مجتمع

حملة مجانية بالبيضاء لإزالة “الجْلالة”

استفاد منها سكان من بني مسكين تخليدا للذكرى الرابعة لإدخال طريقة عصرية لإزالة “المياه البيضاء”

الثالثة من صباح الخميس الماضي. الدكتور محمد الشهبي، مؤسس «عيادة العين»، التي احتضنت المستفيدين والمستفيدات من حملة طبية لإزالة «الجْلالة» (أو ما يعرف بالمياه البيضاء لدى أطباء العيون)، والأطر التمريضية والتقنية المشتغلة معه في حركة دؤوبة بلا كلل أو ملل. أمام بناية العيادة، الواقعة في أحد الأزقة المتفرعة عن شارع أنوال الأنيق في قلب العاصمة الاقتصادية، تتوقف حافلة لنقل المسافرين في هذا الصباح الباكر والبارد. يفتح بابها فيتدفق منه عشرات الركاب رجالا ونساء. جلابيب نسائية ورجالية بألوان قوس قزح تغلف أجسادا نال منها الوهن والهرم وكبر السن.

إزالة الغشاوة
يتقدم الخمسون شيخا وعجوزا ببطء نحو مدخل العيادة. ينتشرون على مقاعد قاعة الاستقبال. مرافقوهم ينتظرون. الشهبي ورفاقه يواصلون الاستعدادات على قدم وساق لبدء يوم عمل استثنائي بامتياز. «لقد برمجنا انطلاق العملية في الرابعة صباحا حتى نتمكن من إجراء الفحوصات والكشوفات اللازمة قبل الشروع في عمليات إزالة المياه البيضاء للمستفيدين»، يقول الدكتور الشهبي في حديث مع «الصباح»، متحدثا عن الحملة التي يُنظمها بشراكة مع جمعيات مجتمع مدني من منطقة بني مسكين، ضواحي مدينة سطات، تخليدا للذكرى الرابعة لإدخال تقنية العلاج المسماة (FEMTOLASIK)، وهي إحدى أحدث الطرق الطبية في تصحيح النظر وإزالة المياه البيضاء بطريقة الذبذبات ما فوق الصوتية (Phaco-emulsification).
ويؤكد الدكتور الشهبي أن من ميزات هذه التقنية السرعة والفعالية، إذ لا تستغرق أكثر من بضع دقائق ولا تحتاج إلى جراحة أو غرز، كما تتم عن طريق تخدير موضعي محدود يقتصر على قطرة من المادة المخدرة في مكان إزالة «الجْلالة»، كما لا تحتاج إلى متابعة شخصية من الطبيب المعالج، بعد إجراء العملية، «ولهذا فهي الأنسب لهؤلاء الأشخاص الذين يقطنون في مناطق نائية جدا» يوضح الدكتور الشهبي.
«لقد عانيت طيلة سنتين بسبب الجْلالة، كما أن إمكانياتي المادية لم تكن تسمح بالتوجه إلى عيادة خاصة لإجراء هذه العملية»، تقول زهرة الشلحاوي، وهي امرأة بلغت من العمر عتيا، بعد أن مرت بضع لحظات على مغادرتها قاعة العمليات وهي تضع ضمادة على عينها اليمنى. «الحمد لله أن هذه المبادرة جنبتني عناء المماطلة بمستشفى الحسن الثاني بسطات»، تضيف زهرة، بإحساس يطبعه الارتياح لعملية «مرت في جو حسن وتكللت بالنجاح» كما تقول، في تصريح ل «الصباح».
هذه الحملة الخيرية التي أشرف عليها الدكتور الشهبي بإمكانياته الخاصة، وبتعاون مع جمعيات من منطقة بني مسكين مثل «جمعية بني مسكين للتنمية البشرية» و«جمعية الخنانسة للتنمية القروية»، تعد واحدة فقط من ضمن أربع حملات على مدار السنة يشرف عليها الدكتور الشهبي والطاقم الطبي العامل، إذ صرح ل «الصباح» أنه وفريقه الطبي سيشدون الرحال إلى مدينة صفرو، في شهر أبريل المقبل، لإجراء عمليات إزالة المياه البيضاء لمئات المستفيدين من الأسر المعوزة، وتليها حملة أخرى بمنطقة الرحامنة في شهر ماي المقبل، والتي ستزيل غشاوة عيون 600 مستفيد ومستفيدة.
ولم يقتصر يوم الحملة الطبية على إجراء الفحوصات والكشوفات، بل شمل كذلك إطلاق حملة تحسيسية في صفوف المستفيدين «لجعلهم يستوعبون أن الفكرة الشائعة والتي تقول إن الجْلالة خاصها تبقى حتى تطيب (أي تجف) خاطئة ويجب الاحتياط منها»، يقول الدكتور الشهبي وذلك بأمل «أن ينقل هؤلاء هذه المعطيات إلى أفراد عائلاتهم وأقاربهم ومعارفهم للحد من انتشار مفاهيم مغلوطة حول مرض المياه البيضاء»، مشيرا إلى أن وصول المياه البيضاء إلى درجة الجفاف يتطلب استعمال طاقة أكبر لإزالتها مما يعرض قرنية العين لخطر التلف.

صعوبات ومشاكل  
ولم تنطلق عمليات إزالة المياه البيضاء إلا بعد أن تم فرز الحالات التي لا يعاني أصحابها من ضغط دموي مرتفع والأشخاص غير المصابين بداء السكري، إذ لا يمكن إجراء عملية على العين لمريض يعاني ضغطا دمويا مرتفعا أو يعاني السكري، كما يوضح أحد الأطر من الفريق الطبي للدكتور الشهبي. والتقينا خلال جولتنا بأناس كبار في السن استغربوا «حرمانهم من الاستفادة من عملية إزالة الجْلالة»، لكن مبارك المصطفى من جمعية بني مسكين للتنمية البشرية أوضح، في تصريح ل»الصباح»، أن الأمر «ليس فيه حرمان أو إقصاء لأي شخص، وإنما هو مجرد إجراءات احترازية خشية حدوث تبعات صحية في حالة إجراء عملية لمصاب ضغطه الدموي مرتفع»، ووعد بأن الذين لم يستفيدوا خلال هذه الحملة ستتم مرافقتهم إلى حين استقرار ضغطهم الدموي، وذلك بتقديم أدوية مساعدة على ذلك.
وكما لو أن طريق فعل الخير والبر والإحسان ليست دوما مفروشة بالورود، يبدو أن الجهود التي يبذلها الدكتور محمد الشهبي، الذي اعتاد تنظيم قوافل وحملات طبية مجانية بأرض الوطن وخارجه (السنغال، غامبيا، موريتانيا)، تواجه مجموعة من الصعوبات على رأسها الأعداد الكبيرة للمصابين بمرض المياه البيضاء في المغرب، والتي أكد أنها تصل إلى نصف مليون حالة معلنة، «فقط ما بين 45 و 50 ألف حالة منها تستفيد من الكشف والتطبيب، أما الباقي فإنهم يلجؤون إلى طرق تقليدية أو غير مرخصة، وهو ما يعرض الكثير منهم لمخاطر قد تصل إلى العمى». ودعا وزارة الصحة وباقي القطاعات المتدخلة إلى وضع برنامج على الصعيد الوطني للتصدي لمرض المياه البيضاء، وإحداث هيأة وطنية تكون مهمتها مراقبة إجراء مثل هذه العمليات، محذرا في السياق ذاته من خطورة العمليات التي تُجرى بشكل غير قانوني.
وليس الدكتور الشهبي وفريقه الطبي وحدهم من يعانون من غياب الدعم والمواكبة من لدن المؤسسات العمومية، بل حتى أصحاب الجمعيات التي تولت تنظيم عمليات الفرز والكشف الأولي على المستفيدين بمنطقة البروج وبني مسكين تتحرك بإمكانياتها الخاصة، إذ قال مبارك المصطفى من «جمعية بني مسكين للتنمية البشرية» إن الدعم المخصص لجمعيات المجتمع المدني، سواء من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية او الدعم الذي تقدمه السلطات المحلية، «لا نتلقى منه فلسا واحدا، رغم أننا كل عام نتقدم بملف ترشيحنا للحصول على الدعم».
عقارب الساعة كانت جاوزت الساعة الحادية عشرة من صباح الخميس الماضي بعدة دقائق، قاعة الاستقبال بعيادة الدكتور الشهبي بدأت تخلو من المرضى الذين قدموا من بني مسكين، والذين أفسحوا المجال للعشرات من زبناء الشهبي الذين يقتعدون كراسي قاعة الانتظار إلى أن يحين دورهم للكشف والفحص وإجراء العمليات… أما خارج العيادة فإن الحافلة التي أقلت المستفيدين والمستفيدات من الحملة الطبية المجانية بدأت تمتلئ مقاعدها لشد الرحال صوب بني مسكين والبروج بعد أن تخلص الكثير من ركابها من المياه البيضاء التي كانت تغشى أبصارهم…

محمد أرحمني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق