محكومون بالإعدام يتمردون ضد القتل البطيء وحياة "رجل فدنيا ورجل فلاخرة" أقسى من الموت، آلام الموت نفسه، والأفظع منهما أن يصبح الموت رجاء، وحبل المشنقة ملفا مطلبيا، أوحين تفتح الصدور طواعية على منصات إطلاق الرصاص، ويغدو الرمق الأخير خلاصا من قتل مبرمج يأتي، أو لا يأتي.بالسجن المركزي بالقنيطرة، لا يكترث سكان حي الإعدام، كثيرا بالنقاشات الصاخبة والمشتعلة، اليوم، بين أنصار إلغاء عقوبة الإعدام المستندين إلى النصوص القانونية والعهود الدولية لحقوق الإنسان، وبين المطالبين بالإبقاء عليها، أو حتى المهددين باللجوء إلى المحاكم الدولية لمتابعة الخارجين عن «شريعة القصاص»، هم يؤمنون، فقط، أن حياة مربوطة إلى حبل مشنقة تشبه كثيرا مسلسلا من الموت البطيء، أو الموت بالتقطير (غوت أغوت) الأقل من مريح.هؤلاء يبدون، اليوم، أقرب إلى الخارجين عن «الإجماع الوطني» حول أول دستور للملك محمد السادس، حين يرفعون من داخل زنازينهم المشرعة على الجنون، شعار «الموت هنا والآن، أو الحق في الموت»، في الوقت الذي ينص الفصل 20 من الدستور الجديد، بشكل واضح، على الحق في الحياة، بيد أنهم، عكس ذلك، يفضلونه موتا نهائيا على حق مشروط بالتنزيل السياسي وتأويلات الديمقراطية وتوافقات اللحظة الأخيرة.«لم أعد أطيق كل هذا الانتظار المقيت، يكفي أن تتخيل بأني لا أنتظر قطارا متأخرا في محطة، أو نتيجة امتحان، أو حتى ابني الأول، أنا انتظر الموت، هل يفهمون ذلك»، يتذمر محكوم بالإعدام في رسالة وداع طويلة إلى الوزير الأول «أريحونا معاليكم وأريحوا أقرباءنا بسبب ما يتعرضون له من ظلم وابتزاز من طرف جلادي السجون».رسالة تقطر يأسا وبأسا شديدا، وهو بالضبط ما تشير إليه علوم النفس بكل تفرعاتها التي تقول إن المحكوم عليه بالإعدام، قد يصاب باليأس الشديد، وقد يتطور إلى إحباط أكثر شدة، ما يؤدي إلى العجز والتفكير فى الانتحار، أو أن يكون له تأثير معاكس، فيلجأ المحكوم عليه بالإعدام، مثلا، إلى استغلال كل لحظة فى حياته، للحصول على المتعة قبل الفراق الأخير، واستغلال كل وسائل المتعة المتوفرة لديه في السجن، مثل الأكل بكثرة أو مشاهدة التلفاز (هاد شي عندهم لهيه ماشي عندنا). وهناك اتجاه ثالث قد يسلكه المحكوم عليه، وهو الاتجاه الروحانى، إذ يعلم المتهم أن حياته أوشكت على الانتهاء، وبالتالي يعمل على التقرب من الله بالصلاة وقراءة القرآن. ويتوقف التأثير النفسي للمحكوم عليه بالإعدام على «طبيعة الشخصية ذاتها»، هل هذه الشخصية لديها القدرة على تحمل الأمور، أم هي شخصية ضعيفة ومهزوزة، فهنا يتراوح التأثير ما بين الأمل والرجاء، فلو فقد الأمل من الممكن أن يلجأ إلى الانتحار.نورد هذا التفسير العلمي على سبيل تحصيل حاصل، ونحن نعرف أن النقاش حول عقوبة الإعدام سيشتد لهيبا مع وصول إخوان مصطفى الرميد إلى الحكم وتشكيلهم حصنا منيعا من البرلمانيين والبرلمانيات سيتصدون إلى القوانين والتشريعات القاضية بإلغائها، على الأقل في خمس سنوات القريبة، أما أصحاب «البدل الحمراء» فليس لهم غير الله وكثير من الصبر. يوسف الساكت