fbpx
ربورتاج

تدبير الأزبال … “همزة” انتخابية

بيجيدي حول مكبات نفايات البيضاء إلى صناديق اقتراع ورهن السكان في جحيم الفترة الانتقالية

تحولت البيضاء إلى مطرح كبير للأزبال، بعدما تلكأ المكتب المسير لمجلس المدينة بقيادة العدالة والتنمية، في توقيع اتفاقية التدبير المفوض للنفايات مع شركتي “أفيردا” و”ديرشبورغ”، وتحديد المساهمات المالية واللوجستية للمتدخلين في هذه الاتفاقية، وإجراءات تنفيذ مقتضيات دفتر التحملات الجديد. يتعلق الأمر ببياض غير مسبوق في مسلسل تسيير شؤون العاصمة الاقتصادية، أربك مشاريع التطوير والتنمية الرئيسية للمدينة، ورهنها في جحيم فترة انتقالية تجاوزت سنة ونصف سنة.

وجد سعيد احميدوش، الوالي الجديد لجهة البيضاء –سطات، وضعا ملتبسا في تدبير قطاع النظافة بالبيضاء، بإخلال العمدة عبد العزيز عماري، القيادي في “بيجيدي”، بالتزاماته التي قطعها أمام البيضاويين، من خلال حوار أجراه مع موقع الحزب في فبراير الماضي، وشدد فيه على بدء صفحة جديدة في تدبير هذا القطاع، بشروط وعقود لا علاقة لها مع الماضي، ما وضع الداخلية أمام اختبار جديد، لتحييد الاعتبارات الانتخابية والسياسية، وضمان استفادة المواطنين من الخدمة العمومية.

إنجاز: بدر الدين عتيقي- تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

الساعة تشير إلى الثالثة زوالا، وشاحنات نقل الأزبال ما زالت حركتها دؤوبة في مطرح مديونة الشهير بالبيضاء، الذي لم يكتب له أن يغلق بعد، رغم تخصيص مطرح جديد في منطقة “المجاطية” القريبة، مرفقا بوحدة لمعالجة النفايات. شاحنات متهالكة محملة بشحنات ضخمة من الأزبال، ترافقها في كل حركة عربات “البوعارة”، الذين ما زالوا يتربحون من هذا المطرح، وأسسوا داخله شبكة ضخمة غير مهيكلة لفرز وتسويق مخلفات الزجاج والكرطون والبلاستيك وغيرها من المواد، التي تجري إعادة تدويرها وتصنيعها من جديد.

“ما زال رزقنا هنا”، يعلق رشيد، الثلاثيني، أحد المنتفعين من مطرح “مديونة” بخجل، موضحا أن “الزبالة” مصدر عيشه وأسرته، ولا يجد ضيرا في اقتحام الروائح الكريهة لبرك عصارة الأزبال “الليكسيفيا” التي تطوق المطرح يوميا، من أجل البحث والتنقيب عن مخلفات صالحة للبيع. ما زال المطرح الذي يمتد إلى أزيد من 80 هكتارا على حاله، إذ لم تتم معالجته أو الحد من الخطر البيئي الذي أصبح يشكله، خصوصا بعد تنامي مستوى ارتفاع جبال الأزبال، ذلك أن جرافات تتكلف اليوم، بمهام إيجاد حيز لفائدة الشاحنات الوافدة من أجل تفريغ حمولتها من النفايات.

وعاينت “الصباح” ارتفاع منسوب “الليكسيفيا” ما أصبح يهدد محيط المطرح، بـ”تسونامي” أزبال، يجرف كل ما يصادفه في طريقه، في الوقت الذي تفيد المعطيات التي حصلت عليها الجريدة من أعضاء بمجلس المدينة، استمرار تعثر افتتاح المطرح الجديد الذي يمتد على مساحة 35 هكتارا، ذلك أنه رغم إطلاق طلب العروض الخاص بصفقة تهيئة أرضية المكب الأول، والتي وصلت قيمتها إلى 400 مليون سنتيم، فإن إطلاق مشروع محطة معالجة النفايات ما زالت تعترضه مجموعة من المشاكل، علما أن المحطة تمثل ضمانة لعدم تكرار تجربة مطرح “مديونة”.

“الحملة” بالأزبال

لم تتمكن “الصباح” رغم محاولاتها المتكررة من إقناع عبد العزيز عماري، عمدة البيضاء، ومحمد حدادي، نائبه  المكلف بملف النظافة، بالخروج إلى العلن من أجل تبرير تأخر تفعيل اتفاقية تدبير قطاع النظافة مع “شركتي “أفيردا” و”ديريشبورغ”، ذلك أن هاتف الأول ظل يرن دون مجيب، فيما تهرب المسؤول الثاني من الإجابة، بداعي حساسية الملف وتدارس إدراجه ضمن جدول أعمال مجلس المدينة لدورة ماي الجاري،  في الوقت الذي أفاد مصدر من المعارضة، طلب عدم ذكر اسمه، أن ملف قطاع النظافة ممسوك بيد من حديد من قبل “بيجيدي”، باعتبار حساسيته وقيمة التمويلات المتدفقة إليه.
وتابع المصدر، أن غايات وأهداف انتخابية تحرك تعامل المجلس بقيادة العمدة عماري مع ملف النظافة، إذ يراهن حزب العدالة والتنمية على إعداد حملة انتخابية باستغلال الأزبال، وقطف ثمارها خلال الانتخابات الجماعية المرتقبة في 2021، يتعلق الأمر حسب المتحدث ذاته، بمخطط لإغراق البيضاء في الأزبال لغايات انتخابية وسياسية، في الوقت الذي أربك هذا التوجه مشاريع وزارة الداخلية، تحديدا مديرية الجماعات المحلية، لحل مشكل تدبير النفايات في البيضاء، وتأمين استفادة أزيد من ثلاثة ملايين نسمة من هذه الخدمة الحيوية، إذ تظل الداخلية شريكا ومانحا ماليا، عبر صندوق  التجهيز الجماعي، في إعداد المطرح الجديد.

“بريكولاج” التسيير

تحولت أرقى أحياء البيضاء إلى مكبات للنفايات، مع تأخر تفعيل اتفاقية تدبير النظافة، إذ ظل الارتجال يحكم تعامل مجلس المدينة مع هذه الخدمة العمومية، واستمرار اعتماده على “البريكولاج” في تجميع الأزبال والتخلص منها في مطرح مديونة عبر الشركات التي ما زالت تؤمن الخدمة، خلال الفترة الانتقالية، إذ عاينت “الصباح” تصاعد أكوام القمامة في أزقة أنفا والمعاريف، وبلوغها مستوى عرقلة حركة السير في شوارع بأحياء الحسني والألفة وليساسفة.

“قهرنا الزبل وما لقينا لمن نشكيو…”، تصرخ نجاة، ربة بيت، تقطن حي قصبة الأمين في ليساسفة، بعدما أزكمت الروائح الكريهة أنوف أفراد أسرتها وجيرانها في المجمع السكني الشعبي، الذي لم تزره شاحنات جمع الأزبال منذ أسابيع، موضحة أنها تفاجأت أخيرا، بمرور شاحنات عادية، ليست مخصصة لجمع النفايات، ولا تحمل أي إشارة خاصة بشركة أو مقدم خدمة، مدعومة بجرافة أزاحت جبالا من القمامة طوقت مدارة طرقية في الحي.

تصريح هذه المواطنة كشف عن سقوط مجلس المدينة في فخ الارتجال في تدبيره لقطاع النظافة، وتأمين السير العادي للخدمة العمومية، في الوقت الذي ربطت مصادر تأخر العمدة في تفعيل عقود التدبير المفوض مع الشركات الجديدة، بمطالبته أعضاء المكتب المسير بتقييم حصيلة العقد السابق مع الشركات المدبرة لقطاع النظافة، وتقييد الانتقال إلى مرحلة تدبيرية جديدة لقطاع النظافة بالحصول على إبراء ذمة.

“همزة” النظافة

تحول قطاع التدبير المفوض لخدمات النظافة، زيادة على مزاياه الانتخابية والسياسية، إلى “همزة” تجارية مربحة أغرت شركات دولية كبرى بالاستثمار في المملكة، إذ تم تخصيص ميزانية سنوية تصل إلى 89 مليارا، ضمن عقود تدبير تمتد إلى سبع سنوات، ليبلغ إجمالي قيمة صفقة التدبير 623 مليارا، وهي الميزانية التي احتجت عليها المعارضة في مجلس المدينة، إذ لم يخف أحد المستشارين، غضبه من ارتفاع كلفة تدبير هذا القطاع، الذي يبتلع حصة مهمة من مداخيل المدينة، التي تعاني عطبا في تحصيل عائدات الرسوم والجبايات المحلية.

وتساءل المستشار في اتصال مع “الصباح” حول الوضعية المتردية لتسيير الشأن المحلي في “متروبول” مثل البيضاء، ذلك أن طلب العروض الذي أطلق في يوليوز الماضي، شاركت فيه مقاولة وطنية وحيدة هي “مكومار”، التي دخلت غمار المنافسة إلى جانب “ديريشبورغ” الفرنسية و”أفيردا” اللبنانية و”نورم” التركية”، منبها إلى فشل شركة التنمية المحلية “البيضاء للخدمات” في تدبير المرحلة الانتقالية، ووقوع المكتب المسير الحالي بقيادة “بيجيدي” في أخطاء المجالس السابقة، التي لم تتمكن من إطلاق تجربة عملية ناجحة في تدبير قطاع الأزبال بواسطة مقاولات وأطر مغربية، علما أن الشركات الأجنبية المتعاقبة تنجز مهامها بالاعتماد على عمال مغاربة وتجهيزات موجودة في السوق المحلي، إذ يقتصر عملها على استغلال موارد متوفرة محليا.

ولا تتوفر البيضاء، حسب المصدر ذاته، على نظام مؤطر لعمليات الجمع الأولي للنفايات المنصوص عليه في القانون 00.28 المتعلق بتدبير النفايات، وبالتالي لا يمكنها تنظيم وتطوير قطاع الفرز وإعادة التدوير والتثمين، وتنظيم الأشخاص الذين يقومون بذلك للوصول إلى نسبة 20 % المنصوص عليها في البرنامج الوطني للنفايات المنزلية والشبيهة.

ورطة “الليكسيفيا”

تجاهل عمدة البيضاء ومكتبه المسير خطورة كارثة بيئية تحدق بالبيضاويين، يتعلق الأمر بحوضين من عصارة الأزبال “الليكسيفيا” في مطرح “مديونة”، يخزنان 88 ألف متر مكعب، وفق معطيات دراسة أنجزها باحثان أخيرا، كشفت أيضا، عن تهديدات بـ”تسونامي” جبال نفايات، يرتقب أن يعصف بالمطرح ومحيطه، تحديدا دوار “الحليبية”، ناهيك عن تمركز الحوضين حاضنة للروائح الكريهة والجراثيم والبكتيريا المسببة لأمراض خطيرة، إلى جانب تلويث الفرشة المائية، التي استنزفت خلال الفترة الماضية، بسبب بلوغ المطرح العصي على الإغلاق، مرحلة الإشباع منذ سنوات.

وحملت المعطيات العلمية الجديدة، أخبارا صادمة حول الفرشة المائية في المنطقة التي تحتضن مطرح مديونة، التي تأثرت من ارتفاع منسوب عصارة الأزبال، الذي طال الآبار القروية، المستغلة في أنشطة السقي الفلاحي والتغذية والتزود بالماء الصالح للشرب، فيما تم رصد تسارع حركة “الليكسيفيا”، إذ سجل بالشمال الغربي للمطرح تزايد مستوى الانحدار الهيدروليكي بنسبة 0.4 %، ما يؤشر على صعوبات في جريان المياه الجوفية، فيما لم تتجاوز النسبة في الجنوب الغربي 0.1 %، بسبب انسياب حركة المياه تحت الأرض.

ودقت المعطيات الواردة في الدراسة ناقوس الخطر حول تراكم حجم عصارة أزبال بحجم 220 مترا مكعبا يوميا، أي بزيادة 80 ألف متر مكعب سنويا، ما يؤشر على انهيار مرتقب لبعض المناطق الهشة في المطرح، إذ أظهرت صور حديثة انحدار سور كان يفصل بين منطقتين لتصريف الأزبال إلى مستويات مقلقة.

فاتورة بـ 254 درهما

يتحمل سكان البيضاء 254 درهما للفرد سنويا مقابل جمع أزبالهم، من خلال عملية حسابية بسيطة، ترتكز على قسمة قيمة الميزانية المرصودة لتدبير قطاع النظافة السنوية المحددة في 890 مليون درهم (89 مليارا) على إجمالي ما ينتجه سكان المدينة، البالغ عددهم ثلاثة ملايين و360 ألف نسمة، من النفايات سنويا (سبعة ملايين طن)، أي أزيد من طنين لكل فرد، بكلفة تصل إلى 127 درهما للطن، وبالتالي فاتورة ضخمة تتم تغطيتها من جيوب القاطنين في العاصمة الاقتصادية كل سنة.

هذه النفايات شكلت مصدر دخل لفائدة فئة عريضة من “البوعارة”، الذين يقدر عددهم بألفي منقب عن الأزبال في مطرح “مديونة”، في غياب إحصائيات رسمية حول عدد هؤلاء المنتفعين من نفايات البيضاويين، إذ عاينت “الصباح” خلال جولتها في المكب الضخم ومحيطه، تنامي نشاط هؤلاء المنقبين، الذين لا تتجاوز أعمار أغلبهم سقف العشرين سنة، ويراهنون على تحصيل مداخيل يومية تتراوح بين 200 درهم و300.

وبلغة الأرقام، بلغ عدد المغاربة الذين يعيشون على أنشطة جمع الأزبال ما مجموعه سبعة آلاف و123 شخصا، منهم خمسة آلاف و308 أشخاص في المدن، وكذا ألف و815 شخصا بالمطارح، إذ أظهرت معطيات جديدة تنامي عدد هذه الفئة النشيطة إلى جانب الشركات المكلفة بمهام النظافة والتطهير السائل في مناطق المملكة المختلفة، فيما تمثل النساء نسبة 14 % من العاملين في المطارح، أي أزيد من 254 امرأة يعشن على جمع النفايات.

تعليق واحد

  1. الحنين الى الاستعمارحتى في جمع الازبال.عندما كانت البلدية تهتم بهذا الميدان لم تكن الدار اليضاء على هذا الحال و لم يكن المشروع مربحا بل كان المصلحة العمومية .فلما اصبح المنتخبون انتهازيون خلقوا من الازبل منافع و اصبح الزبل مضروب بالضريبة و مشروع مربح بطلب العروض للشركات الاحتلال فرنسية .لبنانية.تركية. والمانية ووووووووو همزة .هوتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى