fbpx
ربورتاج

طنجة … مغارة الأساطير

البولفار يسحر والسوق الكبير يبهر في مدينة تتنفس هواء الإبداع

لا تقنط، حين تسافر إلى طنجة، فالأحلام تحفك، وإياك أن تختار «لعبة» المقارنات مع مدن أخرى، فلا علاقة للسماء بالأرض، وتفاءل، فبين أحضان «عروس الشمال» تتلاشى مشاهد بؤس ورثتها،
وفيها تستنشق هواء المدينة ويمتعك عمرانها وقصص سكانها التي تُعيد للنفس بهجة الحياة.

إنها طنجة. لكنها ليلا قصة أخرى لا نهاية لها، أو كما قال عنها الكاتب العراقي نعيم عبد مهلهل :» ليل طنجة ليل قصيدة فقط، سهراتها لا تعرف الصباحات المحددة بمواقيت الساعات، هي تذهب بالليل إلى أقصاه، تؤرشفه بالخمرة والشاي وبالقهوة والنعناع… مدينة ترتدي ثوب الخرافة والمطر وقناديل المقاهي والشرفات المزينة بأرابسيك التأريخ كله، وهي تتحنى بدموعها جراء هجر حبيبة لحبيبها، ترتدي النجوم قمصان رغبة أخرى بعشيق جديد. مدينة تولد من ألف رحم وحكاية. وكل رحم موجة من متوسط أو أطلسي، ومرات تكبر هذه الموجة بمرور الزمن لتصبح قصيدة”.
لا تتمنع طنجة في كشف مفاتنها، ربما لأنها مدينة تثير الرغبة في سبر أغوارها… فالمدينة تجمع كل المتناقضات، ففيها الكنيسة العتيقة تواجه بناية المسجد، والمعبد اليهودي….
تقاوم طنجة، الآن، للحفاظ على تراثها، فطالما أسرت المبدعين، من كتاب كبار وسينمائيين وفنانين تشكيليين، وتكافح لتبسط نفوذها على الثقافة، ولم لا، وهي مدينة الأساطير.

السينما… الفرجة للجميع

دشن المهرجان الوطني للفيلم، الذي تحتضنه طنجة، تقليدا سنويا، ففي كل دورة يعلن المسؤولون عن افتتاح أو إصلاح قاعة سينمائية، وأخيرا، أطلقت المزامير أصواتها بوسط المدينة، احتفالا بإصلاح قاعة ” ميغاراما غويا” بعد أن ظلت أبوابها مغلقة منذ سنوات، وستصبح فضاء جديدا لعرض الأفلام الوطنية والدولية، وتنظيم المهرجانات الثقافية، بما فيها المهرجان الوطني للفيلم بطنجة.
وكلف إصلاح “ميغاراما غويا”  ميزانية بلغت 20 مليون درهم، إذ تتوفر على قاعة كبيرة بطاقة 440 مقعدا، واثنتين أخريين في الطابق الأرضي تتسعان لـ80 مقعدا، وشاشة عملاقة تشتغل بنظام رقمي حديث ثلاثي الأبعاد… لكن ما علاقة الطنجاويين بالسينما.

يبدو السؤال غريبا، في نظر سكانها الذين التقتهم “الصباح”، فالمدينة تحيا بالفن، وموقعها وانفتاحها على العالم جعل الكتاب والفنانين والرسامين يختارونها لمزاولة أعمالهم، بل منهم من يتحدث أنها أول مدينة تلتقط بها أولى الصور عن المغرب، وفضاء لتصوير أول الأعمال السينمائية للأخوين أوغست ولوي لوميير الفرنسيين.
لم تتوقف الحركة في الزقاق الضيق، حيث توجد القاعة السينمائية الجديدة، فالشباب، من الجنسين، إما منشغلون بتصفح ملصقات الأفلام أو متجهون إلى “سينما روكسي” التي لا تبعد عنها إلا بأمتار قليلة… إنها السينما التي تضخ دماء الفن بين أوصال وسط المدينة.

