ركائز النظام... جهاز أمني ومستشارون غامضون قبل حوالي سنتين، تحديدا في أكتوبر 2009، صدر كتاب "حاكمة قرطاج" لمؤلفيه نيكولا بو، وكاترين غراسييه، الذي أثار زوبعة حقيقية في بلد كان يعيش آخر أيامه قبل الثورة التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي. الكتاب الذي يكشف الوجه العاري لتونس بن علي، شكل فضيحة للأسرة الحاكمة، آنذاك، إذ أزال اللثام عن ممارساتها اللاأخلاقية واللاقانونية، وتجاوزاتها التي كسرت كل القيود. وفاقت كل التصورات، من أجل بسط هيمنتها على بلد، كان الكل يعتقد أنه يعيش وضعا اقتصاديا وسياسيا يحسد عليه، قبل أن تنكشف الحقيقة وينهار النظام في ساعات. الكتاب أثار لدى صدوره، ضجة كبيرة في تونس، إذ حاولت ليلى الطرابلسي، زوجة الرئيس المخلوع زين الدين بن علي، منع صدوره، وطلبت ذلك رسميا من المحكمة العليا بباريس، بحجة أنه يتضمن مغالطات، وسبا، وقذفا في حقها وحق أسرتها. لكن محاولاتها ذهبت سدى، بل حكم عليها بدفع غرامة مالية بقيمة 1500 أورو، لدار النشر التي تولت إصدار الكتاب، في الوقت الذي منعت السلطات التونسية، زمن بنعلي، دخول الكتاب إلى تونس. ويسلط "حاكم قرطاج" الضوء على الواقع السياسي والاقتصادي لتونس زمن بن علي، الذي يختلط فيه السياسي بالاقتصادي، ويُظهر بمعطيات ووقائع كيف أن زوجة الرئيس التونسي المخلوع سعت بقوة ودونما قيود إلى بسط سيطرتها على الاقتصاد الوطني التونسي، بطرق ملتوية، تعكس حجم الفساد الذي جثم طويلا على "سنغفورة" شمال إفريقيا، قبل أن تنكشف الحقيقة، ويتهاوى صرح النظام السابق."الصباح" تتناول فترات مثيرة من حياة ليلى الطرابلسي، في ظل استمرار تفاعلات أحداث تونس في الساحة التونسية والعربية بشكل عام. إن السلطة التنفيذية الموازية التي أحدثها بن علي وزوجته، تستند، كذلك، على العديد من المستشارين في رئاسة الجمهورية، وعددهم حوالي 40 مستشارا، وهو ما جعل تونس تضم أكبر عدد من المستشارين الرئاسيين بالمتر المربع، وبدونهم، لن يعطي البلد الانطباع بأن شؤونه تُدبر بشكل صحيح. إنهم يشتغلون في شكل حكومة موازية، مختزلين دور أعضاء الحكومة في الظهور في أنشطة الحكومة في الأخبار التلفزيونية، التي تنقل كل أربعاء صور مجلس الوزراء. إنهم يسلمون لأعضاء الحكومة كل صباح البرنامج الذي يتعين الالتزام به، ويحددون جدول أعمال مجلس الوزراء.ورغم الدور البارز والفعال لهؤلاء المستشارين في تدبير شؤون البلاد، إلا أن أسماءهم، كما وجوههم تظل، في غالبية الأحيان، مجهولة لدى الجمهور العريض من التونسيين. وأكثرهم مثارا للخوف، هم الكولونيل محسن رحيم، المدير العام للبروتوكول الرئاسي، والجنرال علي السرياطي، مدير الأمن الرئاسي، والطاهر فلوس الرفاعي، المدير العام بوزارة الداخلية، المعروف بلقب "الشرير الأسود" من طرف منتقديه. وبصفته مديرا للتعاون الدولي والعلاقات الخارجية بوزارته، كان مكلفا لمراقبة المعارضين المقيمين بالخارج. إن دائرة مستشاري الرئاسة كانت تضم، أيضا، في سنة 2009 طبيبين مؤثرين. الأول هو هادي مهني، وزير الداخلية، سابقا، والكاتب العام للتجمع الدستوري الديمقراطي، وهو الذي كان المرشح الأبرز والأوفر حظا لخلافة عبد العزيز بن دهية، المستشار القوي، الذي تراجع دوره بقوة منذ الأزمة القلبية التي تعرض لها، والثاني هو محمد كديش، المتخصص في أمراض القلب والشرايين، والطبيب الشخصي لبن علي، وتقلد مسؤوليات مختلفة، إذ شغل موقع عضو اللجنة المركزية للتجمع الدستوري، وعمدة مدينة الحمامات، ومستشار لدى رئيس الجمهورية، دون أن ننسى رتبة لواء.لكن من المؤكد أن بقاء بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي، في الحكم، طيلة السنوات التي مضت، لم يكن ممكنا بدون الاعتماد على الحماية التي يوفرها الجهاز الأمني المكلف بتفكيك المؤامرات داخل النظام، وإحكام القبضة الحديدية على المجتمع المدني. وكان زين العابدين بن علي، طيلة مساره المهني، سيدا في ممارسة المهام البوليسية والاستخباراتية، سواء المهام النبيلة أو الدنيئة. فقد خضع لتكوين استغرق حوالي عشرين شهرا بالمدرسة العسكرية العليا للاستخبارات والأمن بـ"بالتيمور"، بالولايات المتحدة الأمريكية. وبعد عودته إلى تونس، أصبح قائدا وتم تعيينه مديرا مساعدا، ثم مديرا للأمن العسكري. وبعد "منفى" سياسي باعتباره ملحقا عسكريا في سفارة تونس بالمغرب، أصبح بن علي، الذي ترقى، خلال هذه الفترة، إلى رتبة كولونيل، مديرا عاما للأمن الوطني في نهاية سنة 1970.هذا التعيين حوله إلى "بوليس ممتاز" ظل يسكن روحه، رغم مروره بمنعطف مؤقت، خلال فترة بداية الثمانينات من القرن الماضي، إذ عُين سفيرا في بولونيا. لكنه عاد مجددا إلى منصبه السابق في 29 يناير 1984 على رأس إدارة الأمن الوطني، قبل أن يترقى إلى منصب كاتب دولة، ثم وزيرا للداخلية في 1986، ووزيرا أول في أكتوبر من سنة 1987.وواصل زين العابدين بن علي، اعتماده على وزارة الداخلية، التي تشكل عصب الجهاز الأمني. أم الوزارات هذه، تُشغل 145 ألف رجل أمن، لأزيد قليلا من 10 ملايين تونسي، وتتكون، أساسا، من مديريتين عامتين، والشرطة، والأمن الوطني. الأخيرة تضم الفروع الخاصة المرتبطة بمديرية مراقبة التراب الوطني، والاستعلامات العامة، والمصالح التقنية المناهضة للتجسس، والتوثيق، ومديرية العلاقات الخارجية، والنسور السوداء. أما في ما يخص الشرطة، فإن مجالات تدخلها لا تخرج عن دائرة الشؤون العامة، وحركة السير.وتجدر الإشارة إلى أن بعض المجالات، لا يكون المستوى العالي للكفاءات داخل الجهاز الأمني أمرا مطلوبا أو يحتاج إلى دليل، مثل ما هو عليه الأمر بالنسبة إلى مراقبة الشبكة العنكبوتية، التي كان بن علي يعتبرها خطرا حقيقيا، وهو ما جعله لا يتردد في تعبئة 600 شرطي بضواحي تونس، لممارسة الرقابة على كل ما يمر عبر الأنترنيت، وهو ما أشارت إليه منظمة مراسلون بلا حدود، في سنة 2005 ، حينما أكدت أن بن علي وضع نظاما جد فعال لمراقبة الأنترنيت، علما أن أسرته هي التي تحتكر استغلال الشبكة العنكبوتية. جمال بورفيسي