برلماني الفدرالية يشرح أعطاب اليسار وأزمة الحوار الاجتماعي ومخاطر الأنفلونزا أكد مصطفى الشناوي، برلماني فدرالية اليسار والقيادي في الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، أن خطاب بنكيران حول المعاش الاستثنائي يعكس نفاق الإسلاميين وخطابهم المزدوج. ودعا الشناوي إلى تسريع وتيرة اندماج مكونات اليسار، وتجاوز حالة الوهن في تأطير الشارع من خلال برامج قرب. في ما يلي نص الحوار: أجرى الحوار : برحو بوزياني - تصوير: (أحمد جرفي) < أثارت الاقتطاعات الجديدة بخصوص التقاعد موجة غضب في أوساط النقابات.أين وصل ملف إصلاح التقاعد؟ < بالفعل، هناك حالة غضب في أوساط الأجراء والموظفين جراء الاقتطاعات المتواصلة من أجورهم ، والتي تؤكد أن الحكومة ماضية في تنفيذ الإصلاح المقياسي المشؤوم، إذ أصرت على اقتطاع 14 في المائة على مراحل، ضدا على رفض مختلف فئات الشعب المغربي ونقاباته لما أسمته الحكومة إصلاحا. وعبرنا في فدرالية اليسار والكنفدرالية الديمقراطية للشغل عن رفضنا لهذا الإصلاح، والذي تركز حول أربعة إجراءات همت الزيادة في مساهمة الموظفين في صندوق التقاعد، وتغيير الوعاء الذي أصبح يهم السنوات الثماني الأخيرة، وتغيير النسبة المائوية من 2.5 إلى 2 فقط، ورفع السن إلى 63 سنة. < لكن جميع البلدان تعرف أزمة في صناديق التقاعد؟ < أؤكد هنا أنه ليس هناك في العالم نظام للتقاعد مثل النظام الذي أقره عبد الإله بنكيران وحزب العدالة والتنمية، الذي فرض هذا الإصلاح ضدا على رفض المغاربة. إن الحكومة تتحمل المسؤولية كاملة في الوضعية التي آل إليها الصندوق المغربي للتقاعد، وفي وضعية العجز التي تهدد توازناته المالية، وهو عجز ليس بالمستوى الذي تتحدث عنه الحكومة، والذي كشفنا عنه في العديد من المناسبات. وأجدد هنا المطالبة بضرورة إحياء اللجنة الوطنية والتقنية التي راكمت العديد من الدراسات، ووضعت السيناريوهات الممكنة لإصلاح أنظمة التقاعد، وهي اقتراحات معقولة، لكن الحكومة اختارت الانفراد بالملف، وفرضت قرارات مجحفة، وهي ماضية في تنفيذ مخططها، رغم كل الاعتراضات التي عبرنا عنها، وتأكيدنا على مسؤوليتها في ضمان الحماية الاجتماعية، من خلال إصلاح شمولي لأنظمة التقاعد. < فشلت الحكومة في التوقيع على اتفاق اجتماعي. هل يمكن انتظار توقيع اتفاق في ظل رفض الحكومة مطلب الزيادة في الأجور وفق مطالب النقابات؟ < أعتبر أن حكومة العثماني، وقبلها حكومة بنكيران ماضية في تنفيذ تعليمات المؤسسات المالية الدولية، وضمنها صندوق النقد الدولي، والذي يطالب بتقليص كلفة الأجور، وهي تواصل من خلال السياسات العمومية المنتهجة، تنزيل هذه التوجيهات. إن الحكومة تريد حوارا اجتماعيا لا يؤدي إلى تلبية المطالب المشروعة للشغيلة، خاصة في ما يتعلق بالأجور والتعويضات، ولذلك، نرى أنها تواصل الحوار المغشوش الذي يسعى إلى كسب الوقت، والاكتفاء بتوزيع الفتات، الذي لا يراعي المستوى المعيشي الذي يتسم بالزيادات المتواصلة في الأسعار، وتدهور القدرة الشرائية. وكان رد جميع المركزيات رفض العرض الحكومي الهزيل الذي جاء به العثماني، قبل أن ينقل الحوار مع وزير الداخلية. وهنا نذكر بقرار الكنفدرالية تسطير برنامج نضالي انطلق بالمسيرة الوطنية يوم 11 يناير الماضي، وقرار الإضراب الوطني في قطاع الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية يوم 20 فبراير، مع حمل الشارة من قبل أجراء القطاع الخاص، على أن يتوج هذا البرنامج بمسيرات محلية وجهوية في الأقاليم. < أين وصل الحوار مع وزير الداخلية؟ < إن الحوار الجاري مع وزير الداخلية، لا ننتظر منه الشيء الكثير في ظل الخطاب الذي يتذرع بالإمكانيات المالية، لأنهذه الحكومة تعتبر من التلاميذ النجباء للمؤسسات المالية الدولية، ولصندوق النقد الدولي، وما يهمها هو التوازنات المالية على حساب التوازنات الاجتماعية، في الوقت الذي يخرج المواطنون في العديد من الجهات للاحتجاج على مظاهر "الحكرة" والتهميش، والإقصاء الاجتماعي، والمطالبة بالاستجابة إلى مطالب اجتماعية واقتصادية مشروعة. < تقدمت رفقة عمر بلافريج بمقترح قانون حول إلغاء معاشات البرلمانيين. أين وصل هذا الملف المثير للجدل، والذي عاد إلى الواجهة مع معاش بنكيران؟ < صحيح، قدمنا نحن النائبان عن فدرالية اليسار الديمقراطي مقترح قانون لإلغاء معاشات البرلمانيين، لأننا نعتبرها غير مقبولة وغير أخلاقية، ما دام الأمر يتعلق بمهمة انتدابية وليست وظيفة، فلا معنى للمعاش الخاص بالبرلمانيين أو الوزراء. < كيف تنظر إلى تقاعد بنكيران؟ < على ذكر المعاش الاستثنائي لعبد الإله بنكيران، والذي أثار الجدل الكبير في الأوساط السياسية، أؤكد أنه غير مقبول، وكان على زعيم العدالة والتنمية، أن يعبر عن رفضه له والاعتذار، لأن الأمر يتعلق بالمال العام، ولا يجب التصرف فيه بدون مبرر معقول. فبنكيران تحمل مسؤولية في الحكومة، وكان من الطبيعي أن يعود، كما هو معتاد في البلدان الديمقراطية إلى مزاولة مهنته السابقة، وأظن أن له ما يكفي من المداخيل والممتلكات الخاصة التي تمكنه من العيش. ولذلك، طالبنا بإلغاء معاشات البرلمانيين والوزراء، لأنها غير أخلاقية. إن الأمر، في رأيي يتعلق بمظهر آخر من مظاهر الريع التي يجب القطع معها، والبداية مع البرلمانيين والوزراء، قبل الانتقال إلى باقي مستويات اقتصاد الريع. تشرذم اليسار < يعيش اليسار حالة من التشرذم عمقت أزمته في مواجهة المد الإسلامي. ما هي أسباب هذه الأعطاب ؟ <لابد أن أشير إلى أن اليسار في المغرب ساهم بشكل وافر في ما وصلنا إليه من مكتسبات على علتها وهشاشتها، ولاشك أن اليسار يعيش اليوم أزمة لا يجوز نكرانها، وهي أزمة مركبة ومعقدة فيها ما هو ذاتي يرجع إلى ضعف وتراجع انخراط النخبة في العمل السياسي المنظم، وفيها ضعف تجديد آليات العمل الميداني وسط المواطنين، وفيها رهانات الزعامة والشخصنة في التدبير، عوض تقوية المؤسسات الحزبية، ومنها استقطاب النظام للعديد من الأطر اليسارية، وتجربة المصالحة المغشوشة، مثلما وقع في ما سمي التناوب التوافقي، وعودة القمع والتضييق على ممارسة الحريات الديمقراطية وتأثيرات موازين القوى الدولية، كل هذا ولد فراغا وعبد الطريق أمام مد إسلامي أصولي رجعي. إن حالة توهن الوعي اليساري تسائل بالفعل قدرة اليساريين والنخب المثقفة على إعادة التفكير في مفاهيم وآليات ممارسة السياسة اليوم، في ظل تراجع قيم الديمقراطية ونكران الذات والتهافت على المسؤوليات، في وقت كان مناضلو اليسار يساهمون من مواقع مختلفة في إرساء لبنات مغرب ما بعد 1956. خطاب الإسلاميين ينفر من السياسة < لكن كيف تقرأ هذه الحملة من قبل "بيجيدي" وبنكيران نفسه ضد كل الأصوات التي عبرت عن رفضها للمعاش الاستثنائي؟ < أعتبر أن خطاب العدالة والتنمية وعبد الإله بنكيران، في هذه القضية، يعكس النفاق الكبير والخطاب المزدوج الذي يميز الإسلاميين، واعتاد بنكيران والإسلاميون عموما على قول كلام ونقيضه، في احتقار لذكاء المغاربة ونباهتهم، تحت غطاء خطاب ديني. وتصدينا في فدرالية اليسار لهذه الازدواجية في الخطاب والممارسة السياسية التي تنفر المواطنين من العمل السياسي، وأكدنا على أهمية الصدق، باعتباره عنصرا ضروريا لتخليق الممارسة السياسية، وإعادة الاعتبار إلى مصداقية الفاعل السياسي. إن الصدق أساسي في الممارسة السياسية، أما اعتماد الازدواجية في الخطاب بعد تغيير المواقع، فيعتبر قمة النفاق السياسي والانتهازية. < كيف يواجه نائبا الفدرالية مهامهما البرلمانية في غياب إمكانيات، وهل تنسقان مع بعض الفرق في بعض الملفات؟ < لا ننسق مع أي طرف في البرلمان، ولكن نتفاعل مع مختلف المقترحات سواء من الحكومة أو باقي الفرق البرلمانية، انطلاقا من قناعاتنا ورؤيتنا للمصلحة العامة، فإذا كان المقترح يخدم مصلحة المواطن، نتفاعل معه إيجابا، ونصوت لفائدته، بدون عقدة، فنحن لسنا عدميين، ولا نرفض دائما لمجرد الرفض، فالأساسي هو الدفاع عن كل ما يخدم العدالة الاجتماعية. صحيح نعاني صعوبات في القيام بدورنا البرلماني، بسبب ضعف الإمكانيات والوسائل اللوجيستية المتوفرة. ورغم إلحاحنا أكثر من مرة على رئيس المجلس من أجل توفير الحد الأدنى من وسائل العمل، إلا أنه لم يتجاوب معنا، ما اضطرنا إلى الاعتماد على وسائلنا، واستغلال الهامش الضيق الممنوح لنا، في إطار الأسئلة الشفوية من أجل تمرير رسائل وتبليغ مواقف الفدرالية من السياسات العمومية المنتهجة من قبل الحكومة. < يلاحظ أنكما تركزان في مراقبة الحكومة على الأسئلة الكتابية أمام الحيز الضيق في الأسئلة الشفوية. كيف تقيمان تفاعل الحكومة معكما؟ < صحيح أنه أمام ضيق الحيز الزمني الممنوح لنائبي الفدرالية، لجأنا إلى الأسئلة الكتابية لتعويض هذا النقص، بالإضافة إلى الحضور المكثف في عمل اللجن، ونحن نركز كثيرا على القضايا الاجتماعية التي تهم المواطنين، وقضايا حقوق الإنسان والمساواة أمام القانون، والملفات الاجتماعية سواء كانت وطنية أو محلية أو فئوية، والتي يكون فيها حيف. وفي بعض الأحيان، يكون هناك تجاوب، لكن في أغلب الأحيان، تبقى الأسئلة دون جواب لفترة طويلة، وهو مشكل تعانيه كل الفرق والمجموعات النيابية، إذ تظل نسبة كبيرة من الأسئلة دون أجوبة. انقسام قوى اليسار قيادات اليسار منقسمة اليوم على نفسها وهنا لابد من الإشارة إلى أن المسألة ليست فقط ذاتية، بل موضوعية بسبب عجزها عن تشكيل قطب واحد وموحد في الجزء الكبير منه يرتبط بالمشروع المجتمعي الذي نريد. وهناك جوانب تتعلق بقصور الأجهزة الحزبية وعدم قدرتها على إفراز قيادات متجددة قادرة على إعادة الاعتبار للنضال اليساري، وغياب تفكير معمق حول ما بعد حركة 20 فبراير، وصعوبة تقديم عرض سياسي قادر على النهوض بالنضال الجماهيري والدفع بدمقرطة الدولة والنظام السياسي. إن خطابنا اليوم يجب أن يتجدد ويبتعد عن القيادة المشخصنة والاقتراب من المواطنين ببرامج واضحة وإعداد مخططات تشاورية مع المجتمع. لقد فقد اليسار قدرته على تعبئة المناضلين والمتعاطفين، فبالأحرى المواطنين، في هذا السياق اشتغلنا منذ 2002 على مشروع توحيد اليسار بنفس جديد، لكن لم نتقدم، لأن إرث الردة والتراجعات التي طبعت المسار ثقيلة. ضعف التحسيس بالأنفلونزا < باعتبارك طبيبا وكاتبا عاما لنقابة الصحة، كيف تنظر إلى تعاطي الحكومة ووزارة الصحة مع أزمة الأنفلونزا؟ < لا بد من الإشارة في البداية إلى أن فيروس الأنفلونزا ليس جديدا، فهو موجود في كل البلدان، لكن الفرق هو طريقة التعاطي معه مع بداية كل موسم برد. ومعلوم أنه يصيب في الغالب المسنين والأطفال والنساء الحوامل، وقد تؤدي مضاعفاته، في غياب العلاج، إلى الموت. وحتى بالنسبة إلى العاملين في قطاع الصحة، كان على الوزارة أن تقوم بتعبئتهم أولا، ووضع كل وسائل الوقاية من الفيروس رهن إشارتهم، وحمايتهم لكن الوزارة لم تتخذ أي شيء في هذا الصدد، وهذا ما نعيبه عليها، قبل انتشار الفيروس في أكثر من منطقة. ورغم حالات الوفيات المسجلة، فالأمر ما زال عاديا، ولا يعني أننا نعيش حالة وبائية شاملة، لكن المشكل في تعاطي وزارة الصحة والتي تعرف جيدا أنه مع بداية موسم البرد، ستعود الأنفلونزا، وكان يجب القيام بحملات تحسيسية قبل وقوع وفيات، من خلال تعبئة كل الإمكانيات والوسائل المتوفرة، وتخصيص نشرات يومية وبرامج صحية عبر مختلف وسائل الإعلام، خاصة في القنوات التلفزيونية، وتوفير الأدوية الكافية في المراكز والمستشفيات، عوض انتظار وقوع الأزمة، لاستيراد كميات منها. وأدعو هنا، باعتباري طبيبا، المواطنين إلى تجاوز حالة الهلع، واتخاذ الإجراءات الوقائية الضرورية، والحرص على زيارة المستشفيات عند تسجيل أعراض الأنفلونزا. بطء الاندماج < تعيش فدرالية اليسار بطئا في تنزيل مشروع الاندماج. ما هي أسباب تعثر المسار وهل هناك تنافس حول الزعامة؟ < بالتأكيد، هناك بطء في تنزيل مشروع الاندماج تتحمل مسؤوليته القيادات في الأحزاب الثلاثة المشكلة لها، خاصة أن الخطوات التأسيسية التنظيمية والأرضية السياسية تمت المصادقة عليها، عند إعلان التأسيس في 23 مارس 2014. لقد كان للسنتين اللتين تلتا محطة الإعلان الرسمي للفدرالية، عدم وضع جدولة زمنية للمضي نحو الاندماج، بسبب الإعداد للانتخابات الجماعية في 2015 والتشريعية لـ2016. وبعدها جاءت مرحلة إعداد مؤتمرات الأحزاب الثلاثة. أما الآن، فلا مبرر مقنع إلا إذا كانت هناك أشياء أجهلها، وما أريد التأكيد عليه هو أن عملية الاندماج يجب أن تتم وفق مسلسل تشاور مضبوط من الناحية الزمنية، يعبئ ويدمج الكل في إعداد وإرساء قواعد نجاح المشروع، بعيدا عن حسابات تكتيكية حول ميزان القوى. وفي تقديري، إذا استمرت وتيرة بطئه في الشهور القليلة المقبلة، سيرفع درجة خمول العديد من المناضلين وبالأساس الذين يراهنون على هذه الدينامية. ولذلك، لا يمكن حصر مسار الاندماج في القيادات، بل على الجميع بلوغ محطة الاندماج خيارا لا محيد عنه، وعلينا أن نعي جيدا أن الاندماج سيخلق روابط جديدة بين المناضلين وسيسمح بفتح نقاش من مستوى آخر يتمحور حول المكاسب المجتمعية لفائدة الديمقراطية الحقيقية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وسيتيح مسلسل الاندماج بين المكونات الثلاثة للفدرالية الإمكانية لا محالة للعديد من مناضلي اليسار والمتشبعين بالفكر الديمقراطي واليساري المقتنعين بمشروع الفدرالية بالانخراط في المشروع الذي يعقد عليه المغاربة آمالا كبيرة. في سطور: - من مواليد 1958 بالبيضاء - متزوج وأب لطفلين. - نائب برلماني لفدرالية اليسار الديمقراطي بدائرة آنفا - باكلوريا علمية في 1976 من ثانوية محمد الخامس بالبيضاء - حصل على الدكتوراه في الطب من جامعة الحسن الثاني كلية الطب بالبيضاء في 1985. - طبيب ممارس في القطاع العام منذ 1986. - حصل على دبلوم التخصص في طب الشغل في 2000 من جامعة رين بفرنسا. - عضو بالمكتب السياسي لحزب اليسار الاشتراكي الموحد خلال المؤتمر التأسيسي الاندماجي في 2002 . - عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد. - عضو الهيأة التقريرية لفدرالية اليسار الديمقراطي. - كاتب عام للنقابة الوطنية للصحة (ك د ش) - عضو المكتب التنفيذي للكنفدرالية الديمقراطية للشغل - عضو سابق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي - عضو اللجنة الوطنية واللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد منذ 2004. - عضو بالمجلس الأعلى لطب الشغل والوقاية من الأخطار المهنية لمدة انتدابين منذ 2008. - رئيس المنتدى الوطني للأطباء.