الأولى

مارسيل خليفة ينشد للحب والأرض والصيادين بابن امسيك

الفنان اللبناني الملتزم يشعل فضاء إفريقيا بـ”منتصب القامة” و”يا بحرية” و”جواز السفر”

لم يحن، هذه المرة، إلى خبز أمه وقهوتها الساخنة في صباحات الجنوب، مثلما لم تسافر إغفاءة العينين بين دروب «رتا» وعيون «لينا النابلسي»، ولم تغرد «عصافير الجليل» لـ«رفاق كوبا الأبية»، ربما لأن «نسيم الروح» كان أشد وقعا هذا المساء، على مارسيل خليفة من «وعود العاصفة» كلها. مثل راهب متلحف ببياض وسمو، أطل الفنان اللبناني الملتزم، ليلة أول أمس (الأربعاء) بابن امسيك بالدار البيضاء على عشاقه ومحبيه و»مجنونيه» أيضا، في إطار فعاليات الدورة السابعة لمهرجان الدار البيضاء، وخلفه وبجانبه أعضاء فرقة موسيقية نقية ومتألقة اسمها «الميادين»، ما زالت تنحت من صخر من أجل أفق فني مفتوح على الإنسانية دون حدود أو جغرافيات، أو ألوان ولغات عدا مفردات الموسيقى العابرة لمعاجم الروح، لذلك كان لا بد أن يكون منصور الحلاج فاتحة البوح، حين توسل، وقد اشتد به الوجد، إلى «نسيم الروح» ليقول للرشـا..»لم يزدني الـورْدُ إلا عطشـا..لي حبيب حبه وسط الحشـا..إن يشا يمشي على خدي مشا..روحه روحي وروحي روحه..إن يشا شئت وإن شئتُ يشا».
النسيم وحده يعود بمارسيل إلى المغرب لـ«المرة الألف»، لأنه لا يستطيع غير ذلك، رغم أنه كتب، قبل أيام، ما يشبه الغضب في رسالة مفتوحة إلى الحاكم العربي يعلن انحيازه المطلق والإنساني إلى هبات الشعوب العربية ضد الاستبداد ومن أجل الكرامة والحرية: «أَنَا مِنْهُمْ وَفِيهِمْ. لاَ أُبَارِحُهُمْ. دَمِي دَمُهُمْ، صَوْتِي صَوْتُهُمْ، مَصِيرِي مَصِيرُهُمْ… أَشْعُرُ بِأَنَّ كُلَّ رَصَاصَةٍ تُطْلَقُ عَلَى شَابٍّ مُتَظَاهِرٍ، إِنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى صَدْرِي، وَكُلّ هرَاوَةٍ تُهَشِّمُ عِظَامَ طِفْلٍ تَنْهَالُ عَلَى جِسْمِي».
ونزولا إلى هذا المقام من الإحساس، الذي تدفق نقيا في رسالة اعتذار إلى منظمي «مهرجان الربيع بالبحرين»، أعلن مارسيل موقفا صارما بعدم المشاركة في المهرجانات الفنية والثقافية لحاكمين وطغاة يقتلون أطفالهم وشبابهم وكهولهم بدم بارد وينسحبون إلى الغناء والرقص على جثثهم بــ»أنخاب جديدة وأقواس قــــزح».
لكن، لسبب ما لا يعرفه غير مارسيل و»الميادين»، يبدو الأمر مختلفا هنا في المغرب، حيث يدرك أن ثمة أغنية رائعة مازالت معلقة في البال يجب أن تحكى بالطريقة التي تليق بها، إذ يسافر اللحن من الخليج إلى المحيط، ومن المحيط إلى الخليج، يشد على الجرح، كي ننتصب جميعا في المعنى والألم، وتنشد أميمة الخليل، في صمت جنائزي فرضه صوتها المخملي على فضاء إفريقيا ابن امسيك، «كي أحبك أكثر»، وتفرض على مارسيل الاختباء خلف قبضة عوده بانتشاء، كأنما يسترق لها السمع لأول مرة.
البهاء، إنه الوصف الأقرب لحالة التوحد مع «منتصب القامة» التي صدح بها مارسيل عاليا، ومعه جمهور الدار البيضاء الذي جاء بكثافة لمتابعة سهرته الأولى في إطار المهرجان. ولأنه يعرف أن الأغنية تعتبر أحد مفاتيح عشاقه في المغرب، ظل مارسيل يفرض حالات من الإيقاع الخاص على فرقته حتى تنصت أكثر إلى الحناجر التي صدحت، ما بعد منتصف الليل، «قلبي قمر أحمر، قلبي بستان، فيه العوسج وفيه الريحان»، وحين وصل اللحن إلى مداه، وضع مارسيل يده إلى ظهر عوده وسافر بعيدا في الفرح والحلم، وهو يستدل من ملامحه البيضاء ابتسامة مشرعة على مواكب العابرين.
بعد أغنية «جواز السفر»، التي حولها ابنه رامي إلى «فوضى موسيقية منظمة»، وهو يعزف بطريقته المبهرة على آلة البيانو، ودع مارسيل جمهور ابن امسيك على مواويل الصيادين وهم يمخرون أمواجا من حياة..ضاربا موعدا آخر في سيدي البرنوصي.

يوسف الساكت

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق