مجتمع

جامع الفنا ليلا… مغارة تسكنها الأشباح والحيوانات

طقوس الفرجة بالساحة تبدأ بأرق الأفاعي والقردة وتنتهي بمأكولات نادرة

الأفاعي والقرود لا تنام ليلا.. حقيقة علمية تطالع زائر جامع الفنا الشهير، فالحيوانات المفترسة روضت في مراكش إلى درجة أنها لا تخشى الظلام وبرودة الطقس، واستأنست بالسكان، مهما تعددت جنسياتهم ولكناتهم.

تحرص الحيوانات على إبهار السياح الأجانب بجامع الفنا طيلة ساعات اليوم، وتبدو، ليلا، مثل أشباح داخل مغارة سحرية، إذ لا تأبه بالمزامير التي تصدر لحنا غريبا، ودقات الطبول التي تشبه إعلان حرب في العصور الإغريقية، وتتماوج مع خليط من الأهازيج التي تبعث على الدفء حتى يفقد الزائرون الإحساس بانخفاض درجات الحرارة إلى أقصى معدلاتها.
إنها طقوس تتجدد يوميا بالساحة الشهيرة التي تزداد رونقا ليلا، حتى تبدو مثل امرأة في كامل زينتها تسحر الزائرين، فيتيهون ساعات بين «الحلاقي» والأزقة الضيقة، فهناك النساء المنقبات اللائي انشغلن بالبحث في كفوف ناعمة عن الحظ والمستقبل على ضوء مصابيح خافتة، و»الحلايقية» الذين طردوا النعاس من مقلهم لالتقاط صور نادرة تنضاف إلى ألبومات السياح، و»كناوة»  الذين لا يأبهون بآلام الرأس ويواصلون الدوارن في اتجاه عقارب الساعة على إيقاع الموسيقى .. إنها طقوس ليلية في ساحة صنفت تراثا إنسانيا.
في الليل أيضا تكتشف «حلايقي» غريب الأطوار، كل عدته فانوس قديم وملابس رثة، وتبدأ «الفراجة» بسقوطه أرضا عاريا مصطنعا ألما شديدا، حتى يثير شفق السياح وضحك المراكشيين، ثم يهب للصراخ بشكل غريب بكلمات مبهمة تضيع حروفها مع موسيقى «الحلايقية» المجاورين، وفجأة يهب مذعورا ومهرولا في كل الاتجاهات والسيجارة  بين يديه كأنه يستمد من لهيبها بعض الحرارة، ويحث المارين للانضمام إليه، وهكذا تتشكل «الحلقة» من لاشيء، إلا شخصا كل مؤهلاته الصراخ والعويل ودفع المتحلقين حوله للتصفيق.
ولا يستسلم المتسولون، بدورهم، للنوم بجامع الفنا، فترى حواسهم تشتغل بأقصى طاقاتها حين ينجذبون إلى سياح تائهين واقتفاء آثارهم، مثل مرشدين محترفين، ولا يفارقونهم حتى نيل مبلغ من المال حتى ولو كان زهيدا، منهم أطفال صغار يملكون جرأة نادرة، ونساء يذرفن الدموع، دون سبب وشباب وشيوخ.

الشمس والقمر
لا فرق إطلاقا، في جامع الفنا، بين ضوء الشمس والقمر، فكلاهما يجذب الباحثين عن متعة «الحلاقي»، لكن لظلام الليل نكهة خاصة جدا، إذ يتجمهر الناس في الساحة بحثا عن نسيم ليل عاصمة النخيل، وتخرج أسر بأكملها للاستمتاع بحركات «أولاد سيدي احماداو موسى» البهلوانية، فترى الأطفال مشدودين إلى عروض القفز الجماعي ومرونة أجسام تشيد أهرامات بشرية في السماء، حينها تتلألأ أجسادهم تحت ضوء القمر وأزياؤهم المزركشة بكل ألوان قوس قزح، فلا يصمد  أحد أمام إغراء الوقوف للتمتع والتقاط صور لرجال تحسبهم صنعوا من مواد بلاستيكية لقدرتهم على التمطط.
حكايات «أولاد سيدي احماد او موسى» كثيرة، وتاريخهم يعود إلى قرون خلت، لكنهم لا يخفون أن «سرهم» محفوظ في الذاكرة، فأحدهم ظل يتدرب، منذ أن كان عمره أربع سنوات، بعد أن ورث المهنة عن أبيه، ولا يخفي أن أباه « استوطن الساحة منذ القدم، واستغرق سنوات لتلقينه الحركات وكل أسرارها»، وبفضل مهنته، أصبح قادرا على إعالته أسرته، لكنه يتأسف أنه في السنوات القليلة الماضية، قل العائد المالي رغم ازدياد عدد الزائرين، مشيرا إلى أن «هناك العديد من الناس الذين يتمتعون بالفرجة والتقاط الصور دون التبرع بأي شيء».ولأن الفرجة لا تقتصر ليلا على «الحلايقية» فقط، بل تطول الحيوانات، فإنك تكتشف موهبة مدربي الأفاعي والثعابين الذين يُبهرون الجمهور  لقدرتهم على تدجينها ودفعها إلى الرقص في تناسق مع موسيقى مزمار تقليدي، حتى أنها تفوق متعة راقصات كباريهات مجاورة للساحة، ولعل ذلك ما يجعل «حلاقي» الثعابين أكثر متعة وأكثر جذبا للسياح.
ولا يخفي أحد المدربين أنه ينجح، دوما، في اصطياد الثعابين، ويعترف بخطورة المهنة، فهي غير متاحة أمام الجميع، وخطأ واحد في التعرف على الطريدة يؤدي إلى الموت، إذ يشترط في صائد الأفاعي أن يبرهن على احترافيته والتمتع بقدر كبير من الجرأة»، ومنهم من يتعقب ويصطاد الأفاعي والثعابين لثلاثين سنة، ويجول بين قمم الجبال باحثا عنها.

قردة تتسول
في قلب الساحة أيضا، يقف بائعو الماء ومدربو القردة لإثارة انتباه السائحين، فتراهم يتحركون في كل الاتجاهات ويركضون خلف سياحا، وتؤدي بعض القردة دور المتسول أحسن من أشهر ممثل عالمي، وغير بعيد عنهم تنخرط نسوة في الوشم بالحناء وإبداع رسومات متناسقة تستهوي الزائرين، فهي مهنة تمكن بعضهن من الحصول على المال من أجل مساعدة أسرهن أو لتمويل دراستهن.
في أقصى الساحة اصطفت مطاعم تقليدية، ولا تنتعش الحركة بها إلا مع أولى خيوط الظلام، حينها يبدأ أطفال في تهييء الطاولات بشكل بديع ويجلس الجميع في شكل صفوف لالتهام «لحم الراس» أو شرب الحريرة أو أكل الأسماك، فترى جميع الأطباق التقليدية الشهية تغري الزائرين للاستمتاع بوجبة على إيقاع موسيقى «الحلايقية».لا تحتاج في جامع الفنا إلى قواميس اللغة، فالجميع يحفظ عن ظهر قلب كلمات باللغات الإنجليزية والألمانية وحتى اليابانية، وأغلبهم يملك حنكة التواصل مع السياح لاستقطابهم إلى عالم الساحة.
تُعرف ساحة جامع الفنا بأنها الساحة الوحيدة في المغرب، وربما في العالم، التي لا تؤثر في نشاطها فصول السنة، كما لا تتأثر بالمظاهرات الرياضية أو المسيرات الاحتجاجية، فقد خلقت للفرجة، وتفتح أحضانها يوميا للحكواتيين ومروضي الأفاعي، والفرق الموسيقية بكل الألوان، فهي تغوي الجميع وتحافظ على شهرتها بين الناس، لكنها تتأقلم مع كل المستجدات.

خالد العطاوي (موفد الصباح إلى مراكش)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق