fbpx
ملف الصباح

عنبي: من “راس الدرب” إلى القسم

* عبد الرحيم عنبي
* عبد الرحيم عنبي

المدرس يواجه ضغطا متزايدا بسبب تجميد الأجور والاكتظاظ

قال عبد الرحيم عنبي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن زهر بأكادير، إن عدة عوامل ساهمت في إنتاج فئة معلمين منحرفين، ضمنها هشاشة التكوين واعتبار المهنة ملجأ للعاطلين، مضيفا أن تخلي الأحزاب السياسية والجمعيات والأسرة عن أدوارها في التأطير، ساهم في صناعة معلمين غير مؤطرين ينتقلون مباشرة من “راس الدرب” إلى المدرسة. في ما يلي نص الحوار:

< ما هي أهم التحولات الاجتماعية التي أنتجت معلمين منحرفين سلوكيا، ويفرغون انحرافاتهم في فضاء المدرسة، في شكل قوالب العنف والاستغلال الجنسي والإدمان وغيرها؟

< ما يجب أن نشير إليه بداية هو أن الوافدين على قطاع التعليم في السابق، كانوا مؤهلين، إضافة إلى أن نسبة النمو الديمغرافي في المغرب كانت ضعيفة، زد على ذلك أن المناصب في مجموعة من القطاعات كانت متوفرة، لذلك كان حب المهنة هو الدافع إلى اختيارها، فمن كانوا يحبون التعليم هم من اشتغلوا فيه بأريحية وضمير. أما في الوقت الراهن، فالواقع اختلف كثيرا نتيجة ما أملته سياسة التقويم الهيكلي على المغرب، ليتحول التعليم من رسالة إلى ملجأ يقتحمه الهاربون من البطالة، ومن مشاكل الجامعة، وبذلك ينتقل التلميذ من الباكلوريا مباشرة إلى التكوين ليصبح معلما، يحمل معه كل انحرافاته وسلوكاته بما هو إيجابي وسلبي فيها مباشرة إلى القسم.

الجانب الثاني يتعلق بالتعقيدات الكبيرة التي أصبحت تتحكم في المجتمع، حولته إلى تركيبة مشحونة بالعنف، وهذه نتيجة متوقعة لسياسات اجتماعية لم تواكب التحولات الحاصلة في المجتمع. بالنسبة إلى العنف في المدرسة سواء اللفظي أو الجسدي، يجب الإشارة إلى أن الضرب أصبح أداة للتعليم، لأنه كان كذلك في البيت وفي الشارع، غير أنه اليوم تحول إلى عنف زنقوي، ونقل معه سلوكات انحرافية أكثر خطورة، من قبل التعاطي للمخدرات في القسم من قبل بعض الأساتذة والاستغلال الجنسي وابتزاز الأسر ماليا، وغيرها من السلوكات الانحرافية النابعة من الشارع.

< وما هي العوامل التي ساهمت في انتقال هذه السلوكات من الشارع إلى الفضاء المدرسي؟

< أول عامل هو أن عددا من الممارسين في قطاع التعليم لم يفدوا عليه لأداء رسالة نبيلة، بل دخلوا إلى الميدان باعتباره منقذا من البطالة. فالشاب الذي كان، مثلا يدرس في الباكلوريا، وهو مدمن على المخدرات، يجد في انتظاره أبواب مراكز تكوين الأساتذة مفتوحة، فينتقل من “راس الدرب” مباشرة إلى القسم، حاملا معه سلوكاته الانحرافية واضطراباته النفسية، وهو بذلك ينقل سلوكاته من الشارع إلى فضاء المدرسة. وهنا يجب أن ننبه إلى مسألة أخرى وهي التكوين الهش الذي تخضع إليه هذه الفئة، إذ لا يتم التركيز على الجانب البداغوجي والنفسي، انطلاقا من أن 50 في المائة اليوم من المغاربة يعانون أمراضا نفسية، فتكوين الأساتذة بنظري يجب أن يأخذ مثل هذه المعطيات الدقيقة بعين الاعتبار لإعادة تكوين الأطر في هذا الاتجاه.

العامل الثاني يتعلق بالضغط الكبير الذي تواجهه هذه الفئة، فالمعلم يجد نفسه اليوم تحت رحمة عدة مطارق أولها تجميد الأجور لعدة سنوات، ثانيها الاكتظاظ الكبير داخل الفصول الدراسية، هذا عدا الاضطرابات النفسية التي ينقلها معه من المجتمع إلى المدرسة، لذلك يتعرض المعلم للاكتئاب والتوتر. وهذا ليس سببا لشرعنة سلوكات بعض المعلمين، ولكنه من العوامل التي تساهم في ظهور هذه الفئة من المؤطرين المنحرفين.

< ألم يساهم بنظرك تخلي الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني عن أدوارهم في تأطير المجتمع بجميع شرائحه خاصة الشباب في إنتاج هذه الفئة من المعلمين؟

< صحيح، لأننا إذا قارنا اليوم الشاب البالغ من العمر 18 سنة بشاب في العمر نفسه في سنوات السبعينات سنجد فرقا مهولا، الأخير كان مؤطرا يناقش في مرحلة الإعدادي والثانوي قضايا كبرى يعجز اليوم طالب الجامعة عن مناقشتها. لأن دور الشباب في تلك الفترة ساهمت في خلق جيل شباب مؤطر، كما هو الحال الأحزاب السياسية، وشبيباتها، وجمعيات المجتمع المدني. كما أن النجاح في الامتحانات الإشهادية لتلك السنوات كان صعبا، وكان التلميذ يقضي سنوات في الشهادة الابتدائية وكذلك في الباكلوريا ولا يحصل عليها إلا إذا كان مؤهلا بالفعل. أما إذا عدنا إلى الخارطة المدرسية اليوم سنجد أنها تشمل تلاميذ ليس لهم أي مستوى معرفي.

وينبغي الإشارة بوضوح إلى أن الأحزاب اليوم اختزلت همومها في الوصول إلى السلطة وأبانت على أنها لا تملك أي إستراتيجية لبناء مجتمع قوي، أما جمعيات المجتمع المدني فتحولت إلى مقاولات تقوم بأدوار الحكومة تصرف لها الملايير من المال العام وتصرفه دون محاسبة. لذلك تحولت من دور التأطير والتواصل مع الشباب إلى التسابق في سوق التنمية.

والخطير اليوم أن دور التأطير تحول إلى المواقع الاجتماعية، فهي التي تلعب هذا الدور اليوم، بل حتى الأسر تنازلت عن هذه المهمة، وهذا خطير ويقودنا مباشرة إلى خلاصة أن النظم الاجتماعية تخلت عن دورها وتركته للأنترنيت. ولمناسبة ذكر الأنترنيت والتكنولوجيا، نلاحظ اليوم أن الأحزاب لم تواكب سرعة التحولات الاجتماعية التي فرضتها هذه الوسائط، ليصل الفارق بينها وبين الوتيرة التي يسير بها المجتمع إلى 40 سنة، أي أن المجتمع أفلت من يدي السياسيين وانطلق بسرعة مخلفا وراءه الأحزاب.

أجرت الحوار: ضحى زين الدين

* أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن زهر بأكادير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى