المحاكم و دعاوى العقود التجارية إذا كان الالتزام الرئيسي الملقى على عاتق المسافر هو أداء ثمن النقل، فإن الناقل يتحمل عدة التزامات، من بينها على الخصوص الالتزام بضمان سلامة المسافر وسلامة أمتعته وإيصاله إلى المكان وفي الوقت المتفق عليهما تحت طائلة إثارة مسؤوليته المدنية في حالة إخلاله بهذه الالتزامات. وتثير هذه المسؤولية جملة من التساؤلات، من بينها التساؤل حول طبيعتها القانونية ثم الأساس الذي تقوم عليه وحالاتها والوقت الذي تبتدئ وتنتهي فيه وما هي الإمكانات المتاحة أمام الناقل للتحلل منها، بالإضافة إلى الإجراءات الواجب اتباعها لتفعيل دعوى المسؤولية. بداية يجب تحديد المقصود بالغير، فهذا الأخير هو كل شخص أجنبي عن الناقل ولا يعتبر من تابعيه لأن أفعال هؤلاء يتحملها الناقل في إطار مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع.أما بخصوص التساؤل المطروح فقد تم الاتفاق على أن الناقل يكون مسؤولا عن الضرر اللاحق بالمسافر بسبب فعل الغير ولا يمكنه التحلل من هذه المسؤولية إلا إذا أثبت توفر شروط القوة القاهرة أو الحادث الفجائي في هذا الفعل وهو ما سارت فيه محكمة الاستئناف بالرباط في قرارها الصادر بتاريخ 2002/3/20 في الملف عدد 6/01/515 الذي رفضت فيه إضفاء صبغة الحادث الفجائي على سقوط الأسلاك الكهربائية ذات التوتر العالي التي تزود القطارات بالطاقة بسبب عمل اجرامي من طرف مجهول، وقد تم إبرام هذا القرار من طرف المجلس الأعلى بواسطة قراره عدد 1111 بتاريخ 2003/4/10.التوجه نفسه تبنته محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط التي لم تتردد في تحميل الناقل السككي مسؤولية الضرر الذي يصيب المسافر نتيجة رشق القطار بالحجارة من طرف مجهولين وهو ما يتضح من قرارها رقم 5 الصادر بتاريخ 2007/01/10 في الملف عدد 6/06/26 حيث جاء في تعليل المحكمة ما يلي: «وحيث إنه من جهة أخرى، فإن مسؤولية المكتب المستأنف في هذه النازلة تكون قائمة ولو بدون ارتكابه لأي خطأ من جانبه استنادا إلى فكرة المخاطر الناتجة عن استعمال أشياء خطيرة كالقطار وخاصة وأنه ليس بالملف ما يثبت أن الضرر راجع الى خطأ الضحية، مما يبقى معه ما أثاره المستأنف بخصوص القوة القاهرة، والحادث الفجائي غير ذي جدوى وما أثير في هذا الشق غير منتج».د. فعل الأمير وإجراء إصلاحات ضرورية على و سيلة النقل والخطر غير المتوقع:نص المشروع على هذه الأسباب في المادة 481 من مدونة التجارة وبالرغم من أنه لم ينص صراحة على اعتبارها أسبابا للإعفاء، فإنه من خلال القراءة المتأنية للمادة المذكورة يتبين أنها تعتبر كذلك بدليل أن المشرع لم يرتب المسؤولية على الناقل في هذه الحالات، بل حدد القواعد الواجب تطبيقها في حالة انعدام اتفاق بين الطرفين.المطلب الثاني: دعوى التعويضتعتبر دعوى التعويض الأثر المباشر لقيام مسؤولية الناقل، حيث يعمل المتضرر على تفعيل هذه المسؤولية من خلال مقاضاة الناقل أمام الجهة القضائية المختصة بغرض الحصول على التعويض المناسب لجبر الضرر الذي تعرض له.وتثير دعوى التعويض جملة من التساؤلات تتعلق أساسا بتحديد المحكمة المختصة، وإجراءات الدعوى ثم مسألة التقادم.أولا: المحكمة المختصة بالنظر في دعوى التعويضحتى يتأتى للمسافر المتضرر الحصول على التعويض عن الضرر الذي لحقه، يجب عليه رفع دعواه إلى المحكمة التي يرجع لها اختصاص البت في هذه الدعوى طبقا لقواعد التنظيم القضائي، حيث يتوزع هذا الاختصاص الى اختصاص نوعي واختصاص مكاني.1- الاختصاص النوعي:اعتبر المشرع المغربي في الفقرة 6 من المادة السادسة من مدونة التجارة النقل نشاطا تجاريا ذلك أن ممارسة الشخص لهذا النشاط على سبيل الاعتياد أو الاحتراف يكسبه صفة تاجر مع مراعاة المتعلقة بالشهر في السجل التجاري.واعتبر بعض الفقه أن ممارسة أعمال النقل لا تكفي وحدها لاكتساب صفة التجار بل يجب أن تتخذ كإطار لها شكل مقاولة.ولعل التساؤل الأساسي الذي يثار في هذا المجال يتمحور حول تحديد المحكمة المختصة بالبت في النزاعات المترتبة عن أعمال النقل، على اعتبار أن طبيعة القضاء المغربي يتوزع بين قضاء عاد وقضاء متخصص، فهناك من جهة المحاكم الابتدائية ومن جهة أخرى المحاكم التجارية، ويزداد النقاش إثارة في حالة احتكار القطاع من طرف هيأة عمومية، كما هو الشأن بالنسبة للمكتب الوطني للسكك الحديدية، حيث من شأنهمن المتفق عليه أن عقد النقل عقد تجاري وهذه الصبغة تجعل اختصاص البت في النزاعات المترتبة عنه يرجع مبدئيا للمحاكم التجارية طبقا للمادة 5 من قانون المحاكم التجارية والتي نصت على أنه: «تختص المحاكم التجارية بالنظر في الدعاوى المتعلقة بالعقود التجارية...».غير أن هذا الاختصاص مقيد بمعيار قيمي ألا وهو ضرورة تجاوز قيمة الطلب 20 ألف درهم، كما نصت على ذلك المادة 6 من القانون نفسه التي ورد فيها: «تختص المحاكم التجارية بالنظر في الطلبات الأصلية التي تتجاوز قيمتها 20.000 درهم، كما تختص بالنظر في جميع الطلبات المقابلة أو طلبات المقاصة مهما كانت قيمتها».وهذا يعني أن النزاعات الناشئة عن عقد النقل والتي لا تتعدى قيمتها المبلغ المذكور تكون من اختصاص المحكمة الابتدائية باعتبارها صاحبة الولاية العامة.وبالنظر إلى أن المادة 8 من القانون رقم 41.90 نصت على أنه: «تختص المحاكم الإدارية، مع مراعاة أحكام المادتين 9 و11 من هذا القانون، بالبت ابتدائيا ودعاوى التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام ما عدا الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أيا كان نوعها يملكها شخص من أشخاص القانون العام»، فإن التساؤل الذي يطرح في هذا الإطار يتعلق بما إذا كانت الصبغة العمومية للناقل السككي من شأنها أن تنزع الاختصاص عن هذه المحاكم لصالح المحكمة الإدارية، وما مدى جدية دفع الناقل بعدم اختصاص المحاكم الابتدائية والتجارية بحسب الأحوال لصالح جهة القضاء الإداري؟جوابا على التساؤل المطروح يمكن القول بأن الصبغة العمومية للمكتب لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تجعل المحاكم الإدارية مختصة في البت في النزاعات الناشئة عن عقد النقل، على اعتبار أن النقل من جهة هو عمل تجاري بصرف النظر عن طبيعة الشخص الذي يمارسه، ما يجعل النزاعات المترتبة عليه من اختصاص المحاكم التجارية أو الابتدائية بحسب الأحوال، ومن جهة أخرى فالفصل 1 من الظهير الشريف رقم 1.63.225 المتعلق بإحداث المكتب الوطني للسكك الحديدية جعل هذا الأخير مؤسسة عمومية ذات صبغة صناعية وتجارية تتمتع بالشخصية المدنية والاستقلال المالي وتوضع تحت الوصاية الإدارية لوزير الأشغال العمومية.وعليه، فإن دفع المكتب بعدم اختصاص المحاكم الابتدائية والتجارية بحسب الأحوال لصالح المحاكم الإدارية غير مرتكز على أي أساس قانوني، وهو ما أكده المجلس الأعلى في قراره عدد 1111 بتاريخ 2003/4/10 المشار إليه أعلاه حيث ورد فيه: «لكن فإن المكتب الوطني للسكك الحديدية بالرغم من تمتعه بالشخصية المعنوية العامة فإن نشاطه يغلب عليه الطابع الاقتصادي ويخضع في مجال النقل لمقتضيات القانون الخاص وتكون المحاكم العادية مختصة بالنظر في دعوى تعويض الضرر الناجم عن النقل عبر السكك الحديدية وتكون مسؤوليته مدنية تطبيقا للاستثناء من اختصاص المحاكم الإدارية المنصوص عليه بمقتضى الفصل 8 من ظهير 93/9/10 بتنفيذ قانون 41-90 المحدث للمحاكم المذكورة مما لم يكن معه هناك مجال لإعمال مقتضيات الفصل 12 من الظهير المذكور وكانت معه الوسيلة غير مؤسسة».وتجدر الإشارة إلى أن دخول القانون رقم 03-52 المتعلق بتنظيم الشبكة السككية الوطنية وتدبيرها واستغلالها حيز التنفيذ، سينعكس بشكل أساسي على قواعد الاختصاص القضائي حيث سيحسم الجدل القائم حول اشكال اختصاص المحاكم الإدارية بالبت في النزاعات التي يكون طرفها المكتب الوطني للسكك الحديدية ، وهو ما يتضح من خلال المادة 6 من نفس القانون التي نصت على أن الاستغلال السككي بشقيه تدبير البنيات الأساسية السككية والاستغلال التقني والتجاري ستتولاه مقاولات تعرف بمدبري البنيات الأساسية السككية بالنسبة للشق الأول ومتعهدي النقل السككي بخصوص الشق الثاني، وأن الاستغلال السككي يعتبر نشاطا صناعيا وتجاريا يخضع للقانون التجاري وأن مدبري البنيات الأساسية السككية ومتعهدي النقل السككي تجار. بقلم: الحسين الزتوني : (باحث في العلوم القانونية)