ملف الصباح

ثلاثة أسئلة: الكتاني: غياب المحاسبة أصل المشكل

ما الذي يجعل برأيك الموظف العمومي يتعامل بسلبية بمجرد أن يحصل على الوظيفة؟
لا يجوز التعميم، فليس لجميع الموظفين، السلوك ذاته، لكن، هناك فئة خاصة، لها علاقة بطبيعة المجتمع المغربي والإدارة على حد سواء، هي من تلجأ إلى مثل هذه السلوكات. ففي بعض العائلات، عندما تعلم أن أحد أبنائها حصل على الوظيفة العمومية، فذلك يعني نهاية المشوار، وأن المشكل عرف طريقه إلى الحل، أي سيضمن أجرة شهرية، دون أن يكون مطالبا ببذل مجهودات كبيرة. هذا يعني أن الوظيفة العمومية عند هذه الفئة هي غاية، وليست وسيلة للعيش أو لضمان العيش.
هذه الصورة والتأثير العائلي تترسخ لدى الشخص منذ الصغر، وتكبر بتوالي السنوات ليعتقد بدوره أن في الوظيفة العمومية أمانا واستقرارا وضمانا للأجرة شهريا، أي أنه أقصى ما يمكن للشخص بلوغه. وبالتالي يكون لدى الشخص ما يشبه تهييئا سيكولوجيا، ليعتاد على الوضعية.
عامل ثان يساهم في الوضع، يكمن في انتظارات المجتمع، التي تحصر الوظيفة العمومية في أنها ضمان واستقرار، عكس العمل بالقطاع الخاص، الذي يظل دوما ناقصا. هذا الوسط هو نفسه الذي يعيش الموظف داخله، ويمكنه أن يتأثر به، صحيح ليس دائما، لكن نسبة كبيرة على الأقل تتأثر، وترى أنها بحصولها على الوظيفة العمومية، صارت معفية من القيام بمجهود أو الاجتهاد أو العمل، وأن القيام بأقل مجهود يكفي، فنكون أمام موظفين يعمدون إلى تزجية الوقت بمختلف الوسائل. لكن من الضروري الإشارة إلى أن الأمر لا يخص جميع القطاعات وجميع الموظفين، الذين هم ملزمون بالقيام بمجهودات مضاعفة، كما هو الحال بالنسبة إلى رجال الأمن أو أطباء المستعجلات وغيرهم، عكس بعض الوظائف، التي لا يجد العاملون بها حتى كرسيا للجلوس عليه والاشتغال بطريقة عادية.

يعني أن بيئة العمل تؤثر على الموظف العمومي، أم أن الأمر مرتبط بالأساس بنفسيته؟
في الواقع، البيئة تلعب دورا، شأنها شأن شخصية الموظف وتكوينه النفسي، لكنهما معا ليسا العامل الحاسم في ما يجري بالإدارات العمومية، لأنه في الإدارة نفسها، قد نجد موظفا يقوم بواجبه على أتم وجه، يستقبل المواطنين ويسعى إلى تمكينهم من قضاء أغراضهم، وبجانبه موظف آخر عصبي وكثير الصراخ، وآخر متكاسل، وبعد أيام نجد الموظفين أنفسهم تبادلوا الأدوار بينهم. لذا من الصعب تحديد العوامل المتسببة في هذه الوضعية بدقة، فالموظفون الثلاثة يعملون بالبيئة نفسها.
المشكل هنا، والذي أعتقد أنه السبب في الكثير من الأمور التي صرنا نعيشها هو تراجع القيم في تكوين الشخص، سيما قيم الاجتهاد والإخلاص والتفاني في العمل، التي أصبحت في اضمحلال، مقابل تنامي أفكار تسهيلية، إن صح القول، تمثل ذريعة سهلة تجعل الموظف يقنع بها نفسه ويعتبرها السبب في تهاونه مثلا في العمل، من قبيل ضعف الأجرة وغياب التحفيزات، فيما أن هذه الأفكار خاطئة، ما دام بإمكان أي شخص تقديم استقالته وتغيير عمل يرى أن ظروفه لا تلائمه.

لماذا صارت الوظيفة العمومية مرادفا للخمول وسلوكات من قبيل المحسوبية والارتشاء؟
في رأيي الشخصي، متى غابت المحاسبة والمراقبة، فهي تترك المجال واسعا لمختلف الانزلاقـــات والسلوكات المشينة، لهذا نرى مثلا الإدارات العمــومية فارغة من الموظفين، لأنهم متفقون مع رئيسهم على الغياب، ويتناوبون عليه، مـــادامـوا متأكدين من عدم محاسبتهم على ساعات العمل وما أنجزوه. وأعتقد أن دور المراقبة والمحاسبة يصبح أكثر أهمية، عندما يتعلق الأمر بأشخاص غير ناضجين نفسانيا، ويلجؤون إلى سلوكات صبيانية للتملص من أداء أدوارهم.
أجرت الحوار: هجر المغلي
(*) سعيد الشريف الكتاني (طبيب ومعالج نفساني)

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق