fbpx
مجتمع

مواعد “عرقوبية” بابن رشد

مواطنون يشكون تأخر ״الرونديفوات״ وحراس يضاعفون أوجاع المرضى

صراخ وبكاء وعويل…المشهد ذاته يتكرر في مسلسل معاناة المواطنين بمستشفى ابن رشد بالبيضاء. ففي هذا المركز الاستشفائي الذي يعد من أكبر مراكز المملكة من حيث المعدات والخدمات الطبية، لا نجد شيئا أكبر من هموم المواطنين الذين يتوافدون عليه من مختلف مناطق المملكة، أملا في العلاج، ليجدوا أنفسهم حبيسي ردهاته المزدحمة، ومجبرين على الانصياع لقانون الغاب الذي يطبقه حراس أبواب الأقسام الطبية، علهم يشفقون لحالهم ويمنحونهم الأسبقية لزيارة الطبيب، أو يتوسطون لهم لدى مكاتب المواعد، للحصول على أقرب موعد، مدة انتظاره شهران أو ثلاثة أشهر.

أمام مكتبي المواعد بمركز التشخيص 28، تصطف طوابير طويلة من الرجال والنساء منتظرة دورها للحصول على مواعيد لزيارة الأطباء بمختلف أقسام المركز الاستشفائي “ميريزكو”.

سلطة الحراس

بعد ساعات من الوقوف بالصفوف اللامتناهية، يتجه بعض المرضى الذين خارت قواهم إلى الكراسي الموجودة بالفضاء الخارجي للمركز، فيما يفترش البعض الآخر الأرض، منتظرين بيأس أوان دورهم، وحصولهم على تاريخ يحدد مصيرهم ومآل أوضاعهم الصحية.
بين الفينة والأخرى، تسمع توسلات بعض المرضى للحراس الموجودين عند أبواب وأروقة المركز، من أجل التدخل لهم للحصول على الأسبقية في زيارة طبيب أو إجراء فحص معين، فتراهم يشيرون إليهم بالتوجه إلى قسم أو مصلحة ما قائلين” سير عندو يدخلك للراديو وقوليه أنا من طرف فلان” أو “سيري عندها تعطيك الرونديفو وقوليليها فلان اللي فالباب”، ويمنعون من شاؤوا من الدخول، دون موجب حق، ما يدفعهم للدخول في تلاسنات متكررة تنتهي بتنازل منازعهم عن حقه واستسلامه لغرورهم.
وفي ظل محدودية الاختيارات وقلة ذات اليد، لا يجد المستضعفون بدا من الخضوع لأوامر الحراس أو الجلوس في قاعات الانتظار المكتظة، إلى أجل غير مسمى، معددين أوجاعهم ومنشغلين بالحديث عن مشاكلهم، في انتظار الحصول على الحد الأدنى من الرعاية الطبية.

مواعد طويلة

وسط الجلبة التي يثيرها بعض المرضى، بسبب تأخر المواعيد الممنوحة لهم، أثارت انتباهنا دموع امرأة مسنة، كانت تغمغم بكلمات مبهمة، وتتكئ باكية على عكازها، قبل أن تفلت من يدها ورقة الموعد التي سلمتها لها العاملة بمكتب المواعيد. سألناها عن سبب بكائها فقالت ” لقد سئمت من المواعيد البعيدة التي أحصل عليها لمقابلة الطبيب، وتتضاعف معها أوجاعي قبل حلول موعد الطبيب المقبل…”، مشيرة إلى أنها تأتي لعلاج أمراض عدة ألمت بها، منها كسل الغدة الدرقية، وارتفاع الضغط الدموي، والتهاب المفاصل.
وتضيف العجوز التي غزت التجاعيد وجهها “في كل زيارة، أتكبد عناء التنقل والانتظار لساعات قبل أن يحددوا لي تاريخا جديدا. وهاأنذا هنا، رغم ألم المفاصل الشديد الذي أعاني منه. سأضطر للصبر ثلاثة أشهر أخرى قبل أن أتمكن من رؤية الطبيب الذي سيحدد ما إذا كنت بحاجة لإجراء عملية جراحية أم لا، وأنا بالكاد أتمكن من المشي والجلوس وتحمل عناء التنقل بوسائل نقل مختلفة للوصول إلى ميريزكو… وشوف تشوف من هنا 3 أشهر واش نقدر نجي ولا حتى نتحرك من بلاصتي”.

صبر أيوب

أيوب، شاب يقطن بالحي الحسني، يحكي لنا بحسرة عن معاناته بسبب المواعد المتأخرة قائلا “لقد اضطررت للاقتراض من أجل إجراء فحص السكانير لزوجتي المصابة بالتهاب العصب البصري، فرغم توفري على بطاقة الراميد وضيق ذات اليد، وجدت نفسي مجبرا على البحث عن وسيلة للحد من معاناتها، خارج أسوار هذا المستشفى الملعون”، مضيفا ” لقد حددوا لنا موعدا في يناير من السنة المقبلة، رغم أن مرض زوجتي يستلزم العلاج المستعجل كي لا يتسبب في فقدانها للبصر بشكل دائم، لكن، لا حياة لمن تنادي… كاتحير غير مع الحراس اللي فالباب، فما بالك بالأشياء الأخرى”.

سماسرة

من جهته، أرجع أحد الممرضين الرئيسيين بـ”ميريزكو” أسباب تأخر المواعد، في حديثه مع “الصباح”، إلى “الضغط الكبير على المستشفى، الذي أثر بشكل سلبي على مدى احترام المواعد المحددة للمرضى، وعجز المرتفقون والمسؤولون عن التخفيف منه والحد من تداعياته”.
ورغم أن الإدارة حاولت بطرق ووسائل مختلفة تجاوز “أزمة الرونديفوات”، عبر الانفتاح على وسائل متطورة، من قبيل الحصول على موعد عبر الأنترنت، أو خدمة “ألو موعدي”، لم تلق مبادراتها هذه نجاحا كبيرا، بسبب اعتماد المواطنين بشكل أساسي على الوسائل القديمة، وعدم ثقتهم في خدمات الأنترنت، ناهيك عن أمية شريحة مهمة منهم، ما يعرضهم للوقوع في شباك “السماسرة” الذين يستغلون مثل هذه المناسبات لابتزاز المرضى، والتلاعب في مواعدهم.

يسرى عويفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى