fbpx
ملف الصباح

بنكيران يفقد ذراعه الاجتماعي

هل أُرغم العدالة والتنمية على التخلي عن القطاعات الاجتماعية الأساسية أم ابتعد عنها حفاظا على صورته في فضاءات الاحتجاج العام؟

انتهت، الثلاثاء الماضي، مرحلة التشويق في تشكيل، أو تنصيب، أو تعيين (لا فرق) أول حكومة، ذات اختصاصات واسعة، في ظل الدستور الجديد المستفتى حوله في فاتح يوليوز الماضي. وأعلن القصر عن موافقته، بعد جدل كبير حول الأسماء والحقائب والهيكلة امتد أكثر من 34 يوما، على أعضاء الفريق الوزاري الذي سيقود التجربة  الحكومية، الثلاثين في تاريخ المغرب، برئاسة عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الذي حصد أغلبية أصوات الانتخابات التشريعية لـ25 نونبر الماضي، حملته إلى الرتبة الأولى بمجلس النواب بـ107 مقاعد.
تكليف ثقيل بالنسبة إلى إخوان عبد الإله بنكيران، لكن إنجازه ليس مستحيلا، إذا اهتدوا إلى طريقة لاستثمار الظرفية السياسية العامة، وطنيا وجهويا، التي وافق الحزب الإسلامي المعتدل، خلالها، على تقلد زمام الأمور في بلد عرف كيف يشكل حوله هالة من الاستثناء وسط قاعدة “الرحيل” و”الهروب” و”التنحي” و”القتل الفظيع” لأنظمة عربية لم “تفهم” شعوبها كما ينبغي.
قبل الإعلان الرسمي عن التشكيلة النهائية، شهدت الأيام الماضية مخاضا عسيرا من المفاوضات وشدا وجذبا، وصلت أصداؤه إلى الصحافة والمواقع الإلكترونية التي زادت الكثير من الفحم تحت “كانون” مشروع الحكومة الجديدة، وأساسا حول الأسماء المرشحة للاستوزار التي حظيت بالحيز الأوفر من المفاوضات بين الأمناء العامين لأحزاب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية.
هذا المنحى غير المتوقع من المفاوضات، الذي زادها دخول مستشاري الملك على الخط سخونة، وضع، عمليا، مشروع الهيكلة القطاعية وحصة كل حزب منها في مأزق حقيقي ظهر جليا يوم الثلاثاء الماضي، حين فوجئ الرأي العام الوطني بإسناد حقائب إلى وزراء التحقوا في اللحظة الأخيرة، أو تغيرت وجهة قطاعات بعينها من حزب إلى آخر، سيما بالنسبة إلى القطاعات الاجتماعية التي “ألصقت” جميعها بحزب التقدم والاشتراكية، ما يلقي سحابة من الغموض على ترتيبات آخر لحظة التي أفضت إلى هروب أو ابتعاد أو تخلي الحزب الأغلبي عن قطاعات حساسة قطع فيها وعودا صريحة مع ناخبيه الذين صوتوا له ومنحوه ثــــــــــــقتهم.
منذ تعيين عبد الإله بنكيران بالإقامة الملكية بميدلت يوم 29 نونبر الماضي، رئيسا مكلفا لتشكيل الحكومة المقبلة، ردد حزب العدالة والتنمية بلا انقطاع تشبته بالقطاعات الاجتماعية الأربعة، وهي الصحة والشغل والتعليم والسكن، واعتبرها خطا أحمر في المفاوضات ولا يمكن التخلي عنها تحت أي ضغط إلى أحزاب أخرى، مبررا ذلك بالتزامه بنوع من الميثاق الأخلاقي الذي قطعه الحزب أمام المواطنين، وعلى أساسه حصد كل هذه الأصوات الذي حملته إلى الرتبة الأولى وأهلته إلى قيادة التجربة الحكومية وفق التنزيل الديمقراطي الصحيح للوثيقة الدستورية.
لكن بعد مرور أسبوعين من مفاوضات عسيرة وشاقة أنست بنكيران ابتسامته العريضة ونكاته ومستملحاته، بدا أن تغييرا طفيفا تسرب إلى لهجة الحزب الإسلامي في ما يتعلق بالوزارات الاجتماعية التي كان هيأ لها فريقا من قيادييه أمثال محمد اليتيم، الأمين العام للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب (وزارة التربية الوطنية) وسعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني للحزب (حقيبة الصحة) وجامع المعتصم، عضو الأمانة العامة (وزارة التشغيل) وعبد العزيز الرباح، عضو الأمانة العامة ورئيس جماعة القنيطرة (وزارة السكنى)، إضافة إلى تشبثه بحقيبة الاقتصاد والمالية، حفاظا على الانسجام بين القرار الاجتماعي والقرار المالي، وخوفا من تكرار تجربة عباس الفاسي، الوزير الأول السابق، ووزير ماليته صلاح الدين مزوار، حين كان الأول يعقد اتفاقات مع النقابات المركزية في إطار الحوار الاجتماعي، “يسفهها” مزوار بإغلاقه كل صناديق التمويل، بمبرر العجز المزمن في الميزانية العمومية.
في النفس الأخير من المفاوضات، أنجز حزب العدالة والتنمية زاوية بـ180 درجة، إذ لم يُرغم فقط، تحت إلحاح زملائه في الأغلبية الحكومية، على التخلي عن القطاعات الاجتماعية الأربعة، بل كذلك عن وزارة الاقتصاد والمالية التي منحت لنزار بركة، صهر عباس الفاسي، في إطار صفقة داخلية غامضة بين أبناء علال الفاسي استفاد منها أيضا محمد الوفا، العائد إلى المغرب بعد 12 سنة من العمل الديبلوماسي، إذ وضعت تحت إشارته وزارة من الحجم الكبير (التربية الوطنية) لها علاقة برهانات أكبر ذات ارتباط بقطاعي التربية والتكوين خلال العشرية المقبلة.
الأخبار التي تسربت، آنذاك، عن جلسات التفاوض المغلقة بالمقر المركزي للعدالة والتنمية بحي الليمون بالرباط، تؤكد انزعاج الأمناء العامين من رغبة إخوان بنكيران في الالتفاف على جميع القطاعات الاجتماعية ذات الصدى انتخابيا، فقرروا “ضمص” الحقائب الوزارية المقترحة، وإعادة توزيعها على ضوء الهيكلة الحكومية المشكلة من ثلاثة أقطاب، هي: القطب السيادي (الخارجية، الداخلية، الدفاع، الأوقاف…)، القطب الإنتاجي والمالي (المالية، الميزانية العمومية…)، والقطب الاجتماعي (التشغيل، والتنمية الاجتماعية، والصحة، والتعليم والشغل والسكن..)، على أساس أن يستفيد كل حزب من الأحزاب الأربعة من حصته من كل قطب، وهي المنهجية التي لم تحترم في النهائية، إذ حصل حزب التقدم والاشتراكية على ثلاث حقائب اجتماعية (الصحة، والشغل والسكن)، بينما حصل حزب الاستقلال على قطاع التعليم، والعدالة والتنمية على الأسرة والتضامن الاجتماعي (بسيمة الحقاوي)، وهي الوزارة التي “حُفظت”، منذ سنوات، في أسماء نساء في “تخريجة” مغربية لا أحد يتوفر على تفسير لها لحد الآن.
وعموما يمكن الحديث عن فرضيتين اثنتين في تخلي العدالة والتنمية عن القطاعات الاجتماعية الأساسية:
– إما أن بنكيران أُرغم على ذلك من طرف حلفائه الثلاثة، بهدف سحب البساط من تحت قدمي حزبه وتفويت الفرصة عليه بعدم استغلال “فواكه” هذه القطاعات في الترويج لحملته الانتخابية خلال استحقاقات الأفق المنظور (الانتخابات الجماعية والانتخابات الجهوية)، أو الانتخابات التشريعية المقبلة بعد خمس سنوات، ما كان يراهن عليه الحزب نفسه من خلال إعلان تشبثه بهذه القواعد الاجتماعية لإحكام السيطرة على المشهد ككل.
– تفضيله، في آخر نهاية التحليل وتقليب الموضوع من كل جوانبه، الابتعاد عن قطاعات تعرف بـ”سخونتها” المفرطة، وميزانيتها الضئيلة وهامشها الضيق على مستوى التحرك والمناورة، ما يجعها في مرمى الاحتجاجات الغاضبة في الشارع العام وحركة 20 فبراير الذي لم تغب عن فضاءاتها شعارات تحسين الأوضاع الاجتماعية وتحسين البنيات الصحية وإصلاح جيد للتعليم وتوفير سكن يليق بكرامة المغاربة.
بالمقابل، من المقرر أن يحمل حزب التقدم والاشتراكية وزر هذه الاحتجاجات في المستقبل، علما أن المقاربة التي سيعتمدها في تدبير قطاعات مثل الصحة والشغل والسكن لن تعكس، بالضرورة، برنامجه الانتخابي الذي دافع عنه خلال الانتخابات السابقة، بل توليفا لمقاربات وبرامج مختلفة سيتم التوافق عليها بين الأحزاب الأربعة خلال إعداد التصريح الحكومي الملزمة مضامينه للجميع.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى