fbpx
حوادث

قراءة في قرار المحكمة الدستورية بتعذر البت

يتعين أن تكون القوانين أو الأنظمة مستوفية للشروط وإلا فإنه يتعذر تسليط الرقابة عليها

(4/1)
بقلم:د محمد الهيني *

أثار قرار المحكمة الدستورية بتعذر البت في النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الكثير من الجدل أولا حول منطوقه وبالضبط صلاحية المحكمة في التصريح بتعذر البت وثانيا حول مدى تعسف القضاء الدستوري في نهجه من خلال ما سمي حكومة القضاة وفرض رقابة غير شرعية على المجلس الأعلى للسلطة القضائية ونظامه الداخلي وثالثا من خلال مناقشة حدود السلطة التقديرية للمجلس «السلطة التنظيمية»في وضع النظام. والواقع أن هذا اللغط أو الجدل في حقيقته مصطنع لأن قرار المحكمة كان واضحا وملتزما بصحيح الدستور والقانون، ومنسجما مع قراراته السابقة،
لأن ما كان ينقص التعليقات التي تصدت بالنقد للقرار هو تأسيسها على المرجعية الدستورية وتقاليد القضاء الدستوري لأن قرارات المحكمة الدستورية لا يمكن قراءتها بخلفية القانون
العادي أو مقارنتها بأحكام القضاء العادي، لأن لكل بيئة تربة خاصة بها وأدبياتها وخصوصيتها لاختلاف الرقابة الدستورية عن أي رقابة قضائية أخرى .

قبل التعليق على قرار المحكمة الدستورية رقم 31/17 ملف 5/17 الصادر بتاريخ 27/7/2017 في شأن فحص مدى دستورية النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية
يجدر بنا بداية الوقوف على بعض الحيثيات:
و»حيث إنه، لئن كانت مشمولات النظام الداخلي المعني قد حددت مواضيعها بمقتضى المواد 50 (الفقرة الرابعة) و52 (الفقرة الثالثة) و60 (الفقرة الأولى) و74 (الفقرة الثانية) و77 (الفقرة الأخيرة) و86 (الفقرة الثانية) من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمادة 56 (الفقرة الأولى) من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، فإن ذلك لا يحول دون تضمين النظام الداخلي أي مقتضى يهم تطبيق أو إعمال المقتضيات الواردة في القانونين التنظيميين المذكورين، وبالأخص ما يتعلق بالضوابط والإجراءات المتطلبة لوضعه وتعديله؛وحيث إن الإجراءات التي تهم وضع وتعديل النظام الداخلي، تعد قواعد شكلية جوهرية؛ وحيث إنه، بناء على ما سبق بيانه، يتعذر، على الحال، أن تبت المحكمة الدستورية  في موضوع النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بسبب عدم تضمينه الإجراءات الواجب التقيد بها أثناء وضعه وتعديله؛
لهذه الأسباب: 
تصرح بأن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، المعروض على نظرها، يتعذر على الحال، البت في مطابقته للدستور وللقانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة».
ان قراءة واعية ومتأنية للقرار موضوع التعليق تستلزم منا بحث حقيقة منطوق تعذر البت في إطار الرقابة على مدى دستورية النظام الداخلي من ناحيتي الدستور والعمل القضائي الدستوري،وشروط التصريح بها، ونطاق السلطة التقديرية التنظيمية لواضعي الأنظمة الداخلية أي مشرعيها وأخيرا مدى تأثر التصريح بتعذر البت على الأجل الأصلي للمجلس بإصدار النظام الداخلي.
وهكذا سنتوقف على حقيقة منطوق تعذر البت في إطار الرقابة على مدى دستورية النظام الداخلي من خلال النقط التالية التي سنتعرض لها تباعا
1 -تعذر البت يعني أن فحص دستورية النص سابق لأوانه
بتفحصنا للقانون التنظيمي رقم66.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية أو لفصول الدستور المرتبطة باختصاص المحكمة لا نجد أثرا لمثل هذا المنطوق، أي تعذر البت في مدى دستورية قانون عادي أو تنظيمي أو نظام داخلي، فهل هذا المنطوق يشكل شرودا عن الرقابة الدستورية سيما أن أي تشريع لا يمكنه حصر منطوقات الأحكام موضوع الخرق لتعلقه بصنعة قضائية وممارسة عملية ترتبط بالاجتهاد وتقنياته أكثر من النص وحرفياته ؟
الجواب خلاف ذلك لأن منح المشرع سواء الدستوري أو العادي للمحكمة صلاحية فحص مطابقة الدستورية-الفصلين 132و134 من الدستور والمادة 27 من القانون التنظيمي رقم 66-13 المتعلق بالمحكمة الدستورية- يعني مباشرة منحها صلاحية فحص مدى أهلية النص موضوع المراقبة للخضوع لمسطرة الفحص فالمطابقة أو عدم المطابقة هي نتيجة لنص قابل للفحص ولترتيب النتيجة، أما إذا كان النص كنازلتنا لا تتوافر فيه شروط الصحة لإخضاعه للمراقبة فيجب التصريح بتعذر البت أي أن النص المعني سابق لأوانه التصريح بالمطابقة أو عدم المطابقة بشأنه لإخلاله بشروط جوهرية لصحته وقيامه كتشريع أو تنظيم مكتمل البنيان والأركان .
والملاحظ أن تمييز المحكمة الدستورية بين الإخلالات الشكلية والجوهرية مسألة في غاية الأهمية لأنه إذا كانت الإخلالات جوهرية يصار للتصريح بتعذر البت. وإذا كانت الاخلالات ثانوية يصار إما التصريح بعدم المطابقة الجزئية أو الكلية أو بالمطابقة مع استعمال تقنية الملاحظة أو التفسير .
2 – قرار تعذر البت من صميم العمل القضائي للمحكمة الدستورية
إن تصريح المحكمة الدستورية بتعذر البت ليس شيئا جديدا على ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة في مثل هذه النوازل المتعلقة بالرقابة على دستورية الأنظمة الداخلية للمؤسسات الدستورية .
إذ سبق للمجلس الدستوري سابقا، المحكمة الدستورية، حاليا أن قرر بشأن فحص مدى دستورية النظام الداخلي لمجلس المستشارين بموجب قراره رقـم: 13/928  م. د في الملف عدد: 13/1386.رقم وتاريخ 14/11/2013 « حيث إن النظام الداخلي لمجلس المستشارين، كما وافق عليه هذا المجلس في جلسته العامة المنعقدة في 29 أكتوبر2013، المحال على المجلس الدستوري للبت في مطابقته للدستور، أبقى على 82 مادة من «النص الأصلي» للنظام الداخلي السابق دون إيراد النص الكامل لهذه المواد، مكتفيا بإعادة ترتيبها وترقيمها؛
وحيث إن الفصل 69 من الدستور يلزم كلا من مجلسي البرلمان بوضع نظامه الداخلي وإقراره بالتصويت؛ وحيث إن النظام الداخلي متكامل في مواده ومترابط في مقتضياته؛
وحيث إنه، إن كان لا شيء يحول دون احتفاظ مجلس المستشارين، في نظامه الداخلي، بعدد من مقتضيات النظام الداخلي السابق غير المتعارضة مع أحكام الدستور، فإن إحالة نظام داخلي على المجلس الدستوري، بعد دخول هذا الدستور حيز التنفيذ، في شكل تعديلات على «النص الأصلي» ودون تضمينه النص الكامل لكافة مواده، يجعل هذا النظام لم تراع في وضعه أحكام الفصل 69 من الدستور.
* رئيس المركز الدولي عدالة للاستشارات القانونية والتحكيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق