ملف الصباح

أثرياء “السوايع” الإضافية: حميـد… “قطـار” الدعـم السريـع

مثل قطار كهربائي لا يتوقف عن الحركة، تجده طيلة السنة منشغلا ب”إحصائيات” غريبة، وأسماء تلاميذ وآبائهم، وعناوين مدارس ومنازل، وأرقام هواتف محمولة.

حميد أستاذ خبر “نعيم” الدروس الخصوصية وتذوق “حلاوتها”، ومنذ سنوات نجح في ربط علاقات جعلته أحد أشهر الأساتذة في مجال تخصصه، فهي في نظره وسيلة تضمن له مستقبلا زاهرا، وتقيه شر العوادي، كما يردد أمام أصدقائه.

الأستاذ في منتصف عقده الرابع… يفكر كثيرا ويتحدث عن إنجازاته، فيكفي أن تلاميذ تلقوا دروسا “خصوصية” على يديه أصبحوا الآن مسؤولين في مؤسسات مشهورة، حسب قوله، فهو ضامن مستقبل التلاميذ المقبلين على الامتحانات، ومعينهم في تجاوز مخاطرها، ومساعدهم في الفوز بالشهادة الدراسية بكل راحة بال.

لا يجلس في المقهى، مثل باقي زملائه الأساتذة المدمنين على الكلمات المسهمة بالجرائد، ولا يدخن، فقد وهب حياته كلها للدروس الخصوصية لأنها الوحيدة التي تبدد مخاوفه الشديدة من المستقبل، ويحكي زميل له، أن أحرج فترات حميد تتمثل في نهاية الموسم الدراسي، حين تنتابه حالات رعب مجهولة، فيبدأ في اتصالاته لضمان استفادة عشرات التلاميذ من دروسه، مما يعني تحقيق مبالغ تغنيه عما يتلقاه طيلة الموسم في المدرسة العمومية.

يكشف القريب نفسه، أن إغراء الدروس الخصوصية دفع حميد، يوما، إلى التفكير في تقديم استقالته من العمل، لأنها توفر له مبالغ مالية تفوق بكثير كل التوقعات، قبل أن يتراجع عن قراره وهو يردد أمام أصدقائه حكمته:”زيادة الخير خير”، ثم قرر تنظيم يومياته حتى يستطيع أن يزاوج بين التدريس بالمؤسسة العمومية، ومنح الدروس الخصوصية.
ازدادت مسؤوليات حميد مع مرور الوقت، خصوصا أن شعوره بالخوف من المستقبل جعله يتخصص في منح الدروس الخصوصية، فوجد الحل النهائي، في كراء مدرسة خاصة بشراكة مع بعض زملائه وتخصيصها ليلا للباحثين عن الاستفادة من خبرته.

تحكي قصة حميد الكثير من الإصرار، وملامح وجهه تخفي سعيا للحصول على المال، حتى بدا مثل طفل شاخ قبل الوقت، حين علت وجهه التجاعيد، وأصبح لا يرى في مهنة التدريس إلا فرصة نادرة لجمع المال وتحقيق كل أحلامه.
لا تجد حميد إلا مقطب الحاجبين، فقلما يبتسم، وتشعر أن ذاكرته خصصها لجمع المال، فنادرا ما يتحدث أو ينسج علاقات صداقة مع زملائه، بل تجده تائها يُفكر أو يحلم بالثروة، ولو على حساب التلاميذ البسطاء.

برنامج حميد بسيط جدا، لكنه غني جدا بالمواعد، فبعد انتهائه من التدريس بالمدرسة العمومية يجد أبا في انتظاره من أجل منح درس خصوصي لولده، ومن هناك يشد الرحال إلى منزل آخر بمقابل مالي، قبل أن يلتحق بالمدرسة الخاصة، حيث يجد في انتظاره تلاميذ آخرين يبحثون عن الاستفادة من “علمه” وحنكته في التخصص في الامتحانات.
في نهاية كل سنة يصبح حميد قطارا لا يتوقف، ولا يعرف السكينة وراحة البال، ففي هذه الفترة يكثر الطلب عليه، فيزدحم برنامجه اليومي، وأحيانا لا يلج إلى منزله إلا بعد أن تتجاوز عقارب الساعة منتصف الليل، ولا يرتاح إلا في العطلة المدرسية، حيث يختار الراحة في إسبانيا والاستمتاع بالأجواء هناك على حساب أموال التلاميذ.

خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق