fbpx
الصباح الـتـربـوي

الخصاص البشري ينسف البرنامج الاستعجالي

اكتظاظ مهول يعوق الارتقاء بالجودة وقلة المؤطرين تحول دون تتبع أثر التكوين في الممارسة اليومية

تواجه أغلب مشاريع البرنامج الاستعجالي صعوبات حقيقية في طريق تفعيلها ومن تم إنجاحها. وتتراوح هذه الاكراهات، الموضوعية والذاتية، بين ما هو بنيوي ومزمن وطارئ، وبين ما هو ذي طبيعة مادية أو بشرية. وفي مقدمة الصعوبات التي تحول دون التنفيذ الأمثل لمشاريع المجالات الأربعة التي يشتمل عليها المخطط الاستعجالي إشكالية العنصر البشري، وتحديدا ظاهرة الخصاص التي لم تنج منها حتى الأكاديميات والنيابات التي كانت بالأمس القريب تتوفر على احتياطي كبير من المدرسين.
واللافت لانتباه العديد من المهتمين بالقطاع المدرسي، هو أن البرنامج الاستعجالي نفسه، يلح على معالجة الاشكالات الأفقية للمنظومة التربوية، وذلك في المجال الرابع الذي يروم ترشيد تدبير الموارد البشرية وتدبيرها اللامتمركز، وتعزيز التدبير التوقعي لتلك الموارد، ودعم الأطر التربوية وتمكينها من تأطير جيد وإرساء حكامة مسؤولة. وهو ما معناه أن البرنامج الاستعجالي، بعبارة أخرى، جعل الموارد البشرية إحدى أهم المرتكزات لتحقيق أهدافه المتمثلة في تنزيل وأجرأة المشاريع الأربعة والعشرين المضمنة في مجالات التدخل الأربعة.
ويبدو، حسب عدد من المتتبعين، وكأن بعض مشاريع البرنامج الاستعجالي التي تتوقف على مساهمة هيآت التدريس والتأطير تحمل في طياتها بذور فشلها، في الوقت الذي كان ينبغي تلقيحها بجرعات تضمن لها عوامل النجاح، ويعطون أمثلة حية في الواقع الميداني. فهذا مفتش تربوي من أكاديمية جهة الدار البيضاء يتساءل «كيف أستطيع مصاحبة وتتبع آثار التكوين في الممارسات اليومية للمدرسين وأنا أسهر على تأطير أزيد من 400 أستاذ؟، وإذ تجاوزنا إشكالية العدد خلال السنة الدراسية بكاملها، فهل أقدر على مصاحبة هؤلاء الأربعمائة استاذ أو ما يزيد خلال أسبوعي الادماج؟ وهل يمكن الاجتماع بهم خلال يوم واحد قبل الشروع في تدبير أسبوعي الادماج؟ وبالتالي ما مصير بيداغوجيا الادماج وما حظها من النجاح إذا كان التتبع ومصاحبة المؤطر للأستاذ هي أهم حلقة في العملية التكوينية بكاملها؟».
والأسئلة نفسها يطرحها المديرون، خصوصا أمام الرهانات المطروحة في ما يتعلق بالارتقاء بجودة التعليم، وكمثال ما يبديه مديرو التعليم الابتدائي بخصوص «جيل مدرسة النجاح» من تحفظات على ضمان «نجاح» هذا المشروع في ظل الاكتظاظ المفروض بواقع ضم الاقسام من أجل سد الخصاص، وهكذا، كما يقول مدير مدرسة ابتدائية بنيابة ابن امسيك بالدار البيضاء، «انتفت إحدى مواصفات أقسام «جيل مدرسة النجاح» المتمثلة في الفصول المخفضة التي لم تكن تتعدى 30 تلميذا في الموسم الماضي، وتبعا لذلك سينتقي قدر كبير من حظوظ نجاح هذه التجربة خلال الموسم الدراسي الجاري».
وإذا كانت جهات داخل الوزارة الوصية تبرر الخصاص في أطر التدريس باتساع العرض التربوي، وتزايد الطلب على التمدرس وخدمات المدرسة العمومية، والذي لم تستطع الجهود الحكومية أن تستجيب إليه عبر توفير مناصب الشغل الكافية لتغطية هذا الخصاص، فإن هناك اختلالات في تدبير الموارد البشرية على مستوى الأكاديميات الجهوية تنضاف لتزيد طين الخصاص في الأساتذة والمؤطرين بلة، ليتحول «التدبير اللامتمركز للموارد البشرية في أفق ترشيدها وتعزيز التدبير التوقعي لتلك الموارد» الذي يتحدث عنه المجال الرابع ضمن البرنامج الاستعجالي، في ظل الخصاص الفظيع مجرد عمليات ترقيعية تدبر ما هو يومي تحت هاجس «لا قسم بدون أستاذ، ولو فاق عدد التلاميذ الخمسين أو الستين»، وإذا أضيفت إليها الضغوطات من هنا وهناك، والتلويحات بالتصعيد من قبل النقابات فالنتيجة لا تكون سوى ارتباك وتدارك أخطاء بأفدح منها وصولا إلى نسف المشاريع الإصلاحية وفي مقدمتها مشروع تأمين الزمن المدرسي.
ففي جهة الدار البيضاء، على سبيل الاستشهاد، قلبت في بداية أكتوبر الماضي، تهديدات نقابية تعليمية بخوض إضرابات، الحياة المدرسية بثلاث نيابات رأسا على عقب، إذ اضطرت نيابة الفداء درب السلطان إلى إرجاع 51 أستاذا شملتهم عملية إعادة الانتشار تحت ضغط تهديدات بخوض إضرابات على التدبير السيئ لهذه العملية منذ بدايتها، إذ أعفي بعض المدرسين وألزم آخرون بها سبق أن شملتهم العملية في الموسم الدراسي السابق.
وكانت مصادر مطلعة وصفت القرار ب”أخطاء” ارتكبت منذ البداية، ما اضطرها اليوم إلى ارتكاب أخطاء أفظع منها لامتصاص غضب النقابيين بإرجاع الأساتذة وتنظيم عملية إعادة انتشار جديدة، وذلك بسحب أساتذة من أقسامهم وتعويضهم بآخرين، وهي عمليات تتطلب وقتا وتدبيرا جديدا، وتكلف هدرا لحصص التلاميذ وإدخالهم في دوامة انتظار استكمال الإجراءات الإدارية قبل الشروع في الدراسة، ما يعني أن الزمن المدرسي في المدارس المعنية بهذا القرار لم يبدأ فعليا إلا في 25 أكتوبر الجاري عوض 16 شتنبر الماضي.
وعزت المصادر نفسها التبعات الخطيرة لهذا الارتجال، إلى المذكرة الجهوية التي نصت على إجراء عمليات سد الخصاص بكل نيابة على حدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل من شملته عملية سد الخصاص خلال الموسم الدراسي السابق، سواء كان ذلك داخل أو خارج النيابة يرتب وتسند إليه الحصة الكاملة أن تطبيق المذكرة أدى إلى إشعال فتيل الاحتجاجات النقابية و”حاولت الأكاديمية إطفاءها عبر إلغاء العملية برمتها وما يعنيه ذلك من عدم استقرار بنية أطر التمدرس في نيابات الفداء والنواصر والحي الحسني ومغادرة أساتذة انطلقوا فعليا في تدريس تلاميذهم منذ حوالي أسبوعين، ليجد المفتشون والمديرون أنفسهم يواجهون مرة أخرى عملية إعادة إسناد الأقسام والتنظيم التربوي من جديد”، وهي العوامل التي ستسبب، ولو نسبيا، في إفشال عدد من مشاريع البرنامج الاستعجالي.
عبدالكريم مفضال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى