سرقت أبوابها ونوافذها ومعداتها وأصبحت مسرحا لجرائم الاحتجاز والاغتصاب "الرجال ما بغاوش يخرجو"، كان ذلك ردا كافيا لفهم أن المشكل عمر طويلا، إلى أن أصبحت آمال الناس في حله منعدمة، فيما قفزت درجة اليأس إلى أعلى مستوياتها ولاذ المتضررون من فضيحة احتلال مؤسسة تعليمية بحي الحاج فاتح بالحي الحسني بالبيضاء، من قبل منحرفين وتحويلها إلى وكر للدعارة، بالصمت مجبرين، وحتى حين يتحدثون يقولون بغضب ""واش التلفزة وما دارت والو... العاملة جات براسها حتى لهنا وما دارت والو... المخزن كلو وما دار والو، عاد انتوما اللي جيتونا في هاذ الصهد". إنجاز: ضحى زين الدين - تصوير: (عبد اللطيف مفيق) في مدخل إحدى القاعات الدراسية تستقبلك عبارة "اللي داخل مرحبا والخارج..."، وعبارات كلمات نابية أخرى إحداها تشير بوضوح إلى أسماء فتيات على أنهن من ممتهنات الدعارة، وتعرض الخدمات التي يمكن أن يقدمنها للراغبين في الولوج إلى المؤسسة/وكر الدعارة، التي توزعت فصولها وطوابقها إلى أماكن للدعارة وأخرى لمبيت المشردين والمتسولين، وأخرى مسرح لجرائم الاغتصاب. معدات مسروقة في السوق قبل أربع سنوات أحدثت هذه المؤسسة ملحقة لمؤسسة عمر بن العاص، جهزت بالأبواب والنوافذ والسبورات والطاولات، وقبل أن تطأها أقدام التلاميذ تعرضت للسرقة، "اقتلعوا الأبواب الخشبية والحديدية، سرقوا النوافذ والطاولات والسبورات، وحتى الصنابير، باختصار نهبوا مال الدولة في واضحة النهار، دون أن تتحرك أي جهة، وكأن الأمر يتعلق بـ "مال سايب"، تسجل خديجة إحدى القاطنات في محيط المؤسسة التعليمية، قبل أن تنهي شهادتها شهادات نساء أخريات نزفت احتجاجا، بعد أن أضرب رجال الحي المتضررون عن الكلام احتجاجا على موقف السلطات السلبي ويأسا من فعالية السلطة الرابعة، خاصة بعد عدم تحرك أي جهة تفاعلا مع شكاياتهم ومع ربورتاج تلفزي بثته سابقا القناة الثانية، "تمت عمليات السرقة في واضحة النهار". بيعت المعدات والتجهيزات المدرسية في سوق "السيبة" دون أن يتم اعتقال أي متورط في العملية، ولأن لا أحد حوسب أو سئل عن هذا الفعل الإجرامي، عاد المجرمون، هذه المرة ليس لسرقة معدات لم تعد موجودة في المؤسسة التعليمية، بل لسرقة راحة وطمأنينة وأمن السكان، "لم يعد هناك ما يسرقونه، ولو كانت الجدران قابلة لذلك لفعلوا" تقول يافعة، وتضيف أنها لم تعد قادرة على الخروج نهارا دون مرافق كما جميع بنات محيط المؤسسة، "إذا لم ترافقني أمي أو أبي أو إخوتي الذكور الكبار فلن أمر من أمام المدرسة، فإن لم أتعرض للاختطاف والاحتجاز سأتعرض للتحرش الجنسي". مسرح للاغتصاب لم تكن اليافعة تبالغ وهي تتحدث عن جرائم الاغتصاب التي تجري في الوكر، بل إن جميع الشهادات تشير بوضوح إلى وقوع جرائم احتجاز واغتصاب فيها، "هذا مسرح للاغتصاب، ولطالما سمعنا صراخ فتيات منبعثا من المكان، لكن لا تستجيب السلطات الأمنية لنداءاتنا، وهي تعلم أصلا ما يجري هنا" تقول أم اليافعة، مشيرة إلى أن سكان الوكر من مشردين ومتسولين ومنحرفين وفارين من العدالة، ووسطاء الدعارة يستعينون بخدمات متسول أبكم، لحراسة المكان، وهو الشخص نفسه، الذي استخدم كل حركات الإشارة لتهديد موفدي "الصباح" بالذبح والاغتصاب، قبل أن يغادر المكان. يتقاطرون ليلا على المكان، ذكورا وإناثا، يدخلونه من بابه الواسع، ومنهم الذين يقفزون على السور الخلفي اختصارا للمسافة. الإحساس بالأمان يجعل بعضهم يستبيح الأرصفة وعتبات المنازل. كل الشهادات ناصبت العداء لوزارة التربية الوطنية، وأشارت إليها بأصابع الاتهام محملة إياها مسؤولية ما تعيشه عشرات الأسر المحاذية لملحقة عمر بن العاص، التي يعيش فيها عشرات المنحرفين والمشردين، "المشكل ليس في استقرارهم بها، بل في الجرائم التي ترتكب فيها يوميا، الاغتصاب والدعارة والسهر إلى طلوع الفجر، والتلفظ بعبارات نابية، إلى درجة أننا لم نعد قادرين على استضافة أقاربنا حرجا مما يمكن أن يسمعوه لأن العشرات من المنحرفين يحتلون المدرسة ومحيطها، ويتمددون على الأرصفة وعتبات المنازل، ليصبح الحي بأكمله، خاصة الزقاقين المحيطين بالمؤسسة في حالة طوارئ أي واحد يخرج من بيته يتعرض للاعتداء". مـنـازل مجـاورة للـبـيـع لم يعد احتلال المؤسسة التعليمية من قبل مدججين بالأسلحة البيضاء، ووسطاء دعارة الشارع، الفضيحة الوحيدة التي ضاقت بها حياة السكان المجاورين لها، بل أدى عدم تدخل أي جهة لإغلاقها أو حراستها أو حتى "تفويتها بثمن رمزي" لمنعشين عقاريين، تقول إحدى الغاضبات، إلى "تجرؤ هؤلاء على تعيين حارس لها كان سابقا يبيت في محيط المسجد، لحراستها والاعتداء على أي واحد من السكان إذا ما تجرأ على النطق بعبارة "اللهم إن هذا منكر". من بين الرجال الذين رفضوا الخروج من بيوتهم ونفض الغبار عن الشكايات التي راكموها خلال أربع سنوات، تفاقمت فيها الوضعية سوءا، شاب أصيب إصابة خطيرة في يده، بعد أن هاجمه أحد محتلي المؤسسة التعليمية بسكين من الحجم الكبير، "ما شدوهش، وراه مازال غادي جاي، وولدي تقطعات ليه العصبة ديال يديه، واش هذا حق؟" تتساءل إحدى القاطنات في محيط المؤسسة/ الوكر، وتضيف أن مجموعة من الأسر عرضت منازلها للبيع، غير أن كل المشترين يتحمسون بداية للعرض، قبل أن يكتشفوا الوكر ليولوا وجوههم إلى عروض في أماكن أخرى. "شوفي داري عندها جوج شوكات، وجردة ومساحة كبيرة، ولكن شكون غادي يشريها مني؟ اللي شاف هاذ الحالة كيهرب" تسجل مهاجرة مقيمة بالخارج، أكدت أنها تهدر عطلتها في "سير وآجي" من وإلى العمالة والقيادة والأمن و"بقا ليا غير القصر الملكي غادي نمشي ليه، حيت العاملة جات حتى لهنا وما دارت والو"، تضيف المهاجرة بغضب، قبل أن تؤكد أن السكان فكروا في بناء سور في المدخل الرئيسي، غير أن ذلك "مستحيل، لأن السور الخلفي للمؤسسة قصير ولا يمكننا جمع المال لبناء سور أطول لا ضمانة بأن المنحرفين سيثقبونه ويحدثون ثغرة للدخول". الأمل في حصاد الحلول الترقيعية التي فكر فيها السكان بعد يأسهم من تدخل السلطات، سبقهم إليها مدير مؤسسة ابتدائية مجاورة للملحقة الوكر، إذ زاد في علو سور المدرسة، لحماية تلاميذها وحماية المؤسسة التي يديرها، "أبلغت النيابة عدة مرات، والسلطات بمختلف درجاتها على علم بما يحدث، إلا أنها لم تحرك ساكنا" يخلص مدير مؤسسة تعليمية مجاورة، صبت عليه سابقا نساء الحي المسؤولية لأنه يمثل في نظرهن وزارة التربية الوطنية قبل أن يدركن أن لا علاقة له بها، "ويا ربي يسمعنا الوزير الجديد، راه زعما كان في الداخلية وعارف مشاكل الأمن" تقول شابة وهي ترفع كفيها إلى السماء لتردد بعدها النساء المحتجات "آمين...آمين".