سمسار بألف قناع اعتاد الجلوس في المقهى نفسها وسط الدارالبيضاء، قبل أن يشد الرحال إلى العاصمة الإدارية بعد أن فطن إلى أن حبال قضاياه بدأت تلتف حول عنقه، إذ زادت الشكوك حول تورطه في قضايا سمسرة من أعلى المستويات، فقرر التراجع مؤقتا ريثما يستعيد أنفاسه. يُخيل إلى جليسه أنه أفعى بألف رأس، إذ يلتفت في كل الاتجاهات وعيناه ولا يغمضهما إلا ثواني للتفكير في ملف أو النصب على ضحية جديدة.. إنه مثل الحرباء، لقب في البيضاء، في عز نفوذه، ب»فيروس المحاكم»، واشتهر بألف قناع يستغلها في شن الحروب والمؤامرات والدسائس، فهو لا يؤمن إلا بمصالحه الشخصية وما يجنيه من مبالغ مالية يكدسها في حسابه البنكي.هو متتبع نهم لما ينشر في الصحف الوطنية، حتى أنه كان يزود إحداها بأخبار تخدم مصالحه، فهو أشبه بأخطبوط تمتد أذرعه إلى عدد من الملفات بالمحاكم، نجح خلالها في ربط العلاقات مع مسؤولين قضائيين لا يخفي علاقته بهم، منهم قاضي تحقيق سابق بالدار البيضاء وقاض سابق بتطوان واللائحة الطويلة، وطبعا حبه للجميع دائما بمقابل. وجهه دائري أصفر اللون، ليس من شدة الخجل، لكن لكثرة المؤامرات التي حاكها حتى فقد كرياته الحمراء، كما يحرص على الاهتمام بالشارب الكبير لإخفاء سلاطة لسانه ورائحة فمه التي لم تستطع كل أنواع السجائر الشقراء إخفاءها، إذ تنبس شفتاه دوما سما للمحيطين به، فهو لا يؤمن إلا بمقولة «صديق اليوم عدو الغد».عادة ما يجلس في الواجهات الأمامية بالمقاهي مختالا بعلاقاته النافذة مع بعض الوزراء والقضاة والصحافيين، ولا يخفي في أحاديثه الهامشية عشقه للمال والصيد في الماء العكر. علاقته بالمحاكم غريبة، إذ تجده، دون سبب، يتتبع أكبر القضايا وأصغرها. ويحضر الجلسات ويستمع إلى المرافعات ويتتبع تحركات الحاضرين، ويناقش المحامين في الدفوعات الشكلية، رغم ضعف مستواه الدراسي، قبل أن يستقل سيارته رباعية الدفع للايقاع بضحايا جدد.يحكي أحدهم أن «سمسارنا» يحشر أنفه في كل القضايا الشهيرة، فهو لا ينتعش إلا بالمؤامرات، ويناصر أحد الأطراف ضد آخر، ليس دفاعا عن مبادئ وإنما لجني الأموال والتباهي بعلاقاته، إذ يرافق أحد أطراف القضية لشهور، تارة يقدم له النصائح، وأخرى يجلب له الصحافيين القادرين على الضغط على جهاز القضاء ويغريهم آنذاك بليال ملاح في الفنادق، ولا ينسى أن يتسلم أتعابه بعد صدور كل مقال.من إبداعات «فيروس المحاكم» الدخول في صراع بين مسؤولين قضائيين، ففي إحدى حروبه حزم حقائبه واستقر بمدينة بعيدة لحضور كل الأنشطة وترتيب أوراق الهجوم على مسؤول قضائي، دون أن تتدخل الأجهزة الأمنية لوقف أنشطته المسيئة إلى القضاء، ثم بدأ حربه ببث أخبار مغلوطة لبعض الصحافيين، وادعى، أحيانا، أنه صحافي، وله علاقة مع عدد كبير من الزملاء. خالد العطاوي