مرشحون هدفهم التحرر الذاتي من دوائر الممنوعات والمحرمات منذ أول يوم لفتح باب الترشح للرئاسة تقاطر المرشحون على الباب، يقفون بالطوابير لتسلم استمارات الترشح، وتقدم أزيد من أربعمائة وخمسين مرشحا للرئاسة في أول يوم، فما بال الأيام التالية؟ وقد تعجب الإعلام من ذلك، واستهجن الظاهرة، واستهزأ بالمرشحين، بلباسهم وهيئتهم ووظائفهم ومكانتهم وخبرتهم السياسية، وطالب بوضع قانون للحد من هذه الظاهرة، احتراما للرئاسة كمؤسسة وللرئيس كرمز، ودليلا على جدية الانتخابات الرئاسية التي تتنافس عليها جميع القوى السياسية.والظاهرة لا شأن لها بانتخابات الرئاسة، أي ظاهرة موضوعية، ولكنها ظاهرة نفسية خالصة، فالمواطن المصري العادي كان مهمشا طيلة حياته هو وأبوه وجده، وربما ابنه وحفيده في العقود الستة الأخيرة، ولا شأن له بالسياسة، لم يشارك في أي انتخابات سابقة، ويسمع أن نتائجها معروفة قبل إجرائها، فجأة سُمح له بأن يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة، بعد أن أذهل العالم بمشاركته في انتخابات مجلسي الشعب والشورى، فلماذا لا يتكرر المشهد هذه المرة ليس لمنصب النائب، بل لمنصب الرئيس نفسه؟ فيظهر في الإعلام الذي كان محتكرا من قبل على الطغمة السياسية أو على مشاهير الفنانين والفنانات، ولا يعرف من الشاشة البيضاء إلا الأفلام والمسلسلات، فالدافع هو الظهور الإعلامي، وحديث الصحافة عنه، وظهور صوره، وذكر اسمه ووظيفته وسؤاله عن أمنياته وبرامجه وتمنياته للشعب المصري.لقد أزيح الستار عن «الطابو» الذي نشأ في وعيه على مدى قرون: «السلطان»، «القصر»، «الرئيس»، «الباب العالي»، بكل ما يحيط به من هالة التقديس، وضاعت الرهبة التي تحيط به، وانكسر حاجز الخوف منه، كما انكسر من قبل عند الثوار الذين أزاحوه، فهو أيضا يستطيع أن يكون رئيسا، وما كان أمنية مستحيلة التحقيق أصبح واقعا ممكن التحقيق، ينتقل من الهامش إلى القلب، ومن النفي إلى الإثبات، ومن الإهمال إلى الرعاية، ومن النسيان إلى الذكر، ومن هشه بالعصا إذا ما حاول الاقتراب، إلى أن تحميه العصا إذا ما حاول أحد الاقتراب منه، تحول نفسيا من الذل إلى العظمة، أصبح آدميا كالآدميين، وبشرا مثل باقي البشر، فالرئاسة ليست حكرا على أحد، لا هي بالانقلاب العسكري، ولا هي بالتوريث العائلي، بل هي حق مكتسب للجميع. هو أيضا يستطيع أن يكون رئيسا، لقد تم الاعتراف به كمواطن صاحب حق وليس فقط عليه واجب، من حقه الاقتراب من الموكب الرئاسي، وليس فقط الابتعاد عنه وهشه منه كما تهش الطيور، ويهرب منه كما تهرب القطط من الطريق العام إذا ما أحست بخطر داهم يقترب منها، يدوسها تحت عجلاته. ليس المقصود الرئاسة بل التحول من العدم إلى الوجود، والوجود أعظم من الرئاسة. الوجود حياة، والرئاسة وظيفة، الوجود دائم، والرئاسة مؤقتة، الوجود لا أحد ينقلب عليه إلا بالاغتيال، والرئاسة يسهل الانقلاب عليها بمن هو أقوى منها.والبرامج المعلنة لمرشحي الرئاسة تعبر عن أماني كل مواطن وتحقيق ما حرم منه، يغلب عليها روح الدعابة، وهي روح مصرية أصيلة تتجلى في النكات على الرئيس وفي نكات الرئيس على نفسه، وما أكثرها، تعبر عن حالات نفسية أكثر مما تعبر عن برامج فعلية، منها منع أكل الفول لأن المرشح مل منه، وهو طعامه من الميلاد حتى الوفاة.ليس المقصود الرئاسة، بل التحرر الذاتي من دوائر الممنوعات والمحرمات، ابتداء من الشرطي في القسم مرورا بمدير الأمن ورجال المخابرات والمحافظ حتى الرئيس.. لم تعد الدولة دائرة مغلقة تطرده خارجها باستمرار، بل استطاع النفاذ إليها، إلى دهاليزها وأنفاقها وسراديبها، يسمع عن الفساد فيها، واختبر الرشاوي من موظفيها عندما يأتيها ليقضي بعض حاجاته أو للموافقة على تصريح لبناء كشك سجائر أو خضار وفاكهة. المقصود هو التعبير عن هموم المواطن والشكوى العملية من وضعه الاجتماعي عن طريق الاقتراب من السلطان طبقا للحديث الشريف: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، والتعبير عن الآمال أول خطوة في تحقيقها في ثقافة تعتمد على الأقوال، فالحديث عن الشيء يعنى تحقيقه. ينتقل المرشح للرئاسة من الحد الأدنى إلى الحد الأقصى، طبقا لقانون الفعل ورد الفعل، من اللاشيء إلى كل شيء، ومن النجوع إلى القصور، ومن الغريب إلى صاحب الدار.ويقف المرشحون للرئاسة في طابور طويل لتسلم أوراق الترشح، ولا غرابة في الطابور هذه المرة، فقد قضى حياته في طوابير الخبز والوقود، (البنزين أو السولار)، لسائقي سيارات الأجرة و»الميكروباصات»، وعلى أبواب الجمعيات الاستهلاكية لتسلم حقه في بطاقة التموين من السكر والزيت، أو في شراء اللحم المستورد المدعم.لقد صهر البؤس الجميع ووحد الأمل الكل، وتحققت المواطنة التي طالما دعا إليها المثقفون. وفي انتخابات سابقة، أيام النظام السابق ومن أجل الإيحاء بالتعددية السياسية وبأن منصب الرئيس ليس حكرا على أحد، كان المرشح يتسلم مع استمارة الترشح كيسا من النقود به مليون جنيه مساعدة من الدولة في مصاريف الانتخابات، فكان المرشح سعيدا بهذا المال الذي لم ير مثله في حياته، هذه المرة التقدم للترشح بالمجان، بل إن هناك سقفا لمصاريف الدعاية وضرورة الإعلان عن مصادر التمويل، وتجميع ثلاثين ألف مؤيد من خمس عشرة محافظة يتطلب منه الحركة، والتحول من السر إلى العلن، ومن الخفاء إلى الظهور، ومن الظلام إلى النور، يفكر المرشح في الحاضر لينسى الماضي ولا يهتم بالمستقبل. عن موقع «المصري اليوم»