ملف الصباح

عقد ازدياد بتوقيع”بركوكش”

حل “بركوكش” محل توقيع الموظفة المكلفة بإنجاز عقود الإزدياد، بعدما لم تنتبه وهي غاضبة على إصرار مواطن على إنجاز العقد وعدم الانتظار لفترة، ولتركها تتناول وجبة الفطور الثانية “الترديدة”، فاستشاطت غضبا وهي تمده بعقد الازدياد دون إمضاء، وإنما عليه بعض حبيبات “بركوكش”، وهي تسب وتلعن اليوم الذي وظفت فيه.
هي موظفة ليست كباقي الموظفات همها الأول والأخير هو الراتب الشهري، والبحث عن مدخول إضافي من خلال بيع الألبسة التي تحضرها معها إلى المصلحة. كل مرتادي تلك المصلحة يعرفونها حق المعرفة، وقصتها مع الراتب ومستلزمات الحياة، وقصر ذات اليد، والمشاكل العائلية معروفة، والشيء نفسه بالنسبة “للترديدة”، التي تعتبرها طقسا لا يمكن التفريط فيه حتى أن زملاءها في المصلحة أصيبوا بالعدوى نفسها.
تحضر “زينب” (اسم مستعار) إلى عملها على الساعة التاسعة والربع، بجلبابها الأسود وتبدأ رحلة الشكوى والتذمر فزوجها لا يعير لها ولأبنائهما اهتماما، وعليها أن تحل محله في جميع الأمور العائلية، ثم تليها فقرة التذمر من وسائل النقل التي تتطلب منها الانتظار لأزيد من ساعة، ثم بعدها نصف ساعة للوصول إلى مقر العمل الذي تعتبر أنها تقدم تضحيات كبرى فيه، حتى لا تعطل مصالح المواطنين.
ومباشرة بعد ذلك تشرع على الساعة العاشرة صباحا بالضبط في الطقس المقدس لديها إذ يجتمع حولها عدد من الموظفين، لتناول “الترديدة” بعد أن يكون كل واحد منهم أحضر معه طبقا معينا، ليقفل باب المكتب لأزيد من نصف ساعة، وحينما يحتج أي مواطن على ذلك تتولى زينب الرد عليه “راحنا ما خدامينش عندك، شد الصف مع الناس”، وتعود لإنهاء مهمتها، وبعد ذلك تعمل على تنظيف الأطباق.
وعلى الساعــة الحادية عشـــر تشرع في العمل، والـــويل كل الويل لمن اعترض على طريقتها، فهي تقول إنها أفنت شبابها في تلك المصلحة، لكن دون أن تتلقى عرفانا، فالأجرة الشهرية لم ترتفــع قيمتها ومتطلبات الحياة تزداد يوما بعد يوم، لينخرط زملاؤها في الحديث، ويستمر الحال على ما هو عليه إلى الواحدة زوالا، تضع زينب القلم من يدها وتوقف العمل وتحمل حقيبتها وتتجه إلى المكتب المجاور الذي يحتضن مراسيم وجبة الغذاء.
فترة الغذاء تستمر لساعة أو حتى الساعتين “حسب دسمها”، وهي مقدسة أكثر من “الترديدة”، ولا يمكن الاستغناء عليها، تحت أي مسمى. يتوقف العمل في المصلحة بشكل نهائي، وكل من أراد إزعاجهم يكون نصيبه سيل من السب والشتم من زينب، التي لا تتردد حتى في تهديده بمحاولة الاعتداء مدعية أنها تعاني مرضا مزمنا، وقد يكون ذلك الخلاف سببا في حصولها على إجازة مرضية، لا تخصم من راتبها.
بعد الانتهاء من فترة الغذاء وشرب الشاي تتوجه زينب إلى مكتبها وتشرع في جمع أغراضها إيذانا منها بقرب نهاية العمل، فالساعة اقتربت من الثالثة والنصف، وعليها مغادرة العمل قبل الرابعة لكي لا تصادف الاختناق المروري.
هي رحلة يومية لموظفة يائسة من وضعها تحمل المواطن مسؤولية مشاكلها العائلية والاجتماعية.
كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق