ثلوج أجهضت مخطط الإرهابيين مهاجمة مأوى به سياح بعد مرور أسبوع على مقتل السائحتين الإسكندنافيتين، بمنطقة «شمهروش»، تضاربت الروايات حول ظروف وتفاصيل ارتكاب المتهمين جريمة القتل البشعة، رغم بيانات المصالح الأمنية المختصة التي حاولت تقديم إجابة شافية عما وقع. انتقلت «الصباح» إلى منطقة إمليل، وبالضبط قرية «أرمد» التي تعد بوابة جبل «توبقال» وهناك تسرد في السر روايات، حاولت تقديم سيناريو مفصل للجريمة، تطرقت فيه إلى اللحظات الأولى لوصول المتهمين والضحيتين إلى المنطقة إلى حين تورطهم في الجريمة وطريقة اعتقالهم من قبل المصالح الأمنية. إنجاز: مصطفى لطفي - تصوير : أحمد جرفي (موفدا «الصباح» إلى إمليل) الوصول إلى قرية «أرمد» من إمليل شاق جدا، بسبب منعرجات خطيرة وضعف اللبنية التحتية للطريق الوحيدة، رغم صرف 600 مليون من أجل إصلاحها، لكن تواطؤ بعض مسؤولي الجماعة والمقاول أجهض هذا الحلم. يقظة أمنية تعد قرية «أرمد» بوابة نحو قمة توبقال، مرورا عبر «شمهروش». ما زالت صدمة الجريمة واضحة على محيا سكان المنطقة كبارا وصغارا، فالسياحة تعد مصدر رزقهم الوحيد، إذ اعتبروا قتل السائحتين على الطريقة الداعشية استهدافا لهم، فهذه المنطقة لم تشهد وقوع حتى أبسط الجرائم من قبيل السرقة، فبالأحرى استهداف أرواح السياح. على الطريق المؤدية إلى ممر «شمهروش» بهذه القرية، تم نصب نقطة للمراقبة بعد مقتل السائحتين، يشرف عليها دركيان وعنصران من القوات المساعدة بالتناوب ليلا ونهارا، مهمتهما مراقبة أي تحركات مشبوهة لغرباء عن المنطقة والعمل على اعتقالهم، وفي الوقت نفسه تدوين أسماء وأرقام بطائق التعريف للزوار والسياح المغاربة والأجانب في سجل خاص، مع تحديد توقيت مرورهم. كما تم تكليف عنصرين من الدرك للقيام بدورية على طول الطريق المؤدية إلى شمهروش، لفرض الأمن ورصد أي تحركات مشبوهة، كما تم وضع نقطة مراقبة أخرى بـ»شمهروش» يشرف عليها أيضا دركي وعنصر من القوات المساعدة، مهمتهما تدوين هويات من زار المكان سواء كان أجنبيا أو مغربي. هذا الإنزال لعناصر الدرك والقوات المساعدة بالمنطقة، تعزز بفرق للحراسة تتكون من أبناء المنطقة، إذ حسب مصادر من المنطقة، فإن السلطات أشعرت شباب قرية أرمد والضواحي الحاصلين على شهادة المستوى الرابع وما فوق بالانخراط في هذه الفرقة، إذ أسندت لهم مهمة مراقبة أهم المواقع الإستراتيجية بهذا الموقع السياحي، بحكم درايتهم بكل تضاريس المكان، بهدف قطع الطريق على أي عمل يستهدف السياح بالمنطقة. رواية السكان لا حديث بقرية "أرمد" وبممر "شمهروش" إلا عن جريمة قتل السائحتين الاسكندنافيتين على الطريقة الداعشية، المثير أن هذه الروايات التي استقتها "الصباح" من مصادر عديدة كانت متناسقة، باستثناء اختلافات بسيطة همت أمورا ثانوية. تتحدث هذه الروايات، أن الإرهابيين الأربعة حلوا بمنطقة "أرمد"، أربعة أيام قبل ارتكابهم الجريمة، متقمصين هوية عشاق رياضة تسلق الجبال، لكن رغم هذا التنكر، انتابت سكان المنطقة شكوك حول تصرفاتهم، بداية بتفاديهم الاختلاط بهم، لدرجة رفض الحصول على أي مساعدات منهم. لكن وحشية الإرهابيين ظهرت عندما سطوا على جدي كان يرعى بالمنطقة، وحاولوا ذبحه، قبل أن يتدخل راع، ويسترده منهم بعد جهد جهيد. بعدها دخل إرهابي في نقاش حاد مع شركائه الثلاثة. حدة الخلاف كانت واضحة للجميع، وظل سببها غامضا. ربما يعود إلى تباين الرؤى حول تنفيذ الجريمة. بعد نقاش حاد قرر الثلاثة مواصلة مهمتهم، في حين فضل رابعهم مغادرة المكان والعودة إلى مراكش. ومن الصدف أن بطاقته الوطنية ظلت مع شركائه، وهي التي حجزت في خيمتهم ما عجل باعتقاله. قام المتهمون الثلاثة بجولات امتدت من منطقة " أسني" إلى سفوح جبل " اكلزيم" بحثا عن سياح حلوا بالمنطقة فرادى ودون مساعدة مرشدين سياحيين. لحسن الحظ لم يجدوا أي ضحية، بعدها صادفوا أربعة سياح رفقة مرشد سياحي، فقرروا تعقبهم، إلى أن تأكدوا من مكان مبيتهم، وفي الليل حاولوا مهاجمتهم، ليكتشفوا أن المرشد غير مكان المبيت في اللحظة الأخيرة. البعض قال إنه شك في تصرفاتهم وفضل المبيت في مكان آخر. ثلوج تمنع وقوع مذبحة أمام هذا الفشل، خطط الإرهابيون الثلاثة لمهاجمة مأوى على سفوح جبل " أكلزيم"، حاولوا التسلل إليه من منطقة جبلية ليلا، ومهاجمة كل من كان فيه، فصادفوا حاجزا ثلجيا، عرقل مرورهم إليه، وبعدها اتخذوا قرار البحث عن سياح بمنطقة "شمهروش". المثير أن القدر كان يرسم خطوط اللقاء بين القتلة والضحيتين، بحكم أن السائحتين نصبتا خيمتهما قرب المأوى المستهدف لمدة يومين، إذ لقيتا تعاملا خاصا من مالكيه ومساعدات، ما زاد في ثقتهما أن المكان آمن بشكل لا يدعو للشك، رغم أن القتلة كان يفصلهم عنهما حاجز ثلجي فقط، بعد أن فضلوا المبيت أيضا بذلك المكان. الصدفة تسوق الضحيتين إلى حتفهما في الصباح، قررت السائحتان مغادرة المأوى صوب "شمهروش، وهو القرار نفسه الذي اتخذه الإرهابيون بحكم أنه يعد الممر الرئيسي للسياح الراغبين في الصعود إلى جبل توبقال أو التوجه إلى قرية "أرمد" ومن ثم إلى امليل ومراكش، وبالتالي استهداف أي سائح حل بالمنطقة وحيدا ودون مرشد سياحي. وبـ"شمهروش" التقى الإرهابيون الثلاثة بالسائحتين، وبعد أن تأكدوا أنهما دون حماية، قرروا تصفيتهما، إذ ظلوا بالمنطقة يراقبون تحركاتهما إلى أن غادرتا المكان بعد صلاة العصر. تقول رواية بعض سكان المنطقة إن الإرهابيين دخول في حديث مع الضحيتين، وبحسن نية أخبراهم أنهما ستبيتان قرب محل تجاري في طريق "شمهروش" إلى أن يحل الصباح، وبعدها سيواصلان السير إلى قرية "أرمد" وأمليل ومراكش. تعقب الإرهابيون الضحيتين إلى أن وصلتا إلى المكان المعلوم، إذ عاينوهما منهمكتين في نصب خيمتهما. ولكسب المزيد من الوقت طلب المتهمون من مالك المحل التجاري ماء ساخنا من أجل الوضوء، وبعد أن تأكدوا أن صاحب المحل سيغادر إلى منزله، ما يعني أن الضحيتين ستقضيان الليل وحيدتين، غادروا المكان إلى مسافة تتجاوز أزيد من كيلومتر، وفي أسفل الوادي، نصبوا خيمتهم. بأي ذنب ذبحتا؟ في حدود الواحدة صباحا، هاجم الإرهابيون خيمة الضحيتين، تقول راوية إن الضحية الثانية "لويزة"، بحكم بنيتها الجسدية نجحت في مقاومتهم، وحاولت الفرار من الخيمة، قبل أن يتم إسقاطها على الأرض وذبحها، في حين استسلمت زميلتها "ماري" لمصيرها. في حدود الثالثة صباحا، انتهى كل شيء، وقرر الإرهابيون الفرار من مسرح الجريمة. إحدى الروايات تكشف أنهم بسبب الارتباك والخوف، ضلوا مكان خيمتهم، سيما أن المكان كان مظلما، إذ كانوا ينوون سحبها ومغادرة المكان، ما كان سيزيد من صعوبة مهام المحققين. فر المتهمون لمسافة 17 كيلومترا، عبر منعرجات خطيرة بالمنطقة. تفادوا ركوب سيارة الأجرة بإمليل حتى لا يفتضح أمرهم، فقرروا التوجه إلى منطقة أسني، هناك عاينهم بعض الفلاحين، وأثارتهم طريقة تحركاتهم، واعتقدوا أنهم ضلوا الطريق. استقل المتهمون سيارة أجرة صوب مراكش وفي الصباح، انتشر الخبر، وقتها أدرك الفلاحون أن الغرباء هم الجناة الحقيقيون. استنفار أمني في الصباح، عثر سائحان أجنبيان على جثتي الضحيتين مفصولتي الرأس، ارتابا في الأمر، قبل أن يلتقط أحدهما صورة للمشهد البشع، وواصلا السير، إذ صادفا صاحب المحل وأخبراه بالأمر، فطلب منهما مرافقته إلى محله التجاري، فعاين فظاعة ما قام به الإرهابيون. أشعر صاحب المحل الدرك الملكي، ومنع السائحان من مغادرة المكان خوفا من نشرهما صور الجريمة على الانترنت، إلى أن سلمهما إلى عناصر الدرك، كما ربط الاتصال بعدد من المرشدين السياحيين، الذين طلب منهم منع أي أحد من الاقتراب من مكان الجريمة، تفاديا لالتقاط صور قد تضر المغرب والمنطقة عموما. حلت عناصر الدرك على الفور، وقامت بمعاينة المكان، وبعدها تحولت المنطقة إلى مقر لكبار ضباط الدرك والمسؤولين بالجهة. عمد مسؤولو الدرك إلى مسح الصورة من آلة تصوير السائحين وطلبا منهما مغادرة المكان. باشر المحققون عملية البحث لتحديد هوية الجناة، فتوصلوا بمعلومة عن وجود خيمة مشبوهة بعيدة عن مكان مقتل الضحيتين، تبين أنها تعود للجناة، وخلال التفتيش تم حجز بطاقة تعريف وطنية لأحد المتهمين وبعض ملابسهم. استعانت عناصر الدرك بكلاب مدربة، إذ وضع أمامها بعض ملابس المتهمين، فانطلقت محددة مسار فرارهم، إذ تبين أن المتهمين بعد قتل الضحيتين سلكوا الطريق المؤدية إلى "شمهروش"، من أجل التمويه، قبل أن ينزلوا إلى سفح الوادي وسلكوا الطريق المؤدية إلى دوار "أرمد"، وغادروا المنطقة. نجاح الكلاب المدربة في تحديد مسار الإرهابيين، أكدته كاميرا مراقبة بمحل بالقرية، والتي صورتهم يمرون بالمكان جريا، قبل أن تعمل الشرطة العلمية على تفحص الشريط لتحديد هويات المتهمين أكثر والحصول على صور واضحة لهم. عم الحزن المكان، وبعدها دخل المكتب المركزي للأبحاث القضائية على الخط، كانت أول عملية للوصول إلى المتهمين ، الحصول على بطائق تعبئة الهاتف المحمول من محل تجاري بالمكان الذي قتلت فيه السائحتان، إذ تم تحديد جميع هويات الأشخاص الذين عبؤوا هواتفهم. فيديو لتخويف المغاربة يروي شهود أن الإرهابيين بعد تصوير شريط فيديو ذبح السائحتين، انتظروا إلى حين وصولهم إلى منطقة أسني وأرسلوه إلى شريك لهم، يروج أنه يتحدر من منطقة مولاي إبراهيم، اعتقلته عناصر المكتب المركزي للأبحاث القضائية مباشرة بعد اعتقال المتهمين الثلاثة، وكان الهدف من ذلك تأكيدهم تنفيذ الجريمة، وبعدها تولى الموقوف إرساله إلى عدد من المقربين له، قبل أن ينتشر في صفوف المواطنين عبر تقنية "واتساب"، بهدف تخويفهم.