مقالات الرأي

زيان: أي مقاربة ممكنة لثقافة الإعتراف بتاريخنا الخنيفري؟

حلت قافلة اعتراف بخنيفرة في نسختها الحادي عشرة، جمعية محمد رويشة، فنانون جمعويون مثقفون حقوقيون.. أثثوا المناسبة احتفاء بالفنان الراحل.. لنغلق قوس الحدث منوهين به، لنوقد سؤال؛ أي مقاربة ممكنة لثقافة الاعتراف لو فتحنا كتب تاريخ الأطلس المتوسط المركزي؟ إنها مناسبة للتذكير بأعلام و أحداث طبعت التاريخ الخنيفري.. نختمها بتصور من شأنه إغناء نقاش تثمين الثراء المادي الذي اختتمت به فعاليات الأيام البيئية السابعة بالمدينة..
التاريخ الخنيفري حافل بالأحداث و أسماء شخصيات أطلسية تألقت في سماء الفن الرياضة السياسة التاريخ.. الحيز لا يكفي و سنلقي نظرة على الخيط الناظم لمحطات و أعلام العقد الثمين الذي يوشح الأطلس المتوسط، لا نقارن أحد بأحد و نبحث عن التكامل في العطاء.. من تغطية الاحتفاء برويشة بدأ النقاش و جاء على بال أصدقاء الرياضة العداء العالمي “جواد غريب” ابن خنيفرة، الاسم على مسمى، و السؤال كيف يتحول رموز رفعوا اسم خنيفرة و الإقليم عاليا الى “جواد غريب” بمفهوم جياد غريبة..!.. نعطي النموذج الاستثنائي في التقدير و ثقافة الاعتراف في زمن إحصاء الثراء المادية و اللامادية في أفق تدوير و تثمينه..!؟.
البطل جواد غريب تألق معه اسم مدينة خنيفرة عالميا، في دورة أفول صيت رياضة العدو الريفي المغربية، جواد أنقذ ماء وجه المغرب يوم بيكين، أحرز ميدالية في دورة كانت حصيلة رياضة المغرب صفر ميدالية !؟ في بدايات جواد ركض من قرية الفيجة الى ساحة “الكورص” ساحة قبائل زيان و سط خنيفرة، ركض من جبال الأطلس الى حلبات المارطون العالمية.. الأكيد أنه الى جانب جواد بخنيفرة كانت تركض عدة أسماء خنيفرية من الذكور و الإناث (امبارك، العباسي، كوبي..) و منها من تألق في رياضة العدو و منها من غادر خنيفرة و المغرب بلا رجعة.. سؤال رياضة اليوم أي قدوة نعطي للأجال و الرياضة واجهة تنموية ذات أهمية قصوى.. جواد علامة في تاريخ المحافل العربية و الغربية توج في اسبانيا و فرنسا بأمريكا و آسيا.. أحيانا قد نتناول مواضيع شخصية من زوايا إكراهات ضيقة لكن التاريخ لا ينسى؛ جواد غريب أفضل رياضي في المغرب لسنة 2005 و 2008 التاريخ لا ينسى من أنقذ ماء وجه المغرب في دورة النسيان ببيكين على حد تعبير الصحافة العالمية آنذاك!؟.
في تخليد أسماء المكان و المنشآت بخنيفرة أكاد أشعر أن هناك انحياز لقاموس معين لأسباب مخزنية أو لنوستالجيا ليست أكثر من بهارات في مطابخ الطعام التاريخي نصف الفاسد.. تخليد اسم رويشة دعت إليه فعاليات ثقافية و إعلامية.. و هناك من اعتبر تثبيت اسم محمد رويشة مؤخرا على مؤسسة للرقص و الغناء فقط تقصير في حق فنان ربما عن سوء فهم و تقدير لشخصية أو واجهة كان يقف وراءها مثقفون و مبدعون و أساتذة و رجال سلطة و رياضيين.. كل شريط من خزانة المرحوم بمثابة تكامل جهود؛ فنان و مؤلفين و متتبعين من إقليم خنيفرة.. و عشاق ذلك اللون من جميع أنحاء العالم.. هناك من اعتبر حدث اعتقال الفنان عهد البصري، أنه كان بدافع انتقام متربصين لضرب المثل لتحسيس جيل بكامله بفضيلة الطاعة..!؟ أغنية “إناس إناس” بلغت العالمية لكنها كمقياس تعادل عمرا من الإبداع؛ هي كلمات من التراث المحلي القديم سجلها المرحوم في بداية مشواره و لم تكن شيئا و ختم إبداعه بها مجددا فكانت أبهى و أرقى.. كلوحة فنية عالمية أشبه ب موناليزا ليوناردو دافنتشي.. لعل لحظة إبداع تعادل عمر إنسان، فماذا قدمنا للإنسانية؟
ريبرطوار المرحوم شمل كل أنماط التعبير الأدبي السياسية و الرومانسية.. رويشة لم يكن بمفرده إبداعه يخلد بصمات جيل أدباء و مبدعين من خنيفرة و ليس على سبيل الحصر أذكر بعض الأسماء؛ الزجال الأستاذ “أحمد أوعتيق” الذي يمثل جيل هواة المسرح و التشكيل و التأليف.. جيل من صنعوا أوج مؤسسة “دار الشباب أم الربيع” التي صارت من الماضي، أذكر المرحوم “احمد الهيبة” مربي أجيال و زجالا و رجل مسرح و ممن وضعوا لبناته الأولى.. هناك اسم “الخليفة شراف” ساهم في إعطاء دفعة مهمة للفنان و لفريق المدينة منذ ستينيات/سبعينيات.. القرن الماضي، كان أستاذا و خليفة ببلدية المدينة و لاعب و مسير فريق السياكا و له مؤلفات زجلية و ارتبط اسمه بفريق شباب أطلس خنيفرة..
الفن و الابداع كإنتاج فكري و ثقافي و انساني بالدرجة الأولى.. يختزل ثراثا مكتوبا و شفيها لا من يأبه به !؟..هذا التراث مرجع صريح للممنوع سياسيا و غالبا ما كان يجد قناة لتصريفه.. خلال الثمانينات كان لحزب الاتحاد الاشتراكي وزن بالمدينة مقارنة مع حزب الاستقلال و حزب الأحرار، هذا التقسيم نجد له تفسيرا في التاريخ السياسي و سنوات الحرق التي خيمت طويلا على الإقليم؛ سنوات الرماد تمتد من القرن الوسيط مع الديلائيين الى بداية القرن العشرين مع مناضلي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية “باستبدال اشتراكي بالديموقراطي سابقا” و من رموزه الاتحاد بخنيفرة؛ محمد القاسمي و محمد أمدا.. هذا التاريخ السياسي المسكوت عنه يحيلنا على تاريخ أشد منه يمثله رموز و أعلام الزاوية الديلائية منهم؛ أبو بكر الديلائي و حسن اليوسي.. و أعلام زاوية إيمهواش؛ أمهاوش سيدي علي جيل من اعتقل السلطان سليمان في حرب زيان.. هناك أسماء ارتبط اسمها بتاريخ سياسي و لم يُخلد اسمها بالإقليم و الذي يحز في النفس أن تسمع ب”علي العكاري” دفين الرباط و لا تدري أنه تعلم بزاوية أيت إيديلا بإقليم خنيفرة الى جانب صاحب “مرآة المحاسن”..!؟ كيف لا تتأثر عندما تسمع بكتاب “طبائع البربر” الذي طُبع بالجزائر يتحدث عن الأطلس و هو منسوب لمؤلف مجهول ثم تقرأ في التاريخ أن أبو بكر الديلائي تم نفيه للجزائر بعدما تم ترحل اليوسي و معه تاريخ الأطلس لفاس مع دك و إحراق الباقي.. نذكر قلعة فزاز و حاكمها المهدي الزناتي و قرية جنان ماس و أعلامها.. إنها علامات و مؤشرات واعدة تقرع مطلب التنقيب و الحفر الايركلوجي لإضاءة مراحل بهدف إغناء و تصحيح الموروث الثقافي..
في تاريخنا شخصيات تنتمي للتاريخ القديم و المعاصر؛ المتداول و السياسي المسكوت عنه.. لنسترجع ذكريات سيادة لون و أسماء حزب الاتحاد، نتذكر الاتحادي “عبد الرحمان مسين” إسم مرحلة و منعطف سياسي كان الوعي فيه يتوجه نحو القطع مع أساليب من الماضي، جيل تشبع بثقافة حقوق الانسان و شهد ميلاد فرع الجمعية المغربية لحقوق الانسان؛ أولى ملفاتها “ملف الشهيد الحمزاوي المصطفى” كما نسجل نضالات الفرع الى جانب نشطاء حزب الاتحاد.. و تضامنهم مع فنانات طالهن التعسف لرفضهن تأثيث حفل دعا العامل لتنظيمه لاستقبال وزير الداخلية البصري..و اعتقل على خلفية ذلك المرحوم رويشة.. هكذا يتبين أن الفنان بالأطلس لم يكن بمعزل عن الأحداث هناك فنانون تعرضوا للاعتقال و أكتفي بنموذج قصيدة زجلية للشاعر محمد مردة من أجلموس، أحرجت الرواية الرسمية بشأن تعداد ضحايا حادث فيضان أم الربيع؛ أنشدت في أسواق السبعينيات و من حسناتها أن المؤلف دعا من خلالها لبناء صور يحمي المدينة القديمة من تكرار المأساة فاعتقل المؤلف و شُيّد الصور.. المثقف الخنيفري لم يكن بمعزل عن الأحداث و كان يجد طريقة لتصريف مواقفه السياسية و إبداعه الفني بتعاون مع المرحوم رويشة يكفي التذكير بقصيدة “على المدينة حطوا غربان واش بقي للطير فين إربي لوكار؟” و زجل أُعتيق حول تهميش الشباب في”فات عليك الحال يا الغرس محال تنبث” هذه فقط نماذج من قصائد غناها المرحوم رويشة، لنخلص في النهاية الى أن هذا الوعي الذي جهر به رويشة و حمل رسالته.. له ارتباط بالمُعاش اليومي باعتباره امتداد للماضي و نضال بوعي مستقبلي تحركه غيرة وطنية لخصها رويشة محمد بقوله”نحن فوق أرواح الأم التي ربتنا، روح أمنا الأرض خنيفرة و بغيرة على الوطن من طنجة الى لكويرة..”.
إن الحنين لماضي وتاريخ الأطلس المتوسط ليس برغبة للعيش فيه، أبدا، و لكن لأنه ذاكرة الآتي وجب جمعة و غربلته لتثمينه.. كما لا يفوتنا أن نشير هنا أن هذه الأفكار لا نلزم بها أحدا غايتنا أن تجد هامشا في باب الاستئناس ربما تغني نقاش التنمية و إحصاء الثراء اللامادي.. نحن في البلدان النامية ليس لنا سوى ثروتنا المادية و اللامادية، الأكيد أنه لا مجال لمقارنتنا مع دول زرعت علمها في الفضاء و القمر.. بالتالي لا مفر من إحصاء ثروة الإقليم عبر التنقيب في الجغرافيا عن التاريخ و غربة الماضي على ضوء العصر.. خلاصة القول؛ عندما نضيء مراحل مظلمة من التاريخ سنجد في ذاكرتنا ما نفخر به ليس بهدف تحنيطه لكن بما يسمح لنا به تجديد الحياة و تنمية المجال و الإنسان و لنا أن نسوق مثالا حيا يغني هذا التصور؛ إن حنين الفرنسين للتاريخ و للويس السادس عشر الذي تم إعدامه على المقصلة رفقة وزوجته.. فيه تعاطف و حنين لا يعني حنينا للماضي الملكي أو أنهم سيصوتون لمرشح يرفع شعارات العودة.. لكنه حنين لا مادي إنه حنين رومانسي له حسنات اقتصادية لا تحصى؛ تفيد المؤسسات المالية و مصممي الأزياء من خياطين تقليدين ممن ينسجون و يخيطون ثياب مرحلة تاريخية كما يستفيد منها صناع الموضة و التجميل و الحلاقة و صناع الشعر المستعار و التسريحات الغابرة للرجال والنساء.. فضلا عن فتح أوراش مسرحية تخلد أسماء شخصيات و فرسان.. الى ما لا نهاية من أفكار فنية بخلفيات اقتصادية.. من هنا تتضح خريطة الطريق فما أحوج أطلسنا المتوسط لمبادرات تتناول التاريخ بهدف دخ دماء جديدة في مقومات اقتصادية تعاني سكرات الموت جراء تأثير ثقافة العولمة على منتوجات الآزغار و الجبل.. منتوجات فلاحية قوامها ثقافة تربية المواشي و الخيول و الصناعة التقليدية.. و كل ما له ارتباط بالعادات و التقاليد و اللباس و الأطباق..

المصطفى زيان: ناقد

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض