fbpx
مقالات الرأي

بن أهنية: صقيع الوحدة وبرودة الفراغ في حياة مي زيادة!

“ما أشد صقيع الوحدة وبرودة الفراغ “!!!
عبارات تثير الفضول والخوف في آن واحد!!!
عبارات باردة كقطع الثلج الأبيض في حد ذاتها، إذ هكذا نطق بها صديقي مع حشرجة رافقت صوته المبحوح الخافت ونحن نخطو ونتحاشى برك المياه المتناثرة نحو بوابة المقهى المهجور، الذي ألفناه مثلما ألفنا برودة هذا الطقس، وسرعان ما تحولت كلماته تلك وزفيره النابع من أعماق خلجات فؤاده إلى حلقات بخار وكأنها من دخان، مستديرة الشكل تكونت بفعل البرودة الزائدة في هذا المكان، لتتصاعد ببطء وبشكل تسلسلي رائع إلى عنان السماء لتنكسر وتتبدد وتزول إلى الأبد!!!. ذكرتني كلماته تلك بأجواء وأحوال الكتاب والأدباء والشعراء الذين انزوت ذكرياتهم في أغوار وأعماق التاريخ البائد، فشردت بفكري لحظتها أبحث عن ذكرى أدباء كنت مولعا بتتبع حياتهم وتقفي آثارهم من خلال أعمالهم وما جادت به قريحتهم وخواطرهم المنكسرة، وما أكثر ما وجدت نفسي أقف مرارا في جوف الليل المظلم وسكونه السرمدي الطويل البارد، مشدوها متسائلا أقلب أفكاري بحثا عن أسرارهم وأنا أتأمل في محطات مختلفة من حياتهم، لأجدها متناثرة مصفرة شاحبة كأوراق الخريف لا تتحرك إلا إذا هبت عليها نسائم الريح فتتدحرج أو تتطاير؛ محطات غالبا ما تعتريها الوحدة والوحشة والبؤس الممزوج بأنين العذاب وتعاسة الحياة، حيث تلازمهم فيها أحزان وأشجان كانت تكبلهم وتجعلهم يتجرعون مرارة الأيام وعذابها ورحيقها المر كالعلقم في طعمه، ليتمخض عنها فكر وأدب وأشعار ونثر ومسرح وفن، زخرفت كلماته صفحات التاريخ ونقشتها بأشكال إبداعية جميلة أبدية لا تنسى. توقفت حينها فجأة عند أطلال من حياة الأديبة والكاتبة الفلسطينية-اللبنانية مي زيادة، التي طالما عشقت قراءة قصصها ورسائلها وباقي كتاباتها أيام الثانوية، حين كان الطلاب على اختلاف مستوياتهم شغوفين بالقراءة والاطلاع، فأحببت أن أتجاذب الحديث حولها مع صديقي رفقة أنفاس هذا الصباح البارد الممطر الجميل خلف ضباب زجاج هذا المقهى المهجور البارد أيضا، ونحلق بعيدا حول أطلال وشذرات من حياة تلك الأديبة الرقيقة والمرهفة الإحساس والمشاعر.
استطرد صديقي الحديث مذكرا إياي بولادة مي زيادة في الناصرة عام 1886م،
وأنها أتقنت تسع لغات: العربية، والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والأسبانية واللاتينية واليونانية والسريانية. نعم، كانت مي زيادة الابنة الوحيدة لأب لبناني وأم فلسطينية أرثوذكسية شاءت الأقدار أن تتم دراستها في قسم الأدب سنة 1907م بجامعة القاهرة في مصر، حين انتقلت مع أسرتها إلى هناك. وعلى ما يبدو فإنها عشقت الثقافات على اختلاف ألوانها وأطيافها مما جعلها شغوفة بدراسة اللغات الأجنبية كأداة تواصل فعالة؛ فدرست اللغة الفرنسية التي تعمقت فيها كثيرا، ثم اللغة الإنجليزية والألمانية والإيطالية. لم تتوقف مي زيادة عن التبحر في اللغات، فانكبت على دراسة اللغات الإسبانية والألمانية والإيطالية أيضا، وعكفت على إتقان اللغة العربية رغم انشغالها بمهنة تدريس اللغة الفرنسية والإنجليزية بكلية الآداب، وانشغالها أيضا بتخصصها في دراسة الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة.
استطاعت مي زيادة أن تلفت الأنظار إليها بشكل عجيب من خلال مقالات أدبية ونقدية واجتماعية كانت قد خاضت تجربتها منذ صباها، وهكذا تعرف عليها العالم الخارجي من القراء. وكباقي الأدباء والشعراء، لم تنس أن تضرب لها موعدا مع أدباء آخرين رغم انشغالاتها المتعددة، فكانت تعقد مجلسها الأدبي كل ثلاثاء من كل أسبوع.
امتازت مي زيادة بسعة الأفق والخيال نظرا لاطلاعها على العالم الخارجي من خلال لغات التواصل المختلفة، وامتازت أيضا بدقة الشعور وجمال اللغة في التعبير الممزوج بتجارب الحياة وشقائها قل نظيره في عصرنا الحالي. ويمكن لمتتبع أعمال مي زيادة أن يلاحظ تأثرها الجلي بالثقافة الفرنسية التي كانت شغوفة بها، بل برعت إلى حد كبير في التبحر في أغوارها وتشبعت بأفكارها وأعطت مثالا رائعا عن التثاقف والتعايش؛ ورغم ذلك فقد ظلت وفية متشبثة بأصولها ولغتها العربية التي برعت في الكتابة بها. وقد نشرت مقالات وأبحاثاً في كبريات الصحف والمجلات المصرية، مثل المقطم والأهرام والزهور والمحروسة والهلال والمقتطف. أما الكتب، فقد كان «باكورة» إنتاجها في عام 1911 ديوان شعر كتبته باللغة الفرنسية وأول أعمالها بالفرنسية كان بعنوان “أزاهير حلم”. وفيما بعد صدر لها”باحثة البادية”عام 1920، و”كلمات وإشارات” عام 1922، و”المساواة” عام 1923، و”ظلمات وأشعة” عام 1923، و”بين الجزر والمد” عام 1924، و”الصحائف” عام 1924 ( عن الموسوعة العالمية بتصرف).
ومن جهة أخرى، فقد جسدت حياة مي زيادة إشكالية الصراع بين الخير والشر وقسوة الناس الذين لا يهمهم إن خذلوك أو أساءوا إليك، بل منهم من يتلذذ بمعاناتك ولوعتك، عالم مملوء بالذئاب المتوحشة المفترسة والثعالب المحتالة الماكرة، عالم مظلم مخيف لم تتوان مي زيادة عن التعبير عنه بطريقة مباشرة وغير مباشرة محبوكة في مؤلفها “بين الجزر والمد”، و”ظلمات وأشعة” ، وكما ترجمته من خلال حديثها وإشاراتها لفترات من حياتها، حينما فقدت كلا من أمها وأبيها وأصيبت بكآبة وحزن مؤثرين، مما جعل أصدقاءها يشفقون عليها ويقررون إرسالها إلى ذويها ببلدتها في لبنان، لعلها تجد فيهم عناية لأن صحتها وحالتها النفسية أصبحت في تدهور جلي، خاصة بعد وفاة حبيبها الأديب جبران خليل جبران، تلك العلاقة المبنية على الحب العذري العفيف، رغم بعدهما عن بعضهما البعض بمسافات بعيدة وعدم لقائهما. وقد علقت الموسوعة العالمية عن علاقتهما العذرية تلك بقولها: ” أما قلبها، فقد ظل مأخوذاً طوال حياتها بجبران خليل جبران وحده، رغم أنهما لم يلتقيا ولو لمرة واحدة. ودامت المراسلات بينهما لعشرين عامًا منذ 1911 وحتى وفاة جبران في نيويورك عام 1931 . واتخذت مراسلاتها صيغة غرامية عنيفة، وهو الوحيد الذي بادلته حباً بحب وإن كان حباً روحياً خالصاً وعفيفاً. ولم تتزوج على كثرة عشاقها.” (المرجع السابق).
كانت تلك فترة عصيبة بكل ما تحمله الكلمات من معنى، جعلها تدخل مصحة الأمراض النفسية لفترة، ثم عادت بعدها إلى بلدتها حيث يسكن ذووها، لتعامل بوحشية من طرفهم، فأساؤوا إليها واتهموها بالجنون، وأودعوها بمستشفى مرضى “الأمراض العقلية” لتتأزم نفسيتها أكثر فأكثر، ثم وضعت بمصحة خاصة بعد احتجاج بعض الصحفيين اللبنانيين الغيورين، ومكثت هنالك لمدة تسعة أشهر لتستقر بعد مغادرتها المصحة في بيت مأجور، ولم تجد مي زيادة خلال تلك المدة من يدافع عنها ويجتثها من مخالب الأشرار من بني جلدتها سوى بعض الصحف اللبنانية الغيورة كما قلنا، وكذلك الصديق الوفي الأديب اللبناني أمين الريحاني الذي أقامت عنده لفترة بعد خروجها من المستشفى، حتى استعادت قوتها وتعافت، لتعود إلى مصر ثانية.
عاشت مي زيادة صقيع الوحدة وبرودة ذلك الفراغ الهائل الذي تركه لها والداها وكذلك صديقها وحبيبها جبران خليل جبران. وهكذا فقدت أديبتنا الرقيقة والمرهفة الإحساس أقرب الناس إليها ممن كانوا السند الحقيقي لها في الدنيا دفعة واحدة، وواجهت وابلا من المشاعر الجافة الجارحة مما أحدث شرخا عميقا في حياتها، عبرت عنه في العديد من انتاجاتها، فحاولت في خضم تلك الأحداث المتسارعة المتتالية التي واجهتها بلا رحمة ولا شفقة أن تسكب أحزانها على أوراقها وبين دفة كتبها، فلم يشفع لها ذلك ولم يخفف عنها آلام الفراق ولوعة الفقدان الرهيب والجرح الغائر لكل أحبابها دفعة واحدة، بل ظلت تحترق في داخلها في صمت رهيب كالشمعة، كي يسعد ويستمتع بأحزانها ومن خلال كتاباتها آخرون. كما جسد ذلك الفقدان تحولا في حياتها فحاولت الهروب من ذلك الواقع المر من خلال سفريات عمل وسياحة متعددة إلى أوروبا وغيرها، لعل ذلك ينسيها آلامها فسافرت عام 1932 إلى إنجلترا أملاً في أن تغيّر المكان والجو الذي تعيش فيه، لربما يخفف ذلك قليلاً من آلامها. لكن حتى السفر لم يكن الدواء الشافي بل زاد الجراح عمقا. فقد عادت إلى مصر ثم سافرت مرة ثانية إلى إيطاليا لتتابع محاضرات في «جامعة بروجيه» عن آثار اللغة الإيطالية. ثم عادت إلى مصر مرة أخرى. وبعدها بقليل سافرت مرة أخرى إلى روما ثم عادت إلى مصر حيث استسلمت لأحزانها. ورفعت الراية البيضاء لتعلن أنها في حالة نفسية صعبة، وأنها في حاجة إلى من يقف جانبها ويسندها حتى تتماسك من جديد (عن الموسوعة العالمية بتصرف).
ورغم محاولتها النسيان، ظل شبح الفراغ يطاردها وظلت “الأجنحة المتكسرة” تؤلمها كما ألمت صاحبها،كلما أرادت أن ترفرف كي تحلق بعيدا عن هذا الكون، وعن غالبية بني البشر الذين خذلوها أو أساؤوا إليها، بل لسوء حظها فقد لازمتها برودة الوحدة والإحساس بالعزلة حتى وإن طافت في أرجاء المعمور. وكيف لا وقد انقطعت عنها رسائل العشق التي كانت تغذي جوارحها وتغمر قلبها بالسعادة وتنير دربها وتضيء لياليها الباردة السرمدية الطويلة، وهي تتلوع بين طيات سطورها وكلماتها التي خطتها أنامل خليلها هنالك وراء أمواج المحيط العاتية.
