fbpx
حوادث

دراسة: دعوة المشرع المغربي إلى الإقرار صراحة بالقانون الكوني (الحلقة الثانية)

لسنا نجد في التاريخ شواهد على التئام فئة من الناس الأحرار المتساوين وإنشاء حكومة لهم على هذا الوجه

إذا كانت المجتمعات البشرية تختلف في أنواع القوانين التي تطبقها، وتسير بها في حياتها، فانها على العكس من ذلك تشترك كلها في ضرورة السير بمقتضى قانون معين، لأنه لا يتصور مطلقا أن يعيش مجتمع ما بدون قانون.

يكفي الاطلاع على ديباجة تشريع ((أمقـــن)) لمجتمع أيت وادريم المؤرخ سنة 1811 ميلادية، لإدراك مدى مطابقة أفكار هذا التشريع مع روح فكرة جون لوك الآنفة الذكر.
وهذا هو نص الديباجـة:
(الحمد لله وحده وعلى الله وسلم على سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلاة تدوم بدوام جودك وعطفك وعلى آله وصحبه الكرام، ومن تبعهم باحسان الى يوم لقائك يا رحمان الرحيم.
فبحول الله وقوته وتوفيقه عقدنا عقدا ومؤاخاة ومسالمة ومشاركة ومتابعة بين بني وادريم من حد أقطار القبيلة، ومن انتسب اليها، وانضاف إليها، وانتصر لأربابها، عقدا يوجب لهم حفظ الدماء والأموال والأعراض، ويوجب رجوع كل شارد إلى وطنه بلطف الله وشفقته على عباده الضعفاء، وأن يقبض الأعيان القريب والبعيد والجانب والأخ بيد واحدة، ويوجب بحول الله أن يكون الجميع يدا واحدة، يتواصلون، ويتزاورون، ويتراحمون ويتوامنون، ويتشاورون في محدثاتهم، ويسلكون في مشورتهم الأصلح، ويتصابرون، ويتواصون على الفلاح، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويثوبون ويندمون على ما سلف أن صدر منهم من الكبائر والسيئات وقبائح المنكر، ويتعاونون في أمور دينهم ودنياهم على أن يكون اعتماد أمور القبيلة في يد الله ويد أعيانها الآتي أسماؤهم، واتفق رأيهم على ما سيذكر من الإنصاف (العقوبات) في كل حادثة، لا قديم إلا الله، وعلى ذلك يكون عرفهم وعرف أعقابهم إن شاء الله، ويكون الإنصاف الآتي على الأثلاث الثلث للمصالح، والثلثان للأعيان، فالله يجعل البركة في رأيهم).
لكن إن كان الفيلسوف لوك، قد برهن منطقيا على أن العقل والقانون الطبيعي المنقوش فيه، هما الأصل في تكوين الكيانات السياسية الشرعية، فقد  ذكر أنه ووجه من طرف منتقديه  باعتراضين  يؤكدون له  بهما ما يلي:
1) – لسنا نجد في التاريخ شواهد على التئام فئة من الناس الأحرار المتساوين، وإنشاء حكومة لهم على هذا الوجه.
2) – يستحيل شرعا أن يفعل الناس ذلك لأن البشر إنما يولدون في ظل حكومة ما، فوجب عليهم الخضوع لها، ولم يكن لهم الحرية في إنشاء حكومة جديدة.
وهكذا ففي هذا التاريخ أي ما بين 1632 و1704 الذي عاش فيه لوك، والذي كان يدور فيه هذا النقاش السياسي في أوربا، كان المغرب ما يزال يعج بتلك الكيانات السياسية الشرعية ، التي ارتكزت في التئامها على الحرية والمساواة والإرادة الحرة، وعلى القانون الكوني المنقوش في العقل، ولكن تخلف علم السياسة  وفلسفة الحق في بلادنا آنذاك، أدى مع الأسف إلى عدم إدراك القيمة العلمية والتاريخية التي تمثلها تلك الكيانات، باعتبارها نماذج أصلية نادرة في العالم، للمجتمعات المدنية والسياسية الحقيقية، التي لم تخلقها إرادة فرد معين لما يملكه من قوة روحية أو مادية، بل خلقها عقد اجتماعي سياسي رضائي، أساسه الإرادة الحرة، والعقل وما يحويه من مبادئ القانون الكوني كما بينت ذلك من قبل في مقالة (الأصل المشترك لنظامي التشريع السياسي الأمازيغي والأمريكي).
رغم وحدة الشرع الإسلامي، فمن المعلوم أن الدول الإسلامية كانت مختلفة حوله، تتوزعها مذاهب فقهية شتى. لكن إن كانت هذه المذاهب مختلفة في آرائها وتوجهاتها، فمن الملاحظ  انها تتفق كلها على استبعاد القانون الكوني، وعدم اعترافها به كقانون مستقل قائم بذاته.
وتجدر الاشارة هنا أنني اقصد الفقه الإسلامي التقليدي، المعروف قبل تعرض العالم الإسلامي  للإستعمار الأوربي في العصر الراهن، وتأثر الفقهاء المسلمين بثقافته الحديثة. وأكيد أن السر في هذا الاستبعاد  يرجع لا محالة إلى اعتبار الشرع الإسلامي هو المصدر الوحيد للأحكام، ولكل القوانين التنظيمية.
فالفقه الإسلامي  يعتبر هذا الشرع  مستقلا في وجوده، وفي مصادره، كاملا، مكتف بذاته، غير محتاج لغيره. ومن هنا لما كانت أحكام القانون الكوني وقواعده، تستمد كلها من العقل المحض وحده ، بعيدا عن التقيد  بأي دين  كيفما كان، فقد استبعده الفقه الإسلامي، ولم يعترف به  كمصدر مستقل  من مصادر القانون، كما استبعد ايضا فكر المعتزلة الذي كان يقول بقدرة العقل على استنباط  الأحكام الشرعية دون حاجة الى تاييدها بالكناب والسنة، كما ورد ذلك في كتاب “نظرية المقاصد عند الامام الشاطبي”. وهذه النظرة الكمالية للشرع الإسلامي هي التي جعلت الفقهاء  لم يهتموا بغيره من الثرات القانوني العالمي، سواء كان مصدر هذا التراث عقليا أو نقليا أو روحيا وبالتالي لم يقوموا بترجمة  أي اثر من آثار هذا الفكر.

بقلم:  الصافي مومن علي: (محام بالدار البيضاء)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى