تعليق على قرار المجلس الأعلى عدد 4058 إذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه، تقرر حق الدائن إما في التنفيذ العيني للالتزام إن كان ممكنا أو الفسخ القضائي. وما الحكم لو قام الدائن بالالتزام بطلب الفسخ القضائي و الحال أن تنفيذ الالتزام ما زال ممكنا، فهل يحق للمحكمة أن تقضي بالفسخ أم لها أن ترفض الطلب على اعتبار أن التنفيذ العيني ممكن التنفيذ؟ وبعبارة أخرى هل الخيار مقرر لفائدة الدائن أم مقرر لفائدة محكمة الموضوع؟ و هذا النقاش القانوني احتواه القرار موضوع التعليق. تقدم مشتر بمقال إلى المحكمة الابتدائية بمراكش يرمي إلى إتمام البيع مع البائع الذي أبرم معه الوعد بالبيع في وقت سابق، و التمس من المحكمة اعتبار الحكم الذي سيصدر بمثابة بيع نهائي في حالة امتناع البائع عن إبرامه تراضيا. وتقدم البائع بمذكرة جوابية مع مقال مضاد عرض فيه فعلا الوعد بالبيع مع المشتري على أساس أن يتم أداء الثمن في الأجل المحدد في العقد، و هو ما لم يتم احترامه، طالبا بفسخ الوعد بالبيع.و لقد قضت المحكمة الابتدائية برفض طلب إتمام البيع، و في المقال المضاد بفسخ العقد، أيدته محكمة الاستئناف موضوعا.وطعن في القرار الاستئنافي بالنقض أمام المجلس الأعلى، وقضى المجلس الأعلى بنقض القرار الاستئنافي القاضي بفسخ العقد بالعلة التالية:« ومن جهة أخرى، فإن نفس العقد أعلاه ينص في الفقرة الأخيرة المعنونة بأسباب الفسخ أنه عند فوات أجل 01/09/2005 و كان المشترون في حالة استحالة الوفاء بالتزاماتهم المتمثلة في أداء باقي الثمن داخل الأجل المذكور أو لأي سبب آخر، و هذه الفقرة الواردة في العقد تنسجم مع ما ينص عليه الفصل 259 من ق.ل.ع الذي ينص على أنه: «إذا كان المدين في حالة مطل، كان للدائن الحق في إجباره على تنفيذ الالتزام ما دام تنفيذه ممكنا، فإن لم يكن ممكنا، جاز للدائن أن يطلب فسخ العقد»، والمحكمة مصدرة القرار، لم تبرر في قرارها ما إذا كان المشترون في حالة استحالة تنفيذ التزاماتهم، وأن تنفيذها أصبح غير ممكن، الأمر الذي يكون معه القرار خارقا للفصول المدعى خرقها، مما عرضه للنقض والإبطال.التأصيل القانوني:يتعين التمييز بين الحالة التي يعزى فيها عدم التنفيذ إلى سبب أجنبي عن المدين، و يؤدي ذلك إلى انقضاء التزام المدين و يعفى من كل مسؤولية، والحالة التي يعزى فيها عدم التنفيذ إلى المدين أو خطئه، ذلك أن جسامة الإخلال بالتزامه العقدي من شأنه أن يزيد من نطاق التزامه بالتعويض.وتتعدد الجزاءات في حالة عدم تنفيذ المدين لالتزامه، منها ما يمتلكه الدائن مباشرة ومنها الدفع بعدم التنفيذ، وممارسة الحق في الحبس، ومنها ما يرجع بشأنها مبدئيا إلى القاضي مما يناسب، تحديد حدود نطاق سلطة القاضي في هذا المجال بين التنفيذ العيني والفسخ القضائي.في الالتزام بالقيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل، لا يحق للدائن إلا المطالبة بالتعويض، إلا أن القضاء في اتجاهه الحديث، يلطف من هذا التوجه، وأصبح يقضي بالتنفيذ العيني كالقيام بالأشغال أو استرداد الشيء المتعاقد بشأنه أو التوقف عن النشاط، أو تسليم الشيء.ويعتبر التنفيذ العيني بمثابة حق من جهة، وإمكانية من جهة ثانية مقررة لفائدة الدائن بوصفه تلك، ويحق له المطالبة بالتنفيذ العيني إن شاء وقدر ذلك، لكنه لا يمكن أن يجبر عليه، ويفهم من هذا القول، أن لا حق للمدين الذي لم ينفذ التزامه إجباره على ذلك، كما لا يحق للقاضي أن يفرض التنفيذ العيني للالتزام على الدائن. ويطلب التنفيذ العيني من طرف الدائن، فإن تقدم بالتعويض فلا يحق للقاضي أن يحكم بالتنفيذ العيني.ولقد قرر المشرع سلطة قاضي الموضوع في تقدير مدى إمكانية الحكم بالتنفيذ العيني للالتزام. وهذا التقدير يجعل من التنفيذ العيني مجرد إمكانية لأنه لا يكون في جميع الأحوال الجزاء الأمثل و الأنسب. ذلك أنه حينما يكون التنفيذ العيني مرهقا بالنسبة للمدين بالمقارنة بالمنافع التي توخاها الدائن بنفسه، أمكن الحكم بالتعويض بدلا من التنفيذ العيني، و لا حق للدائن بإجبار المدين على التنفيذ العيني.لا تتعارض قاعدة مكنة عدم اللجوء إلى التنفيذ العيني إذا لم يكن ممكن التنفيذ، مع قاعدة القوة الملزمة للعقد، لأن العقد كما يمكن تنفيذه عينا، يمكن تنفيذه عن طريق التعويض إذا وقع الإخلال بالالتزامات العقدية.لا يعتبر التنفيذ العيني للالتزام مجرد جزاء يوسم بالاحتياط، و إنما سلطة المحكمة في مراقبة هذه المؤسسة حتى لا تثقل كاهل المدين بالمقارنة بالمنفعة التي يتوخاها الدائن.ويبقى الأصل أن الفسخ يكون قضائيا، و يقدر القاضي مدى قانونية الطلب المرفوع إليه من طرف الدائن بعد إثباته للإخلال العقدي الواقع من طرف مدينه، و يشترط القضاء أن يتحقق نوع من الخطورة في هذا الإخلال.ويستقل القاضي بتقدير جسامة الإخلال العقدي الذي يعزى إلى المدين وأن يضمنه في حكمه أو قراره، ويكون للحكم القاضي بالفسخ من الناحية المبدئية أثر كاشف.وإذا بادر الدائن إلى إنهاء العقد من جانبه، فصلاحيته هاته، لا تحمل على الفسخ من جانب واحد، و إنما الفسخ لا يتحقق إلا من يوم النطق به قضاء.التعليق على القرار:قرر القرار موضوع التعليق أن لا خيار للدائن في طلب الفسخ ما دام تنفيذ الالتزام ممكن التنفيذ، و هذا الاتجاه، لا نميل إليه و نعتبره جدير بالإتباع للاعتبارات القانونية التالية: إن الخيار بين التنفيذ العيني للالتزام أو الفسخ مقرر لمصلحة الدائن الذي كان ضحية عدم التنفيذ و هو خيار قرره المشرع صراحة له بمقتضى الفصل 259 من قانون الالتزامات و العقود.ويستفاد من خلال تعليل قضاة النقض، أن المشرع وضع تراتبية في الجزاء بين التنفيذ العيني بالدرجة الأولى، ثم الفسخ في حالة عدم إمكانية التنفيذ العيني للالتزام، و الحال أن التراتبية تتعارض مع الخيار الذي يقرره الفصل من جهة، واقتصاد العقد من جهة ثانية. ويستفاد من القرار موضوع التعليق، أن خيار الفسخ القضائي رهين بإثبات استحالة التنفيذ العيني للالتزام، و كأن مآل كل عقد يتمثل في التنفيذ عينا، و هذا ما لا يستقيم من الناحية القانونية، و إهدار لحق الدائن في الخيار الممنوح له تشريعا.وهذا يؤدي إلى إجبار الدائن بالالتزام على أن ينفذ التزامه عينا، بالرغم من عدم تنفيذ المدين لالتزامه المقابل، ووفقا للقواعد المسطرة في العقد.ما لا شك فيه، أن القضاء ينظر في الطلبات المرفوعة إليه وبالشكل الذي عرضت عليه، فإذا قدم إليه طلب بالفسخ في شكل مقال أصلي أو معارض، يتعين عليه أن ينظر في الموجبات التشريعية و القضائية لسماع الحكم بالفسخ أو برفضه، إما أن يرد الفسخ بعلة أن التنفيذ العيني ما زال ممكنا، يكون قد أضاف شرطا لم يقرره المشرع، ولا يستسيغ مع المنظومة المرجعية التي تحكم نظرية الفسخ في مجال العقود.و قد لا يعمد المدين إلى تنفيذ التزامه المقابل في الأجل المتفق عليه أو وفقا للشروط المقررة في العقد في إبانه و يتراخى في ذلك، و ما أن يطالب الدائن بالفسخ، حتى يبادر بالتنفيذ من جانبه و قبل صدور الحكم بالفسخ، وما فائدة الشروط العقدية والحالة هاته. ويؤدي منطق القرار إلى نتيجة مرفوضة من الناحية القانونية، حيث طلبات الفسخ ترد بمجرد أن التنفيذ العيني ممكنا، ولا يمكن للدائن أن يتحلل من العقد إلا بالمطالبة بتنفيذه عينا، وبذلك، فإن كل مدين بالتنفيذ يكتفي بالسلبية إلى حين الحكم عليه بالتنفيذ العيني، ما دام الفسخ لا يتصور إذا كان التنفيذ ممكنا.يبدو أن جانبا آخر من قضاة النقض لم يسايروا هذا الاتجاه القاضي بعدم الخيار بين الفسخ والتنفيذ الجبري إذا كان هذا الأخير ممكن التنفيذ.إذ في الأسبوع نفسه الذي صدر فيه القرار موضوع التعليق، جاء قرار آخر بتاريخ 16/11/2009 تحت عدد 4115 في الملف المدني 2744/5/2008 يقرر الخيار للدائن ويمنع سلطة الخيار على قضاة الموضوع، وحقهم في ربط الحق في الفسخ بإمكانية أو عدم إمكانية التنفيذ العيني.ولقد خلق هذا الاتجاه القضائي هزة غير مسبوقة في الممارسة القضائية، ورغم عدم وجاهته، فان الأمن القضائي يبقى بعيد المنال. بقلم: عمر أزوكـــــار: محام بهيأة الدار البيضاء.