“البولفار”… شارع بألف حكاية

إذا أحسست، يوما، بالملل، فتوجه فورا إلى “البولفار” أو شارع محمد الخامس، فسحر مبانيه وألوان منازله المصبوغة بالأبيض ومحلاته التجارية الأنيقة، وزخارف مقاهيه وجدرانها، وصخب حاناته ليلا،  ولكنة السكارى وجدل عاشقي “ريال مدريد وبرشلونة” تجعل طنجة، مثل كتاب ألف ليلة وليلة، لكنه مفتوح أمام العموم للاستمتاع بقصصه.
يحكي سعيد أدهبي، أحد المدمنين على زيارة المدينة، أن من حسنات المجالس المنتخبة مشاريعها في شارع محمد الخامس، إذ استعاد رونقه وأصبح وجهة سياحية ، فهو يتوفر على أهم مدارات المجال الحضري وبه تشعر أن طنجة أنيقة وجميلة وفاتنة.

خلال عشر سنوات أعيدت هيكلة الشارع مرتين، أصبح، بعدها قبلة مثالية لسكان المدينة وزوارها، من خلال إضفاء جمالية على مرافقه، ، إذ زينت جنبات الشارع بأنواع من الأشجار والنباتات، بالإضافة إلى توسيع فضاء سير العربات، مما مكن من تفادي حالات الازدحام والارتباك في حركة السير والجولان، ولو مؤقتا، مادام أصبح الوجهة المفضلة لكل الطنجاويين للتبضع في الأزقة المتفرعة عنه أو ممارسة المشي والتنزه.

خضع “البولفار” في 2004، لعملية تهيئة واسعة، ضمن مخطط لإعادة توسعة العديد من المحاور الطرقية بوسط المدينة، بغلاف مالي بلغ خمسة ملايين درهم، بعد أن تم تحويلها من قبل الجماعة من ميزانية كانت مخصصة لإعادة هيكلة مجموعة من الأسواق الشعبية في طنجة، قبل أن تعاد تهيئته مجددا وأصبح مثل كل شوارع أوربا الأنيقة، ففيه المحلات التجارية والمقاهي ومواقف السيارات الأرضية.

“سيرفانتيس”… التحفة

لم يخف عشاق السينما، المشاركون في المهرجان الوطني للفيلم، ابتهاجهم لحظة الإعلان عن قرار مجلس الوزراء الإسباني بالموافقة على طلب مسرح “سيرفانتيس” إلى المغرب.
يرى الطنجاويون في المسرح تحفة معمارية، فقد احتضن عروض كبار الفنانين والمسرحيين العالميين، منذ تشييده قبل حوالي 106 سنوات، كما أنه يصنف ضمن أكبر مسارح شمال إفريقيا، وهو ما يفسر أن المفاوضات لتفويته استغرقت جولات عديدة منذ 2016، في عهد حكومة الحزب الشعبي برئاسة ماريانو راخوي.

يحكي أحمد شادلي، جمعوي بالمدينة، بافتخار عن تاريخ المسرح، إذ وقف أمام بنايته طويلا وبدأ يسرد قصة مسرح  بعشق ، فقد اكتمل بناء مسرح سيرفانتيس، الذي سمي أيضا مسرح سيرفانتيس الكبير، وافتتح في 1913، وعاش عصره الذهبي في فترة خمسينات القرن العشرين لما وصل تعداد الجالية الإسبانية حينها إلى ثلاثين ألف شخص، وظل مدة طويلة يصنف ضمن أكبر مسارح شمال إفريقيا وأشهرها. ويتسع   لنحو 1400 شخص، وجذب فنانين كبارا ومجموعات غنائية عالمية، سواء مغربية أو إسبانية.

السوق الكبير… “المنطقة الحرة”

لا يتعب زائر طنجة كثيرا في التعرف على أهم المرافق الثقافية، إذ لا تبعد عن بعضها البعض إلا بأمتار قليلة، وبجوار مسرح “سيرفانتيس” تضج الحياة بالسوق الكبير، فهو  القلب النابض. سيكتشف الزائر حياة الطنجاويين وطقوسهم بالمقاهي والمطاعم الشعبية، و عاداتهم في اقتناء الملابس التقليدية.

لا تتوقف الحركة بالسوق،  وتنبعث منه روائح منعشة، بدءا من الشاي “المنعنع” وأطباق الأكل وأشياء أخرى، فيتحول، في كثير من الأحيان، إلى لوحة تشكيلية لجذب كل المبدعين والسياح، فهناك تعثر على المحلات التجارية التي تعرض المنتجات المحلية والعالمية من الملابس والأواني، والمصنوعات اليدوية، وهناك أيضا باعة جائلون يكشفون عن أدوات غريبة مصدر أغلبها من التهريب.
يرجع تاريخ السوق إلى الثمانينات، ويستقر، كما تكشف عن ذلك كل الإعلانات السياحية، في الحي المغربي ، حيث كان يسمى حينها بـ “كاساباراتا” أي “البيت الرخيص” باللغة الإسبانية، كما يوجد قرب السوق مسجد “الجماعة السعودية” والذي شيده الشيخ “فهد بن عبد العزيز، بالإضافة إلى وجود أحد الأسواق الصغيرة.

داخل السوق تصادف منتوجات وسلعا كثيرة ومتنوعة (مواد غذائية، ألبسة، أجهزة منزلية، ومستلزمات السيارات…)، إذ يعترف شادلي، أثناء مرافقته ل”الصباح”، أن الإشكالية التي يعانيها السوق غزو المواد المهربة من إسبانيا، فعشرات الدكاكين تتكدس داخلها مواد مهربة، ويبقى الاختيار للزائر لاقتنائها وفق قانون العرض والطلب.
ويكشف شادلي أن السوق يشبه “منطقة حرة” يستقبل، يوميا، آلاف الزوار من بينهم شخصيات ومسؤولون تجذبهم متعة التسوق.

هرقل… الأسطورة

لا تكتمل زيارة طنجة، دون زيارة مغارة هرقل التي نسجت حولها كثير من أساطير الثقافة الإغريقية، وتقول أشهرها إن القارة الإفريقية كانت متصلة بأوربا، ويفصل هذه المنطقة المتوسطة بحر الروم (البحر المتوسط) عن بحر الظلمات (المحيط الأطلسي)، ولما كان ل”أطلس ابن نبتون” ثلاث بنات يعشن في بستان يطرح تفاحا ذهبيا ويحرسهن وحش، قاتله هرقل “ابن جوبيتر” وهزمه، لكن هرقل في غضبة من غضبات الصراع ضرب الجبل، فانشق لتختلط مياه المتوسط الزرقاء بمياه الأطلسي الخضراء، وتنفصل أوربا عن إفريقيا، ثم يزوج هرقل ابنه “سوفاكيس” لإحدى بنات “نبتون” ليثمر زواجهما بنتا جميلة أسموها “طانجيس”، ومنها جاء اسم طنجة.

تكاد تسمع الأسطورة ألف مرة في طنجة، فهناك شبه إجماع لسكانها على أن مغارة هرقل دليل علمي على تاريخ المدينة، علما أنها  تعد من أكبر المغارات بالقارة الإفريقية، واكتشفت في 1096، وتحولت إلى مقصد سياحي، يبحث فيها البعض عن رهبة الأساطير، والتمتع بالتقاء أمواج البحر المتوسط مع تيارات المحيط الأطلسي.
في طنجة، هناك مساجد كبيرة، مثل الجامع الكبير وجامع الجديدة وجامع القصبة، والكنيسة الإسبانية، ومتحف الفن الإسلامي ومقر البعثة الأمريكية، و”القصبة” التي تقع في أعلى نقطة في المدينة، ومنها يمكنك الإطلال على إسبانيا، حيث يمكنك مشاهدة دولتين في الوقت نفسه، ودار المخزن (أو قصر القصبة)، التي كانت قصر الحاكم في القرن السابع عشر.

طنجة مدينة شاعرة، ومبدعوها يقاومون طوفان التحديث بالثقافة، ربما تقليدا لأساطير قديمة شاءت الأقدار أن تجعلها “عروسة للثقافة”، يحملها جيل جديد بنضج ثقافي مختلف، بعدما وسم القديم مساهمة الجاليات الأجنبية في تحريك الفعل الثقافي، أما، الآن، فلم تعد الثقافة حكرا على المؤسسات الأجنبية فقط، أو بعض المؤسسات والهيآت الثقافية الوطنية، بل أصبح بإمكان جمعيات المجتمع صناعة الحدث الثقافي بالمدينة.

خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى