تحديد منهجية العمل لإنجاز الإصلاح يعتمد المقاربة التشاركية والدراسة المستفيضة قل كلمتك وامش ... ، مقولة مشهورة تبناها المفكر اللبناني الكبير أمين الريحاني ، ويمكن لكل واحد منا أن يفسرها كما يشاء وحسب ظروفه ، لأن التاريخ لا يرحم كما يقال، فهو بمثابة كاتب كبير يسجل ما يروج بجلسة أكبر ألا وهي مسرح الحياة اليومية، فيوثق صمت الصامتين إلى جانب كلام المتكلمين. في نظرنا تعتبر مسألة أو محطة حصر ملفات الإصلاح وترتيبها في سلم الأولويات حتى تعطى أو لا تعطى لها الأسبقية في مخطط إصلاح القضاء أو منظومة العدالة سواء من حيث الدراسة والتنظيم أو التنفيذ، تعتبر أهم محطة في كل إستراتيجية لإصلاح العدالة أو القضاء، بل قد تظهر الدراسة أو المناقشات على مستوى هذه المحطة أن إشكالية محددة أو ملفا معينا لا مكان له سلم أولويات الإصلاح، ويجب استبعاده كليا من عملية الإصلاح. فلو أخذنا مثلا إشكالية أو ملف الخريطة القضائية وأخضعناه لمنهجية حصر ملفات الإصلاح وترتيبها حسب الأولوية، سوف نرى أو نصادف رأيين متناقضين حول هذا الموضوع: فرأي أول يقول بضرورة مراجعة الخريطة القضائية ، ومن ثم حذف بعض المحاكم الصغرى التي تسجل مثلا ما بين 1000و 1500 ملف جديد غير جنحي كل سنة (مدني، عقاري، أسروي، اجتماعي...)، ومن ثم القيام بعملية إدماج هذه المحاكم الصغرى في محاكم أخرى متوسطة أو كبرى قريبة منها جغرافيا ، وعلى هذا الأساس سيتم اقتصاد الكثير من الموارد البشرية والمادية وتوجيهها إلى المؤسسات القضائية التي تعاني نقصا حادا في هذه الموارد، وهذا هو الرأي الرسمي لوزارة العدل بقصر المامونية، وهو يعبر عن وجهة نظر محترمة وبراغماتية ومبنية بلا شك على معطيات وكانت الوزيرة الفرنسية داتي للعدل سباقة إلى مراجعة الخريطة القضائية ببلدها وحذفت بعض المحاكم لأسباب تقنية وموضوعية حتمتها الفضيحة القضائية المسماة ((فضيحة دوترو )) اضطر معها رئيس الدولة ووزير العدل إلى الاعتذار رسميا للمتقاضين الذين كانوا ضحية أخطاء فادحة ارتكبها مرفق القضاء في حقهم بسبب تلك الفضيحة.أما عندنا نحن بالمغرب فما هي الأسباب الخطيرة أو الموضوعية التي تدعو باستعجال إلى مراجعة الخريطة القضائية، ومن ثم بعض المحاكم الابتدائية أو حتى الاستئنافية، ولماذا لا حتى بعض المحاكم المتخصصة في الإداري والتجاري؟يجب الاعتراف بأن هذا ملف كبير ومهم يحتاج الى دراسة ومناقشة واستشارة واسعة لكل من يعنيه أو يهمه الشأن القضائي، وفي مقدمتهم القضاة الممارسون والموظفون والمحامون والمتقاضون، ولهذا لا أستغرب إذا كان هناك رأي لا يقول بضرورة مراجعة الخريطة القضائية ومن ثم حذف بعض المحاكم على هذا الأساس للأسباب التالية: هناك نمو ديمغرافي مضطرد وتطور اقتصادي تترتب عنهما زيادة في المنازعات القضائية تقتضي تأسيس محاكم جديدة أو توسيع القديمة وليس حذفها لأن من شأن ذلك أن يؤثر سلبيا على تقريب القضاء من المتقاضين وبصفة خاصة سكان البوادي الذين يعدون هم المستفيدون من وجود المحاكم الصغرى بالقرب منهم، أضف إلى ذلك أن هناك محاكم تم تأسيسها لأسباب سيادية في مدن: كآسا الزاك والسمارة والعيون و الداخلة ، أو لموقعها الجغرافي والاستراتيجي بمدن مثل: طاطا والرشيدية و بوعرفة و كلميم ...الخ، ثم هناك الأسباب المهنية القضائية البحتة التي لا تشجع على مراجعة الخريطة القضائية في اتجاه تقليص عدد محاكمها، ذالك أن قلة عدد الملفات الجديدة المسجلة بهذه المحاكم يجب أن ننظر إليها نظرة إيجابية لا سلبية، كيف؟ الجواب على ذالك سهل ، فعلى إثر قلة القضايا المسجلة يتعين على القضاة انتهاز هذه الفرصة من اجل الإبداع في عملهم والدفع بالاجتهاد القضائي إلى الأمام وإصدار أحكام على مستوى عال من الجودة والمهنية وداخل آجال معقولة جدا، وهي نتائج ربما يستحيل على المحاكم المتوسطة أو الكبرى أن تحققها لأن أعباء ومسؤوليات القاضي الذي يحجز ما بين 40و50 ملفا للمداولة كل أسبوع ليست هي أعباء وانشغالات القاضي الذي يحجز للمداولة ما بين 5 و10 ملفات كل أسبوع بمحكمة صغيرة، ولهذا يجب الرهان ليس على حذف المحاكم الصغرى بل التفكير كيف نجعل منها محاكم عصرية و نموذجية في عمل كتابة الضبط، والعمل القضائي، والسرعة في الانجاز، وتأطير الموارد البشرية، واستقبال المتقاضين حتى يكون القضاء في خدمة المواطن حقيقة وليس مجرد خطاب. هذا بالإضافة إلى أن المحاكم التي ستحذف من الخريطة القضائية ستصدر مشاكلها من استدعاء وتبليغ وتنفيذ وبطء وأحكام وقلة الموارد إلى المحاكم المتوسطة أو الكبرى التي ستستقبل ملفاتها ، ثم في الختام أطرح السؤال التالي : إلى أي حد يبدو أن الوزارة مستعدة للتضحية بمبدأ تقريب القضاء من المتقاضين من اجل اقتصاد بعض القضاة والموظفين هنا ، وبعض التجهيزات أو المقرات هناك؟ والى أي حد يمكن الاستسلام لمنطق الكم على حساب الكيف في إنتاج الأحكام؟ علما أن هذا المنطق عمر لعقود ولم تحن بعد لحظة تقييمه بما يخدم مبدأ حسن سير العدالة والنجاعة القضائية؟ أخلص من كل ما سبق إلى أن الرأي ليس تقليص الخريطة القضائية المكونة من أزيد من 102 مؤسسة قضائية ولا نقص عددها، بل الرأي ربما هو العكس، أي الزيادة في عددها لإحداث محاكم للشغل التي احتلت المشهد القضائي المغربي ما بين 1929 و1974 وكانت سابقة في وجودها على المحاكم الإدارية (1993) والتجارية (1997) وطالبت بإحداثها وزارة التشغيل والنقابات وقضاة المادة الاجتماعية في وقت سابق (2001)، ولكن بعض (اللوبيات) وأدت المشروع وحالت دون أن يتحقق.كان وزير العدل السابق عبد الواحد الراضي يقول عن حق:» ... كفى من تشخيص علل القضاء أريد حلولا...» ولن أكون مبالغا إذا ما قلت إنه إذا كان أعضاء لجنة الحوار يفوق عددهم 200عضو فإنه سيكون لدينا في الغالب أكثر من 200رؤية وحل لمشكلة القضاء أو العدالة، ولكن ما يوحد الرؤية هو وجود إستراتيجية متفق عليها، وخطة للعمل، ومنهجية، وحصر ملفات الإصلاح حسب الأولوية، وفوق هذا وذاك إيجاد تعريف عام لإشكالية إصلاح القضاء، وسبق لي أن شاركت من باب الفضول– طالما أنني لم أتوصل بأي استدعاء رسمي للحضورــ في ندوة تأهيل المهن القضائية بالدار البيضاء يومي 6 و7 يوليوز 2012 التي عرفت نقاشات ومداخلات غنية ومفيدة، ولكنها كانت في بعض الأحيان تدافع بشكل شوفيني ضيق عن المهن الحرة القانونية موضوع الندوة ، وليس على القضاء الذي يعد حجر الزاوية في كل إصلاح ، ولذلك فهي لم تلامس في العمق إستراتيجية إصلاح القضاء أو العدالة وفق التصور الذي حللته في هذه المقالة المتواضعة واستئناسا بتجارب بعض الدول في الموضوع والقانون المقارن، وللحديث بقية، والله الموفق. بقلم: إدريــــس فـجـر, مستشار بمحكمة النقض