع القرآن الكريم، ولا مع تفعيل القوانين الوطنية، ويقصي، عن عمد، المرأة المؤهلة من الولوج، ويبقي دار لقمان على حالها، في التمايز بين التوثيقين : العدلي، والعصري، في بلد نموذج في التوحيد على مستوى العالم، وتبقى مهنة التوثيق العدلي مسيجة، ومثقلة بالمسؤوليات المتعددة، والمنفرة، وغير المسايرة لتطورات العصر، وتبقى ضعيفة الدينامية، والعطاء، أمام المتعاقدين من مختلف الأوساط وفي مختلف الأنشطة التنموية، كما هندس لذلك الاستعمار الفرنسي في عهده. والغريب في الأمر، أن فكرة ضرورة فك الارتباط في المسؤوليتين الأخيرتين )عدلان وكتابة وشهادة(، كانت مغيبة في الندوة أعلاه، حتى من طرف السادة العدول المتدخلين، في الندوة، في الموضوع، وكأنهم يائسون، ولا ثقة لهم في إمكانية التغيير الحقيقي، ولا في مآلات الحوارالوطني في حق مهنتهم بصفتها واحدة من منظومة العدالة. ونحن في جمعية عدول استئنافية الدار البيضاء الكبرى، شيبا وشبابا، لا يسعنا إلا أن نعبر عن إيماننا بعدالة مطالبنا ومقترحات جمعيتنا، وعن عميق تأثرنا، وشديد تأسفنا، من بوادر إبقاء الوضع على ما هو عليه في مهنتنا، ومن غياب تدخل الهيأة الوطنية للعدول، بواجبها في الموضوع، وهي حاضرة، و من على منصة الندوة، ناظرة، وسنعود إلى شىء من أصداء الندوة أعلاه، في نقط تقاطعية أخرى بحول الله. بقلم: صابر محمد, رئيس جمعية عدول استئنافية الدار البيضاء وعضو بهيأة العدول بها