الرياضة

مونديال الأندية… فكرة أطلقها الصراع الأوربي اللاتيني

مونديال الأندية بطولة لها أكثر من تاريخ، الأول قديم جدا يعود إلى نهاية الخمسينات، حين سمعت لأول مرة صيحات تنادي بتنظيم مواجهات رسمية بين أندية أوربا وأمريكا الجنوبية. والثاني حديث جدا ينتمي إلى الألفية الجديدة، وتحديدًا عام 2000، عندما نظم الاتحاد الدولي البطولة الأولى «المجمعة» للأندية بالبرازيل بمشاركة 8 فرق، وهو ما يعني وجود تاريخَيْن مختلفَيْن للبطولة؛ لكل منهما حكايته الخاصة.
في عام 1958 توجت البرازيل للمرة الأولى بطلةً لكأس العالم المُقامة في السويد؛ فتعادلت كفتا أوربا وأمريكا الجنوبية: ثلاث بطولات للقارة العجوز، ومثلها للقارة اللاتينية، ووضعت البذور الأولى للصراع الدائم والمُثير بين الكرتَيْن الأوربية واللاتينية، فيخرج سنتياغو برنابيو الرئيس التاريخي لريال مدريد مع آخرين باقتراح جديد من نوعه يهدف إلى تنظيم بطولة سنوية تضع بطل أوربا في مواجهة بطل أمريكا الجنوبية بهدف تتويج فريق واحد يمكن اعتباره بطلاً لأبطال العالم.
سريعًا بعد دعوة برنابيو أقيمت النسخة الأولى عام 1960، وجاءت على هيأة مباراتي ذهاب وعودة جمعتا بطلَيْ القارتين في ذلك العام، وهما ريال مدريد الإسباني وبينارول الأوروغوياني، فيتعادل الفريقان ذهابًا في مونتيفيديو قبل اكتساح الفريق الملكي ضيفَه إيابًا 5-1 في مباراة تاريخية شهدها قرابة 100 ألف متفرج.
بعدها دارت عجلة البطولة؛ وتبادل ممثلو القارتين إحراز الألقاب، لكن المسابقة التي انطلقت واعدةً لم تلبث أن تباينت حولها الآراء، وفيما استمرت تمثل حدثًا استثنائيًّا لأندية أمريكا الجنوبية باعتبارها فرصة ذهبية لتحدي نجوم أوربا، خفت الاهتمام بها بمرور السنوات من قِبَل أندية القارة العجوز الكبيرة والغنية، سيما بعد تزايد عدد المباريات وازدحام أجندة البطولات؛ ما وضع مستقبلها في مهب الرياح.. حتى جاء الحل من اليابان، وتقدَّمت شركة تويوتا لصناعة السيارات بعرض رعايةٍ دخلت به البطولة المتعثرة عصرها الثاني، واتخذت هيأة جديدة تتفق مع المستجدات، فتحولت مواجهة كل عام بين بطلَي أوربا وأمريكا الجنوبية إلى مباراة واحدة تستضيفها الأرض اليابانية، مع رعايةٍ ماديةٍ تكفل للبطولة الحياة وسط قوانين جديدة لم تعد تعترف باللعب دون ثمن.
وهكذا واصل العالم متابعة كأس «إنتركونتننتال»؛ حيث بقيت الفكرة الأصلية وتبدَّل الشكل والمكان، ثم تغيَّر الاسم ذاته إلى «كأس تويوتا»، وحافظت البطولة لعقدين تاليين على دوريتها دون مشكلات: مباراة واحدة تقام بطوكيو شتاء كل عام، حتى تدخَّل الاتحاد الدولي.
ظهر اسم (فيفا) مرتبطًا للمرة الأولى بتنظيم بطولة عالمية للأندية بعد سنوات قليلة من تحول «كأس أوربا للأندية أبطال الدوري» إلى «دوري أبطال أوربا»، ثم نجاحها المدوي على الصعيدَيْن المادي والجماهيري، وهو ما أثار على ما يبدو حسد (فيفا)، وأطلق تطلعاتها إلى رعاية بطولة أندية قريبة الشبه تحقق القدر نفسه من النجاح المادي والجماهيري وتحظى بالبريق نفسه.
وقتها تحدث مسؤولو الاتحاد الدولي عن تطلعهم إلى تنظيم بطولة من نوع جديد أكثر عدالة، تختلف عن المواجهة التقليدية بين بطلي أوربا وأمريكا الجنوبية، وتتيح لأبطال القارات الأخرى فرصة الظهور، ومناطحة كبار القارتين، خاصةً بعد مرور سنواتٍ على ظهور واستقرار بطولات أندية مماثلة بباقي قارات العالم.
ورغم صعوبات عديدة، وتشكيك كثيرين في جدوى الفكرة وإمكانية تجسيدها على أرض الواقع، نجح الاتحاد الدولي في فرض بطولته الجديدة، وانطلق «مونديال الأندية» للمرة الأولى خلال الأسابيع الأولى من يناير 2000، فكانت أول مسابقة كروية تشهدها الألفية الثالثة، واستضافتها مدينتا ريو دي جانيرو وساو باولو البرازيليتان بمشاركة 8 أندية من أركان العالم الأربعة؛ هي: مانشستر يونايتد بطل أوربا، وريال مدريد فريق القرن، وكورنثيانز وفاسغو دي غاما البرازيليان، بالإضافة إلى الوافدين الجدد: النصر السعودي، والرجاء المغربي، ونيكاكسا المكسيكي، وساوث ملبورن الأسترالي.
أحرز كورنثيانز لقب بطولةٍ عرفت نجاحًا متوسطًا وشهدت إخفاقًا أوربيا كبيرا بعدما لم يستطع مانشستر يونايتد تجاوز الدور الأول، واكتفى ريال مدريد بالمركز الرابع، فيما احتفى مسؤولو الفيفا طويلاً ببطولتهم الوليدة، على وعد بمستويات أفضل في النسخ التالية عندما تتمتع البطولة باستقرار أكثر وتنتظم دوريتها.
لكن أحلام (فيفا) الوردية اصطدمت سريعا بمشكلات مفاجئة، فالنسخة الثانية التي كان مقررا إقامتها باسبانيا عام 2001 بمشاركة 12 فريقا لم تر النور أبدا بسبب إفلاس شركة التسويق الخاصة بالاتحاد الدولي، ثم واجهت نسخة عام 2003 مشكلات أخرى كان أبرزها الفشل في الاستقرار على توقيت يناسب جميع الأندية المشاركة لتلغى هي الأخرى.
وهكذا، ولعدة سنوات، بدت النسخة الأولى كأنها حدث استثنائي لن يُكتب له الاستمرار على قيد الحياة، وتنبأ الجميع بغياب البطولة الجديدة فجأةً تمامًا كما ظهرت إلى الوجود، سيما بعد تواصل إقامة كأس تويوتا السنوية بين كبيري أوربا وأمريكا الجنوبية وكأن شيئًا لم يكن؛ لكن (فيفا) برئاسة جوزيف بلاتر أظهر مرة أخرى تصميما كبيرا على فرض بطولته على الجميع، وهو ما حدث بالفعل فتعود البطولة إلى الحياة من جديد، لكن بشكل مبتكر، وأكثر ملاءمةً للتطورات الجديدة، فاختيرت اليابان البلد الراعي للمواجهة التقليدية بين بطلي أوربا وأمريكا الجنوبية قرابة ربع قرن، مقرًّا ثابتًا خلال السنوات الأربعة الأولى للبطولة، قبل انتقالها إلى الإمارات، ثم تقرر إدخال تعديلات على شكل البطولة لتقليص مدة إقامتها إلى أقصى حدٍّ ممكنٍ، فأصبحت تقام بمشاركة 6 أندية تمثل كل قارات العالم، مع إعفاء ممثلَي أوربا وأمريكا الجنوبية من خوض مباريات الجولة الأولى وحفظ مقعدين ثابتين لهما في الدور قبل النهائي، ثم عرف الحدث تعديلات أخرى انطلاقًا من نسخة عام 2007 حين سُمح لبطل الدولة المنظمة بالمشاركة لضمان المزيد من النجاح الجماهيري؛ فظهرت من ثم أندية من اليابان ثم من الإمارات لتشارك في حدثٍ تحوَّل بعد أكثر من نصف قرن على انطلاق شكله الأول مسابقةً جديدةً تمامًا ينتظرها العالم ويترقبها عشاق الكرة في كل مكان.

وكالات

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق