السوسيولوجي الهادي الهروي اعتبر أن دوافع السماسرة معيشية ترتبط بالإشباع الفوري للذات قال الهادي الهروي، خبير في الدراسات السوسيولوجية، إنه إذا كانت الدولة المغربية تعيش تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية وإصلاحات مؤسساتية، فإن ذلك ينبغي أن ينعكس على القضاء الذي ما زال يحتاج إلى تطهيره من العديد من الأورام ومن بينها ورم سماسرة المحاكم الذين يساهمون في إفساد القضاء ويتخذون المحاكم سوقا لأنواع من الابتزاز؟ وتحدث الهادي حول طبيعة هذه الطائفة ممن يترددون على المحاكم، ووظيفتها ودوافعها إلى السمسرة وعلاقتها وكيف يمكن قراءتها نفسيا؟ كما تطرق في حديثه مع الصباح إلى المحفزات التي تدفع المتقاضين إلى اللجوء إليها؟ اعتبر الهادي الهروي أن الدولة المغربية تعتبر في الأدبيات السوسيولوجية نتاجا للمجتمع في مرحلة من تطوره، وهي مجموعة من المؤسسات والأجهزة التي تمكن من إخضاع المواطنين عبر آليات الهيمنة والعنف المشروع وعلاقات القوى المتعددة التي تكون سلطتها وعمدها. ومن بين تلك المؤسسات والأجهزة جهاز العدل. وحسب الهادي فقد لوحظ تطور ونمو في المجال المؤسساتي للدولة المغربية ومرتكزاتها، صاحبته نوايا صادقة لإصلاح جذري للهياكل الجوهرية وتفكيك البنيات المترهلة، ومنها وضع دستور جديد للبلاد وإصلاح استقلال القضاء ونزاهة العدل على أساس أن العدل أساس الملك. من هذا المنطلق بادرت وزارة العدل باتخاذ مجموعة من التدابير، منها التنظيم القضائي على مستوى تنظيم المحاكم، خصوصا المحاكم العادية والمحاكم المتخصصة كمحكمة الاستئناف والمحكمة الابتدائية الإدارية والتجارية.واستدرك الهادي أن الإصلاح ما زال في بداية انطلاقته إن لم نقل لازالت تعوقه عوائق هيكلية وتنظيمية كثيرة، ويظهر ذلك بوضوح في فضاء وبهو وساحات المحاكم المغربية التي غالبا ما تتحول إلى أسوق وهرج ومرج ولغط عظيم ناتج عن ثلاث طوائف:1 طائفة المشتغلين بالقضاء بالمحكمة وهم فئات، منهم القضاة والوكيل ونائبه والمحامون وأعوان القضاء وأمن المحاكم ...2 طائفة السماسرة ومستخدمي المحامين (الكورتيا).3 طائفة الزائدة وهي فئات، منها فئة المصاحبين للمتقاضين من أسرهم وأهلهم. وفئة المتفرجين الذين يأتون لقضاء الوقت والاستماع بمنطوق الأحكام. وفئة تعرض نفسها وضميرها لشهادة الزور بمقابل، وهي بمثابة سلعة معروضة في سوق للبيع والشراء من أجل الاستغلال. غير أن هذه الفئة الأخيرة تكون تحت إمرة سماسرة المحاكم. إن فئة سماسرة المحاكم تعتبر في المنظور السوسيولوجي فئة غير نشيطة لأنها تندرج في إطار ما يسمى البطالة المقنعة، فهي طائفة من الوسطاء، تفرض نفسها من دون خجل أو حياء، بين المتقاضين والمحامين وبعض ممن يستغل وضعه في القضاء للاغتناء، إنها فئة طفيلية تجتهد في المكر والدهاء لنسج علاقات ود وزبونية مع أسرة القضاء لتحول تلك العلاقة إلى رأسمال رمزي يدر عليها دخلا ماديا ضئيلا في أغلب الأحيان لا يسد حاجياتها الضرورية، فهم يدعون الفصل في كل أنواع النوازل والقضايا، ولهم معارف خاصة بشخصيات نافدة سواء بالمحكمة أو بالإدارة العمومية أو الخاصة، بدءا بالنيابة العامة وصولا إلى المحاكم الأعلى درجة.وعن لجوئها إلى هذه الحرفة المبتذلة، اعتبر الهادي الهروي أن ذلك يرجع بالأساس إلى القلق والتوتر الذي تشعر به أمام السلطة الخارجية ومنها سلطة المجتمع بإكراهاته المادية والاقتصادية وانعدام القدرة لديها على ممارسة أي نشاط متعب، وانسداد الآفاق المهنية في وجهها، ما يجعل السمسرة أسهل وأبسط طريق اندفاعي نحو تلبية حاجاتها البيولوجية ورغباتها الغريزية على الأقل. بناء على ذلك، يبدو أن وراء السمسرة دوافع حياتية معيشية ترتبط بالإشباع الفوري للذات ولوعن طريق الابتزاز والتزوير، بحيث يؤدي حرمانها من الإشباع إلى توليد ميل نحو العدوانية سواء في شكلها السادي أو الماوشي، من دون مراعاة للأخلاق أو القانون أو الواجب أو القضاء، مما يجعل تقمصها لشخصيات القضاء والعدل ميكانيزم دفاعي لتحقيق الإشباع، وقد ينتج عن ذلك التقمص تهيؤات وإيحاءات باتولوجية (مرضية) تقود إلى انفصام شخصية. السمسار الذي سرعان ما يبدأ في محاكاة ذوي النفوذ على مستوى الهيأة واللباس والكلام والحركات وعلى مستوى الخيلاء والكبرياء حتى.وقال الهادي إنه إذا كانت الأخلاق استجابة لنداء الضمير أو العقل الفردي والجمعي معا، حيث يعتبر الشعور بالواجب واحترامه وممارسته وفق القانون من إحدى تجلياته، فإن الاستجابة تنعدم لدى هذه الفئة من السماسرة إلى درجة أنها لا تحس بالذنب إثر ابتزازها للمتقاضين ولا تخضع لأي رقابة أخلاقية وبالتالي لا تراعي المتطلبات الأخلاقية العامة للمجتمع. وأضاف أن سماسرة المحاكم ظاهرة سلبية مسيئة إلى الطبيعة المتعالية للقضاء وللعدالة والقانون، ومضرة أيضا بالمجتمع المدني المنظم الذي يضمن الحرية لمواطنيه. من خلال تسنين هذه الفضائل الثلاثة. كما أنهم، حسب المتحدث نفسه، يعملون على تجريد المتقاضي المظلوم والمكلوم من امتلاك حقه والاستمتاع بنصيبه من العدالة، عملتهم في ذلك تمركز حول الذات وأكوام من الأوهام التي توحي لهم بأنهم أذكياء وأكثر معرفة بالقانون من غيرهم، بل إنهم يتقمصون شخصية القضاة أو المحامين. فعلى الدولة ، ومن خلال وزارة العدل، تنظيف المحاكم من هذه الطائفة المتربصة بالمتقاضين، فهي الوحيدة الكفيلة بأن يكون القضاء ملزما لمحاربتها، الأمر الذي لاحظناه مؤخرا بإحدى المحاكم على إثر التنسيق مع إدارة الأمن الوطني. وختم الهادي الهروي أن الإنصاف المتأخر والتيه في دروب وغرف وأقسام المحاكم وعدم البت في الملفات القضائية بالسرعة المطلوبة وهدر الوقت والإجراءات البيروقراطية المعقدة وغيرها…، هي ما يدفع المتقاضين إلى التهافت على سماسرة المحاكم ، وهي أيضا ما يشجع هؤلاء إلى عدم الانصراف إلى شؤونهم الخاصة دون التدخل في شؤون غيرهم، الشيء الذي يتنافى مع العدالة والقضاء والقانون من حيث أنها أعظم الفضائل. المصطفى صفر