fbpx
خاص

شبح الجفاف يسكن درعة تافيلالت

ندرة المياه تدفع السكان إلى تخزينها ما يؤدي إلى انتشار الأمراض
تعيش جهة درعة تافيلالت، في السنوات الأخيرة، أزمة مائية خطيرة، تهدد الأمن الاجتماعي بالمنطقة، ويطالب السكان الجهات المعنية بتوفير حلول فورية للمشكل الذي عمر طويلا، سيما أن الجهة تعاني ندرة الموارد المائية الجوفية والسطحية. النقص المهول في الماء الشروب، دفع وكالة الحوض المائية في الجهة الجديدة إلى تشييد السدود لتغطية الخصاص الحاصل، غير أن قلة التساقطات والتوحل
وارتفاع التبخر، تدفع نحو البحث عن حلول بديلة.

تعيش عشرات الدواوير في تنغير شحا في الماء الشروب، بعد تراجع منسوب المياه السطحية والجوفية بسبب قلة التساقطات المطرية في السنوات الأخيرة، وتسبب الحفر العشوائي للآبار من قبل شركات سورية بأثمنة زهيدة، في استنزاف الموارد المائية.
“ألنيف وحصية وتغزوت نايت عطا وملعب”، جماعات تعاني خصاصا مائيا مهولا، تضطر معه إلى توزيع الماء الشروب عبر شاحنات صهريجية على السكان, فيما تضطر جماعات أخرى إلى توفير الخدمة ذاتها لمدة وجيزة خلال الليل، أو في فترات متقطعة من النهار، قد تصل إلى ساعة فقط في اليوم.

تنغير… الخطر قادم

خالد أولعبدو، من سكان قصر عمار بألنيف، قال إن الدوار مزود بعدادات المياه لكن الصنابير فارغة، ويلجؤون إلى دواوير مجاورة لجلب المياه أو الاعتماد على الصهاريج في حال جفاف الآبار، في ظل غياب سد يغطي الخصاص، موضحا أن السكان يشترون المياه يوميا بعدما تحملوا تكاليف الربط بشبكتها.
دواوير “تكلكولت” و”تانوت ن امردول” و”أيت الحبيب”، التابعة لجماعة ألنيف، تطالب منذ 2003 بتزويد السكان بالماء الصالح للشرب، إذ يستهلكون مياه السقايات غير المراقبة صحيا، والتي لا تكفي لتلبية الحاجيات. وفي ظل عدم تدخل مكتب الماء الصالح للشرب، تشرف بعض الجمعيات على تدبير استهلاك المياه في العديد من الدواوير، مثل واحة أيت سدرات في بومالن دادس، ومنطقة تعدادات وأوسيكيس بجماعة أمسمرير.
عبد الله محاش، رئيس جمعية أمسسا للتنمية الشاملة أمسمرير، أكد أن الصهريج الذي تشرف عليه الجماعة لا يكفي لتلبية احتياجات السكان، بالإضافة إلى ضعف الصبيب وتدهور القنوات الموزعة، ثم إن عدم وجود نظام مراقبة جودة الماء الشروب وغياب مطارح الأزبال يهددان صحة السكان.
جمال، أحد سكان تنغير، أفاد أن مكتب الماء الصالح للشرب يتوفر في الإقليم على تقنيين فقط يتكلفون باستخلاص الفواتير.
دوار واكليم، الذي يبعد عن المركز بثلاثة كيلومترات، لا يعاني نقص المياه، وإنما يشكو من التلوث، فقد حفر السكان أربع آبار لحد الآن، لكن الماء مليء بمادة الحديد، ما يستدعي تسخينه.
أغلب السدود القديمة في المنطقة لم تعد صالحة، إذ تملؤها الأوحال مما يمنع تحويل المياه، ذلك أن العديد منها أصيب بالانهيار (سد أيت إيحي نعدوان)، والبعض الآخر لم يعد ارتفاعه يكفي لتحويل المياه نتيجة ارتفاع مستوى الحقول بسبب الترسبات الوحلية (سد أيت إيعلا)، كما أن بعضها في وضعية صعبة ومهدد بالسقوط (سد إعدوان).

ورزازات… الماء “الخانز”

إدريس، أستاذ جامعي في الكلية متعددة التخصصات، يقول إن “أثرياء سكان المدينة يضطرون إلى اقتناء قنينات الماء المعدني بسبب الرائحة الكريهة للمياه، فيما تلجأ الفئات الفقيرة إلى مياه الصهاريج التي تباع بدرهمين مقابل 5 لترات أمام المساجد، كما هو عليه الحال قرب مسجد مسعودة الوزكيطية. والغريب أن الفواتير دائما ما تأتي مرتفعة”.
يصل حجم حاجيات الإقليم من الماء إلى 5 ملايين متر مكعب سنويا، وتعاني الموارد المائية في المنطقة من التبخر، الذي يصل إلى حوالي سبعة مليمترات يوميا، أي ما يعادل 100 مليون متر مكعب في السنة.
دقت العديد من الجمعيات ناقوس الخطر في مجال تدبير المياه وتحسين جودتها في بعض الدواوير، مثل قبائل أمدري و تمنيت وأولاد يعكوب وأولاد معكل بجماعة سكورة، التي عرفت نضوب العيون والسواقي والقضاء على الخطارات بشكل كلي.
وسجلت دواوير أخرى كقبائل امزاورو ولحسون و تجنات ارتفاع نسبة الملوحة وتدني جودة المياه، في حين أصبحت مياه مناطق الزوية و اولاد عميرة و الشيبر غير صالحة للشرب بسبب ارتفاع الملوحة.
ونتج عن اشتداد الملوحة موت الأشجار ونفوق المواشي وانتشار مرض التدرق بين السكان، خصوصا بدواوير اولاد اعميرة، الأمر الذي اشتكى منه ممثلو المستوصف المحلي بسكورة عبر العديد من المراسلات للجهات المركزية.
وتعاني جماعة سكورة غياب شبكة التطهير السائل بعموم المنطقة، إذ تواجه جودة المياه السطحية والباطنية تدهورا ملحوظا، تتمثل أهم مسبباته في التخلص العشوائي من مياه الصرف الصحي لأكثر من 30 ألف نسمة دون تنقية، ما أدى إلى تلوث الواحات وبعض الآبار.

العطش يهدد زاكورة

تعاني المنطقة من أزمة مائية استفحلت في السنوات الأخيرة، خاصة في صيف السنة الماضية، إذ لا تتعدى التساقطات 10 مليمترات في السنة، ويتبخر حوالي 90 في المائة من المخزون المائي، ما أدى إلى الانقطاع التام للماء في المنازل سواء الحواضر أو القرى، إذ أن العديد من الأطفال لا يغتسلون إلا بعد شهر، ويقوم السكان بشراء قنينة من حجم 5 لترات بدرهم، في ظل انعدام أبسط الشروط الصحية.
ومن المناطق التي تعرف ندرة حادة في المياه، المحاميد وتكنيت وكتاوة، تمدروت والنقوب وأيت أوزين وتغبالت.
مصطفى أدها، من سكان دوار تزارين بزاكورة، قال إن الماء يكون بالفترات حيث لا يتجاوز مدة ثلاث ساعات في اليوم، وبعض المناطق مثل “تكنيت” و”محاميد الغزلان” ينقطع عنهم الماء مدة شهر كامل، ويقومون بتخزين المياه ما يؤدي إلى انتشار الأمراض.
ساهمت قلة المياه السطحية في سد المنصور الذهبي، وارتفاع نسبة التبخر في الصيف، ونسبة التوحل التي تصل إلى 20 في المائة ، في تعميق الأزمة، المعطى الذي أكده جمال أقشباب، رئيس جمعية أصدقاء البيئة بزاكورة، بقوله إن “جوهر المشكل هو غياب التخطيط الاستراتيجي في تدبير ندرة الماء، إذ لا يقوم المكتب الوطني للماء الصالح للشرب بأي دور في توفير المادة الحيوية مقابل الفاتورة المرتفعة”.
وأضاف أقشباب أنه لا توجد دراسات لمعرفة المناطق التي يوجد فيها الماء، مشيرا إلى العشوائية في حفر الآبار، والتي تقدر بـ 20000، وأوضح أن الحل الوحيد هو التضامن المائي، وذلك بإحضار المياه من مناطق أخرى.
وأشار الفاعل الجمعوي إلى أن البطيخ الأحمر زراعة دخيلة على الواحات، تسيطر عليها لوبيات فلاحية ، بدأت بـ 1000 هكتار في 2008، لكن سرعان ما وصلت إلى 10000 هكتار.
من جهته، أوضح إسماعيل، أحد سكان زاكورة، أنه يجب تقنين الزراعة والتنسيق بين الوزارات، إضافة إلى تسريع المشاريع المبرمجة، حيث لا توجد المعلومة من قبل المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، الذي يتوفر على تقنيين مهمتهم إصلاح القنوات واستخلاص الفواتير لأن الإدارة الجهوية توجد في ورزازات.
أغلب مناطق زاكورة باستثناء أكدز القريبة من سد المنصور الذهبي، مثل “تكنيت” و”الكتاوة” لا يصلها الماء لأكثر من أربعة أشهر، كما أنه غير صالح للشرب في “النقوب” بسبب ارتفاع الملوحة التي تصل إلى 10 غرامات في اللتر، بل إن بعض المؤسسات العمومية تلجأ إلى الصهاريج لتفادي انقطاع المياه المتكرر، خاصة مؤسسات رعاية مرضى القصور الكلوي.
في 1978، كان التنقيب على الماء بمنطقة الفايجة آخر ما يشغل بال الفلاحين، الأمر لا يكلف سوى حفر ثمانية أمتار على أكثر تقدير، حينئذ كان عدد الآبار بكل تلك المنطقة كلها 34 بئرا فقط.
في 2006 تراجع مستوى المياه الجوفية بمنطقة الفايجة من 8 أمتار إلى 24 مترا، ليصل في 2013 إلى 43 مترا، وبلغ عدد الآبار أزيد من 1130 بئرا. إضافة إلى جفاف أزيد من 540 بئرا بكل من عبدي وأم الرمان وتامساهلت وتيوريرين وملال وأيت مسعود والنقوب…، وفي 2017 وصلت المياه إلى 600 متر تحت الأرض.
بقاس صالح، أستاذ بزاكورة، استغرب من قيام المكتب الوطني للماء بحفر 48 مترا فقط، في حين يحفر فلاح بسيط 200 متر لإيجاد المياه، مؤكدا على وجود آبار غير مراقبة تابعة للمكتب.

السدود.. صمام الأمان
سيعرف حوض درعة عجزا بحجم 77,3 مليون مترا مكعبا سنة 2020، أي بتلبية حاجيات بنسبة 88 في المائة، فيما سيعرف حوض زيز عجزا بحجم 49,3 مليون مترا مكعبا سنة 2020 (90 في المائة من الحاجيات مقابل 82 في المائة بالنسبة لفكيك).
تعتبر وكالة الحوض المائي لكير زيز غريس، أن إنجاز سدود إضافية بالمنطقة بحقينة مليار و400 مليون مكعب، إلى جانب سد الحسن الداخل، سيمكن من تعبئة موارد مائية سطحية مهمة، مشيرة إلى أن من بين السدود التي تم الاتفاق على إنجازها في إطار المخطط المديري للتهيئة المندمجة للموارد المائية، الذي أنجزته الوكالة بتعاون مع الجهات المختصة، “سد تامتاتوشت” على وادي تودغى، الذي سيمكن من المحافظة وحماية الواحات من مشكل الفيضانات، و”سد تاديغوست” على وادي غريس، الذي سيرفع من مستوى كمية الموارد المائية على مستوى هذا الحوض، والتي كانت لا تستغل بسبب ضياعها في الصحراء، إلى جانب سدود صغرى مثل ”سد افني” بتنجداد، و“سد تاغوشت “.
ولتقنين استعمال الموارد المائية والحفاظ عليها وخاصة الجوفية منها، تم إعداد مشروع عقدة الفرشة المائية ببوذنيب، الذي يتوخى وضع سياسة تتمحور حول اقتصاد وترشيد استعمال الماء، والمحافظة على المياه الجوفية وتعبئة الموارد المائية السطحية.
وخصص قانون مالية 2017، مبلغ 410 ملايين درهم لبناء سدود “قدوسة” و”تيميكيت” و”تودغى” و”أكدز”، وإصلاح السدود وبناء 3 سدود صغرى.

باعلي: “الفصة” أخطر من “الدلاح”

قال باعلي الصغير، رئيس جمعية الماء والطاقة للجميع، إنه لا توجد سياسة خاصة للتزود بالماء الصالح للشرب في جهة درعة تافيلات، بقدر ما توجد تلبية عفوية للحاجيات فقط.
وأوضح الصغير في تصريح لـ “الصباح”، أن زراعة البطيخ الأحمر في زاكورة تصل إلى 5 آلاف هكتار، تتطلب ما بين 4000 إلى 5000 متر مكعب للهكتار الواحد، وهو أقل استهلاكا للماء مقارنة مع مزروعات أخرى بالمنطقة ك”الفصة” مثلا، التي تستهلك 20 ألف متر مكعب للهكتار الواحد أي أربعة أضعاف ما يستهلكه هكتار واحد من الدلاح، لكن الموضوع مرتبط أكثر بتدبير المياه واختيار الزراعة في المنطقة. وبخصوص السياسات المائية المعتمدة في المغرب، أكد رئيس جمعية الماء والطاقة للجميع، أن الإعانات التي تقدم في المجال الفلاحي لا تعطى وفق الخصوصية المجالية، وإنما تعتمد التوزيع نفسه، بل يجب أن تكون الزراعات ملائمة للمجال وتأخذ بعين الاعتبار الموارد المائية.
وأضاف أن تعدد المتدخلين أمر سلبي في حال غياب التنسيق، إذ يجب التنسيق وفق برنامج يحدد حاجيات كل قطاع، وتفعيل وكالات الأحواض المائية من الناحية القانونية والمؤسساتية، وكذلك تنظيم زراعة البطيخ الأحمر في زاكورة من أجل الحفاظ على الموارد المائية.
وحول نجاعة السدود في المنطقة بعد التغيرات المناخية الأخيرة، أشار الصغير إلى أنه لولا هذه السدود لكانت الأزمة المائية أكثر حدة، بسبب الظروف المناخية التي تنذر إما بالجفاف أو الفيضانات، فمثلا سد تيويين الذي يتوفر على طاقة استيعابية تقدر بـ 270 مليون متر مكعب، سيمكن سنويا من 30 مليون متر مكعب صالحة للشرب، ومع التغيرات سيحمي المغرب من الفيضانات.
وأبرز المتحدث أنه يجب عقلنة استهلاك المياه في الفنادق، وتوفير محطات المعالجة في العديد من المناطق الصناعية والتكتلات السكنية لتفادي تلويث المياه الجوفية، إضافة إلى تحلية مياه البحر بالنسبة إلى المدن الساحلية وتشجيع سياسة السدود في المدن الجنوبية، ثم إن التضامن بين الجهات أمر لا مفر منه، وضرورة التوعية في المدارس والمساجد، وكذلك التفعيل الإداري للأحواض المائية تحت إشراف رئيس الحكومة مع إحداث خلايا للتتبع.
إعداد: مصطفى شاكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى