وزراء بنكيران يغرقون في حسابات الميكرو والماكرو وينسون الأهم تتعامل حكومة بنكيران مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للبلاد بواقعية تفتقد في الكثير من الأحيان رؤية سديدة وبعيدة المدى. «واش غادي تقوم الثورة على زيادة طفيفة؟» يستخف رئيس الحكومة بحجم الزيادة في أسعار المحروقات، وهو يتحدث خلال ثاني جلساته الشهرية أمام مجلس النواب (يوم الجمعة 29 يونيو الماضي). ليس غريبا أن تذهب بعض التأويلات في سلوكات الرجل إلى أنه يفقد بين الحين والآخر ارتباطه بواقع المغاربة المعيش ويصعد إلى برج عال، حيث يعتكف ويستيقظ في الصباحات الباكرة ليبشر بالإجراءات «الصلبة والمتينة» التي بمقدورها تجنيب «اقتصاد» البلاد السقوط في متاهات التضخم والانكماش والأزمة والحسابات الميكرو والماكرو اقتصادية الضيقة.بنكيران خاطب نواب الأمة، الذين حضروا جلسة مساءلته الثانية، والشعب من خلال شاشات التلفزيون العمومي، مستنكرا الأصوات التي حذرت من غليان واضطرابات اجتماعية بسبب الزيادة في أسعار المحروقات، ناسيا أن إثقال كاهل الطبقات الشعبية المسحوقة فقرا وبؤسا ببضعة سنتيمات سنة 1981 دفع الآلاف منهم إلى النزول إلى الشارع احتجاجا على استهداف لقمة خبزهم... وإلا فإنه، بدوره سينزع نزعة تسلطية أو يعد العدة لهجمة قمعية شرسة، على كل من يتجرأ ويصرخ في وجهه بأن «هذا منكر»، لتكرار أحداث ما أصبح يعرف في قواميس الصحافة الوطنية ب «شهداء الكوميرا».وقال بنكيران إن حكومته كانت أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها للتعامل مع ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية، إما تقليص الاعتمادات المالية المرصودة للاستثمار (باعتباره محركا لعجلة الاقتصاد كثيرة الثقوب)، أو زيادة عجز الميزانية وارتفاع مديونية «الاقتصاد الوطني» مما سيضعنا حتما تحت أقدام مؤسسات مالية دولية وسيفسح لها أبواب المملكة لتتحكم في قراراتها «السيادية» (مشيرا في هذا السياق إلى حالة اليونان)، أو الزيادة في أسعار المحروقات لتجنب كل هذا وليدفع الشعب المسحوق الثمن من جيبه الذي تنهشه شركات التدبير المفوض للخدمات الأساسية وشركات الاتصال والمؤسسات البنكية والمصحات... وبرر بنكيران ذلك بأن صندوق المقاصة استنزف 80 في المائة من الميزانية المخصصة لدعم المواد الأساسية، إذ ذهب مبلغ 23 مليار درهم من أجل تغطية الفرق الموجود بين أسعار البيع في السوق المحلية وتلك المعمول بها في السوق الدولية، علما أن أموال هذا الصندوق مصدرها أساسا دافعو الضرائب، الذين يريد هذا السياسي الفذ الذي لم تلد الأرحام مثله أن يجتبي من أرزاقهم الضرائب لتغطية عجز الميزانية العامة للدولة وتوفير موارد لتطوير الاستثمار دون أن تأخذه بهم شفقة وهم يكتوون بنيران الغلاء والمضاربات التي قال إن وزارته ستتصدى لها...بالتصريحات الإعلامية والمذكرات الوزارية التي تبقى معلقة على سبورة الإعلانات بالمصالح الولائية والإقليمية. ورفض رئيس الحكومة مقترحا تقدمت به فرق المعارضة، بما فيها حزب الأصالة والمعاصرة، من أجل فرض ضريبة على القطط السمان التي اغتنى كثير منها بتحويل مآسي الطبقة الشعبية إلى أبقار حلوب لا تجف ضروعها، لكن الطامة الكبرى هي هُروعه إلى أكبر مؤسسة مالية على وجه الكرة الأرضية «يتسول» منها خطا ائتمانيا بقيمة 6.2 ملايير دولار، إذ قال في رسالة تحمل توقيع وزيره في الاقتصاد والمالية، نزار البركة، ووالي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، موجهة إلى مديرة الصندوق، إن البلد تحتاج أموال هذا الخط الائتماني لمواجهة أي تدهور للأوضاع الاقتصادية الدولية، خشية مفاقمتها لعجز الميزان التجاري وانعكاسها على «مخططات التنمية» وتشغيل العاطلين. محمد أرحمني