استسلمت روح الأديبة الرقيقة لبارئها لتتوفاها المنية بمستشفى المعادي بالقاهرة سنة 1941م عن عمر يناهز خمس وخمسين سنة. أجل، انطفأت شمعة مي زيادة التي كانت تتقد وتتلألأ وهي تنير درب الأدباء والقراء والعشاق والمراهقين أيام الدراسة أمثالنا. لقد ظلت سنوات طويلة تغرس في قلوب جماهيرها أجمل الأشعار وأرق وأرفع القصص والكتابات، وتتهادى بروائعها ومؤلفاتها في دنيا الأدب إلى أن عصفت المنية بروحها إلى دار البقاء. نعم رحلت “فراشة الأدب العربي”، أو “المثل الأعلى للفتاة الشرقية الراقية المثقفة” كما كان يقول عنها البعض من عشاقها، وضربت المثل مع قريناتها في تلك الفترة مثل فدوى طوقات كنموذج المرأة العربية المتحررة التي حملت مشعل الحرية والتعايش والتسامح منذ أمد بعيد. وشاءت الأقدار أن تتجلى عزلتها ووحدتها حتى في جنازتها مودعة هذه الدنيا: فرغم شهرتها ومعارفها وأصدقائها الذين هم بغير حصر، لم يشيعها إلى مثواها الأخير سوى ثلاثة من الأوفياء: أحمد لطفي السيد، خليل مطران وأنطوان الجميل. وكان ذلك شاهدا على صدق أحاسيسها تجاه الناس، إذ كانت دوما تمقت النفاق لأنه حسب اعتقادها وقناعتها من أرذل الخصال وأمكرها، مؤكدة على أن النفاق هو أساس علاقات كثير من بني البشر، تترجمه أفعالهم وأقوالهم.
وهكذا نالت مي زيادة احترام الكثير من عشاقها وجمهور عريض من قرائها، مما دفع ببعضهم إلى تقفي آثار حياة تلك الأديبة المعذبة الحزينة، ويتحرى شذرات من حياتها أمثال الباحث د. خالد غازي الذي راح ينقب في حياتها وتاريخها فأخرج كتابه “مي زيادة … حياتها وسيرتها وأدبها وأوراق لم تنشر” والذي نال به جائزة الدولة التشجيعية في مصر.
وفي حقيقة الأمر، فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة قراءة سيرة هؤلاء العظماء والكتاب والأدباء، كي نسمو بفكرنا وأدبنا وأخلاقنا، فــــــ”محنة مي” في حياتها المثالية تستحق أن يقف المتصفح والمتأمل عندها طويلاً، ويقلب في طياتها وأوراقها ومحطاتها، ربما لأن فكر مي ونظرتها إلى الحياة المثالية العفيفة يظل محط إعجاب، ولأن حياة مى يمكن اعتبارها حالة جديرة بالتأمل والنـظر؛ إذ تأكد ذلك مي نفسها في قولها: “أنا امرأة قضيت حياتي بين قلمي وأدواتي وكتبي، ودراساتي وقد انصرفت بكل تفكيري إلى المثل الأعلى، وهذه الحياة “الأيدياليزم” أي المثالية التي حييتها، جعلتني أجهل ما في هذا البشر من دسائس” (المرجع السابق).
تجرع صديقي ما تبقى من فنجان قهوته السوداء المرة وهو ينظر إلي وقد استوقفته كلمة “دسائس !!!…”، فشد على يدي بحرارة وهو ينظر إلي بعينين صغيرتين وقد اغرورقتا بالدموع الممزوجة بالحزن والأسى على معاناة كاتبتنا المرهفة الرقيقة ورحيلها، وعلى هذا الجيل الذي ربما لا يعرف بعضه عنها وعن غيرها لا القليل ولا الكثير، وضرب لي موعدا آخر للحديث عن أديب آخر في هذه الأجواء الباردة تحت هذه السماء الممطرة والصقيع المخيف!!!…

عبد الله بن أهنية: كاتب وباحث في مجال التربية والتعليم والثقافة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى