fbpx
حوادث

“ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!…”

صناع القرار أصابهم الوهن وليست لهم الشجاعة للإصلاح الشامل لمنظومة العدالة

(الحلقة الأولى)

بقلم: عبد السلام البوريني *

أود في البداية، أن أبين الهدف الأسمى من إصلاح مشروع التوثيق العدلي ‪”16‪.03‪” المراد إصلاحه إصلاحا شاملا وعميقا، بل إصلاحا جذريا وشاملا وعميقا، غايتنا المثلى هي تحقيق وتوفير الضمان الأكيد للأمن التعاقدي، وتعزيز الحماية القانونية للمواطنين، وردع المفسدين، وهذا لا يتم إلا “باعتماد مقاربة شمولية تروم توحيد التوثيق بشقيه وإصدار مدونة له”. ولتوحيده من طنجة إلى الكويرة، إسوة بتوحيد المذهب المالكي وتحت مظلة إمارة المؤمنين، وسيادة الدولة العلوية الشريفة التي اعتنت بالتوثيق العدلي عناية كبيرة منذ تأسيسها إلى الآن وأصدرت بشأنه عدة ظهائر شريفة منذ سنة 1914 مع إصدار مدونة للسلوك والأخلاقيات المهنية.

سيكون المشرع المغربي قد خطا خطوات عملاقة أراح بها البلاد والعباد، بدلا من القبضة الحديدية والتمسك بازدواجية المعايير، وتكريس التعددية السخيفة التي ابتلي بها التوثيق في المغرب، ولو تخلى المشرع المغربي عما سلف ذكره لأعطى ضمانات جد قيمة لنظام التعاقد بالمغرب، وحتى القضاء سيتم تخليقه تلقائيا إذا صدقت النيات الحسنة في تطبيق الإرادة السياسية الطموحة لصاحب الجلالة، وبذلك تحسم الخلافات، بفرض الدولة سلطتها وفرض الأمر الواقع والخروج من سياسة المحاباة ومحاولة إرضاء الموثقين العصريين على حساب الموثقين العدول، وهكذا وكما هو واقع الحال. ولقد أنصف التاريخ وصدح بكلمة الحق الأستاذ الفاضل محمد أبو الحسين في الحلقة التي أعدتها قناة ميدي 1 تيفي في برنامج 45 دقيقة في بحر شهر يونيو 2016 في موضوع ضحايا التوثيق العصري.
حيث قال ما معناه… تبقى المسؤولية على عاتق الدولة، لأن الدولة إذا كانت تنزل إلى مستوى التوافق بإرضاء هذا، وإرضاء الآخر دائما يكون تشريعها مشوبا بكثرة العيوب. وإذا تفطن المشرع لهذه العيوب وفرض الأمر الواقع واعتمد تشريعا واقعيا مجردا عن الأهواء وإرضاء البعض ودحر البعض الآخر، فإن جميع العقبات ستذلل وتزول العراقيل، ويصبح التوثيق بالمغرب توثيقا رسميا وحيدا موحدا رائدا، خاليا من نماذج لا تستحق الذكر وهي معطوفة على التوثيق.
وإذا لم يعمل صناع القرار على توحيد التوثيق وفرض الأمر الواقع لإصلاح قطاع من أهم القطاعات الذهبية والحيوية خاصة الوعاء العقاري الذي يعتبر أغنى وعاء على الإطلاق في هذا البلد الأمين الذي يزخر بخيراته الفياضة، والذي له مستقبل واعد في ميدان الاستثمار والتنمية، فإن الانتكاسة ستظل سيدة الموقف، وستبقى أنواع شتى من أنواع التوثيق تزاحم الرسمية في التصرفات العقارية وغيرها. وقد بسطنا في معرض مطالب الهيأة الوطنية للعدول سنة 2010 وجهة نظرنا في الإدماج والتوحيد، وطرحنا فتح المجال لكل العاملين في ميدان التوثيق حاليا بعد التفكير في إيجاد آليات توضع كخارطة الطريق، ولكن يبدو أن هذه الفكرة، لم تأخذ حقها في التفكير والدراسة. وإذا كان صناع القرار أصابهم الوهن، وليست لهم الشجاعة والجرأة للإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، ومنها المهن القانونية والقضائية، فعليهم أن ينصفوا ممتهني التوثيق العدلي، بإصدار مدونة للتوثيق العدلي، تعطى له جميع الحقوق والواجبات والاختصاصات والامتيازات لا فرق بين الموثق العدلي والعصري، ودون تمييز بينهما.
والتوحيد مطلب وطني وضرورة حتمية أملتها حتمية المغربة والمواطنة والهوية الوطنية والحضارة المغربية التي امتازت بخصوصية فريدة من نوعها لذا وجب تفعيل فكرة التوحيد.
لكن بعد عرض المطالب الأساسية العالقة من “مشروع التوثيق العدلي” التي تعتبر خطوطا حمراء لا يمكن التنازل عنها إطلاقا، لكونها أصبحت حقوقا مكتسبة، كالتسمية التوثيق العدلي “يعني الإشهاد والكتابة”. وخطاب القاضي الذي عليه أن يرحل لأنه لا أصل له، لا فقها ولا قانونا إنما أصله اجتهاد وزمانه قد ولى، وإذا بقي هذا فإننا قد استبعدنا الاستقلالية والتحديث والتغيير التي دعا إليها صاحب الجلالة، وكرسنا بدلها الوصاية الاستعمارية، وعاودنا الحنين الى عصور القهر والاستبداد، فأين التغيير والتحديث والإصلاح الشامل والعميق والاستقلالية؟
والسؤال المطروح حاليا هو لماذا تراجع وزير العدل والحريات السابق مصطفى الرميد عن مبدأ التوحيد الذي اقتنع به وبصلاحيته بالمنتدى العربي للتوثيق بمراكش، حيث تبناه، وأشاد به ونوه به في كلمته التي ألقاها أمام المؤتمرين، نهاية أشغال المنتدى، وقرأ التوصيات بنفسه وأخيرا انقلب على عقبيه.
فأي منطق نسمح لهذه ونمنع تلك ونترك الموثقة العصرية حرة لها كل الثقة وتتلقى الصفقات الكبرى منفردة، حلال عليها. ويبقى الموثق العدلي والموثقة العدلية يتلقيان معا، ولا ثقة فيهما ويبقى العقد غير رسمي حتى يخاطب عليه القاضي وهذا حرام عليهما. وإلا كان حراما عليهما كما هو مقترح حاليا، وقد يقول قائل إن الشريعة الإسلامية التي رسخت هذه الحقيقة، فنقول: أجل لقد رسخت الشريعة الإسلامية التلقي الفردي مع شاهدين، ولكن هذه القاعدة ليست كلية ولا قطعية الدلالة، فهناك فرق بين الشاهد والكاتب بالعدل، وبين الكاتب بالعدل الذي يحتاج إلى شاهدين، كما أنه ليس من العقيدة في شيء، فالأصول هي التي لا يمكن الاجتهاد فيها أما الفروع فلنا أن نجتهد تبعا لقواعد الإمام الشاطبي في موافقاته ومقاصده.
وقد حصل هذا فعلا، في مدونة الأسرة لما ألغي الولي الذي تعززه عدة نصوص قطعية. وكذا في نازلة التعدد فالأصل هو التعدد عملا بقول الحق سبحانه وتعالى “يا أيها الذين آمنوا انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع”، وأما القاعدة الاستثنائية فهي قوله تعالى: “وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة…”.
*رئيس الهيأة الوطنية للعدول سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى