الفاعلون الخواص يطالبون بميثاق استثمار متكامل ومحفز حدد الميثاق الوطني مجموعة من الأهداف من أجل إصلاح المنظومة التعليمية، ومن ضمنها تشجيع التعليم الخاص ورفع حصته لتصبح مؤسسات التعليم الخاص تمثل 20 في المائة من منظومة التعليم في أفق 2015. ومن أجل تحقيق هذا الهدف تقرر تخصيص مجموعة من التحفيزات لفائدة الرأسمال الخاص للاستثمار في القطاع. وتجمع كل خطابات المسؤولين الحكوميين على القطاع، خلال الحكومات المتعاقبة منذ إقرار الميثاق الوطني، على أهمية هذا القطاع وضرورة تشجيعه وتحفيز المستثمرين على الاستثمار فيه. لكن، إلى غاية الآن، لم يترجم ذلك على أرض الواقع ولم تتخذ أي إجراءات عملية تصب في هذا الاتجاه، كما هو الحال بالنسبة إلى قطاعات أخرى وضعتها الحكومة الحالية أو تلك التي سبقتها في سلم أولويات برنامج عملها، مثل قطاعي الإسكان والفلاحة اللذين استفادا ومازالا يستفيدان من مجموعة من التحفيزات، إذ من أجل توفير السكن بأسعار في المتناول، منحت الدولة منذ 1998 وإلى غاية 2008 إعفاء من كل أنواع الضرائب وعبأت وعاءها العقاري لفائدة المنعشين العقاريين بأسعار تفضيلية، وما يزال إلى حد الآن يستفيد من أراضي الدولة ومن مجموعة من التسهيلات الضريبية. كما مددت الحكومة السابقة إعفاء هذا القطاع إلى غاية 2020.وفي هذا الإطار، وإذا كانت هناك إرادة حقيقية لتشجيع الاستثمار الخاص في مجال التعليم، فإنه يتعين بداية توضيح الإجراءات التي ستتخذها الحكومة في هذا الباب، سيما أن الجانب الضريبي يعد حاسما بالنسبة إلى المستثمرين، لأن التشجيع لا يتم عبر شعارات ليس لها أي مدلول على أرض الواقع، بل عبر مجموعة من الإجراءات التحفيزية التي تضمن المردودية بالنسبة إلى أصحاب رؤوس الأموال. وعلى غرار ما اعتمد في مجال السكن، إذ تم تصنيف أنواع الشقق إلى السكن الاجتماعي والاقتصادي وحدد السعر الذي على المنعش أن يسوق به المنتوج مقابل إعفاء ضريبي في حين أخضعت أنواع السكن الراقي الأخرى إلى الضريبة، يتعين تصنيف مؤسسات التعليم وتحديد الواجبات الشهرية أو الرسوم المدرسية التي يتعين على المؤسسات الراغبة في الاستفادة من الإعفاء أن لا تتعداها ويترك الاختيار حينها إلى الفاعلين في القطاع. وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة التي كان يرأسها إدريس جطو وقعت اتفاقا إطارا في 8 ماي 2007 مع ممثلي المؤسسات الخاصة للتعليم والتكوين، ونص الاتفاق على تسهيل ولوج المستثمرين في هذا القطاع إلى العقار العمومي، وبعد سنتين من ذلك صادق المجلس الحكومي على مرسوم يفوض الصلاحية للولاة والعمال لتفويت عقارات في ملك الدولة إلى المستثمرين الخواص في قطاع التعليم والتكوين. لكن هذه التدابير لم تجد طريقها إلى التفعيل ولم تلق الإقبال المنتظر من طرف الفاعلين الخواص. ويتضح ذلك من خلال وتيرة إنشاء مؤسسات التعليم الخاصة، إذ أن متوسط عدد المؤسسات الحرة التي يتم إنشاؤها سنويا، حسب الإحصائيات المتوفرة، لا يتعدى 100 مؤسسة، الرقم الذي يعتبر ضعيفا بالمقارنة مع حجم الحاجيات في هذا الميدان، إذ أن عدد الأطفال المسجلين في هذه المؤسسات يرتفع بوتيرة تفوق الطاقة الاستيعابية، علما أن 47 في المائة من مؤسسات التعليم الخاص تتمركز في المحور الرابط بين القنيطرة والدار البيضاء وتتوزع النسبة المتبقية على مختلف المدن الأخرى، في حين أنها شبه منعدمة بالعالم القروي، نظر لضعف الطلب بسبب القدرة الشرائية المتدنية للأسر في هذه المناطق. ويطالب المهنيون، في هذا الصدد، بضرورة فتح حوار وطني حول واقع القطاع وآفاقه من أجل تحديد معالم رؤية جديدة بأهداف واضحة ودقيقة ومحددة من أجل جعل التعليم الخاص عنصر جذب بالنسبة إلى الرأسمال الخاص ومكونا من مكونات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك وفق عقد برنامج موقع عليه من طرف كل الأطراف المعنية. ويتعين في إطار المقاربة التشاركية، إعداد إستراتيجية وميثاق خاص بالاستثمار في القطاع، وإعادة النظر في قرار إخضاع مؤسسة التعليم الخاص إلى الضرائب، إذا كان القطاع يمثل، بالفعل، أولوية بالنسبة إلى الحكومة، علما أن الاستثمار في التعليم هو استثمار في العنصر البشري، الذي من المفروض أن يختلف عن الاستثمار في أي قطاع آخر.وأكد عدد من المتتبعين للقطاع أن الحكومات المتعاقبة والحالية لا تتوفر على رؤية واضحة في هذا المجال، ويتضح ذلك من خلال عدد من الإجراءات الارتجالية، كان آخرها قرار محمد الوفا، وزير التربية الوطنية الحالي، الذي اتخذ قرارا بمنع الأساتذة من الساعات الإضافية بمؤسسات التعليم الخاصة، قبل أن يضطر إلى سحبه، بعدما هدد أصحاب التعليم الخاص بسنة بيضاء.لذا، فإن القطاع بحاجة إلى إستراتيجية على المدى الطويل لا تتغير مع تغير الحكومات، ما سيمكن الفاعلين الخواص من رؤية واضحة ويشجعهم على الاستثمار. عبد الواحد الكنفاوي