الشأن القضائي لا يمكن أن يكون موضوع مزايدة مهنية أو سياسية أو تمثيلية حضور كافة قضاة المملكة، يعتبر ولادة جديدة للودادية الحسنية للقضاة التي قال رئيسها بأن القضاة متشبثون بوداديتهم، وقالو ثورة حقيقية على العديد من النصوص القديمة، وقالوا وقالوا الكثير لكن الذي لم يحضر لهذا الاجتماع، ولم يعش لحظات الجو الأخوي والودي والتضامني، الذي أسس له هؤلاء القضاة بمدونة قيمهم، التي حرصوا على تدريسها وتكوين المكونين لها، في ربوع محاكم المملكة، لا يمكنه أن يشعر بمدى التأثر البالغ، لفتية آمنوا بربهم، واستجابوا لنداء ملكهم وهم ينفخون منذ عقد من الزمن، في رماد هذه الودادية فيشتعل مشعلها الوضاء من جديد بعد سنوات من السبات لم يكونوا مسؤولين عنه ، فإذا بهم يرون يوم 30 يونيو ضوءا جديدا لاح في أفق قاعة مركبهم التي ضاقت بما رحبت من كثرة توافد القضاة، ولم تفلح الممرات ولا الكراسي ولا الحدائق الكبرى في احتواء هذا العدد الهائل من القضاة الذين حجوا من ربوع المملكة العزيزة في انسجام ونظام سهروا بأنفسهم أن يكون في مستوى رزانتهم وحكمتهم، ودورهم القوي في جر قاطرة النمو، وبالأمانة الملقاة على عاتقهم، في النيابة عن ملكهم في إصدار الأحكام، وابتغاء مرضاة الله، ونشر الطمأنينة بين العباد نبراسهم توخي العدل واجتهاد، المؤمن الذي إن أصاب كتب له أجران ، وإن أخطأ كتب له أجر واحد متشبثين بواجب التحفظ الذي يملي عليهم عدم الوقوف موقف الشبهات، من السياسة أو المال، أو كل عمل نقابي يزيغ عن ذلك الخط السوي الذي رسمه لهم رموزهم القضائية منذ نصف قرن من الزمن، في الدفاع عن مصالحهم، والذود عن استقلالهم، مترفعين عن كل ما يمكن أن ينحدر بهم إلى ما يتناقض مع هويتهم الأصلية، ويشكك في مبادئهم ونزاهتهم المادية والفكرية، مؤترين على أنفسهم ولو بهم خصاصة، خاشعين في صلواتهم في محراب العدالة القدسي، غير مكترثين، بالسهام المسمومة التي توجه إليهم من خلف هذا المحراب، كعادة كفار العقيدة، متأكدين من أن العدل هو أقوى درع تنكسر عليه هذه السهام، وأن ضياء وداديتهم ومدونة قيمهم هي الواقي الفولاذي من كل ما يمكن أن يعترض طريقهم في إثبات استقلالهم، الذي ناضلوا من أجله، عبر عقود من الزمن، ضريبة دنيوية من أجل إثبات كلمة الحق، وإنصاف المظلومين، ورد الاعتبار لمؤسسات الدولة التي يشكلون جزءا لا يتجزأ منها، والتي يربطهم بها، عقد اجتماعي وقانوني لا ينفصمون عنه، إلا عندما تصبح طرفا في الدعوى بحكم القانون، فينقلبون إلى حكام، ترضخ بهيبتها وسلطتها لأحكامهم، وتلك هي الديمقراطية، فقد تأكدوا بأن:وما الحياة بأنفاس نرددها إن الحياة حياة الفكر والعمل ولقد اختار قضاة الودادية يوم 30 يونيو 2012 كرمز للذكرى السنوية الأولى للاستفتاء على الدستور الجديد الذي اعتبره زملاؤهم القضاة من كافة أنحاء الدول الديمقراطية، بأنه من الدساتير المتقدمة عالميا في استقلال السلطة القضائية ولم يهدأ لهم بال، ولم ينم لهم جفن خلال هذه السنة وهم يشاركون اللجنة الملكية لإعداد الدستور، وفي تكوين المكونين في مادة مدونة القيم، وفي المشاركة في المؤتمرات الوطنية والدولية، وفي التواصل بينهم، والمشاركة في إعداد مشاريع قوانين، وتتبع كل حركة صغيرة أو كبيرة في الميدان القضائي، وحضور الدورات الوطنية والإقليمية للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وإنشاء الجمعيات المهنية، وإقامة الدورات التكوينية، والأيام الدراسية والاستجابة للقاءات الإعلامية والصحافية، وإعداد المناظرات، إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والثقافية، كل ذلك في غياب الوسائل المادية وشح المداخيل المالية، لكن هيهات هيهات للفكر الرفيع أن يقف أمام العقبات المادية (فالفكرة تأتي بالمال، والمال لا يمكنه أن يأتي بالفكرة) كما هبوا إلى المشاركة الرزينة والحكيمة في الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة متأكدين بأنهم أولى من غيرهم بإصلاح وترميم دارهم، وبأن أي مهندس أو تقني كيف ما كان نوعه، لا يمكن أن يستشف حاجيات البيت من خلال تصميم على ورق مصادق عليه، إلا بالإنصات لسكان البيت والاطلاع على أحوالهم، وحاجياتهم، وبأنه محتاج إلى تعبئتهم والسماح لملاحظاتهم، لأنها صنعتهم، والصنعة لا تكسب بالشهادات الجامعية ولا بالأفكار التقدمية، بقدر ما تكتسب بالتجربة والتقنية عندئذ يمكن لمهندس البيت أن ينجح في ترميمه، وأن يسد فتحات البنيان التي تسرب الرطوبة، إلى بيت العدالة وما أكثرها، في وقت غلبت فيه المصالح الاقتصادية وتضاربت الأهواء المادية والمهنية المحيطة بمنظومة العدالة، ولعمري هو ما تنبه إليه الأستاذ مصطفى الرميد وزير العدل والحريات بحسه السياسي واطلاعه على أحوال القضاة ومعايشتهم في ردهات المحاكم، وتاريخه القضائي(ونحن لا نجامل أحدا) لأنه ليس من طبيعة القاضي التملق أو الانحناء، ما جعله يشارك قضاة المملكة عن طريق الودادية الحسنية للقضاة في الحوار الوطني حول الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة.هذا الحوار الذي بدأت بوادر نجاحه تلوح في الأفق، بفضل مشاركة جميع الفعاليات دون استثناء أي أحد، سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة، إذ أن الشأن القضائي لا يمكن أن يكون موضوع مزايدة مهنية أو سياسية، أو تمثيلية، وقد تأكد هذا الحدس عندما شارك أزيد من 1800 قاض من قضاة المملكة في الجمع العام الموسع للودادية الحسنية للقضاة، وتمت تزكيتها في الحوار الوطني من طرف القاعدة نظرا للصفة التمثيلية التاريخية، للقضاة، المستمدة من خطابات جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، وجلالة الملك محمد السادس نصره الله الذي يشرف القضاء والقضاة بتسمية رئيسها، وحثها على المساهمة في كل مناسبة على المشاركة الفعالة، والرزينة، بالحكمة المعهودة في هياكلها في ورش إصلاح القضاء ولعمري هي الضمانة الأساسية لكل إصلاح مستقبلي ولا أدل على ذلك من أن المشاريع القانونية التي سبق أن قدمت لوزراء العدل السابقين من الأستاذ عبد الواحد الراضي مرورا بالمرحوم الأستاذ الطيب الناصري، والتي سهر عليها بمعية المكتب المركزي، في اجتماعات الرباط وندوات مراكش التي شاركت فيها لجن منبثقة من جميع القضاة الخبراء كل حسب اختصاصه، وبمشاركة الأعضاء المنتخبين للمجلس الأعلى للقضاء آنذاك والتي ما زالت شاهدة عن عمل القضاة خير دليل على هذه المساهمة وذلك غيض من فيض إنجازات الودادية.