علال يكسر صمته ويكشف لـ"الصباح" أسرار المجموعة الأسطورية لقبه الكثيرون ب"الفنان الصامت" الذي لم يكن ينطق إلا من خلال أنامله وهي تداعب آلة "البانجو"، التي كان يروضها كما يشاء. علال يعلى اسم بثقل المجموعة الأسطورية "ناس الغيوان" التي كان أحد مؤسسيها، وحمل على كتفيه وبين أنامله مسؤولية ضبط ألحانها موسيقيا وإيقاعيا ومقاميا. ظل ينأى بنفسه عن الحديث إلى وسائل الإعلام طيلة سنوات طويلة، واعتزل صراعات وفتن المجموعات الغنائية، كما آثر الصمت والإدلاء بشهادته بخصوص العديد من القضايا المتعلقة بمسار المجموعة الأشهر في تاريخ المغرب. في هذا الحوار الذي خص به علال "الصباح" يكشف عن أسرار تشكيل "ناس الغيوان" وحدود مساهمة كل عضو في تكوين ملامح تجربتها الفنية، كما يتوقف عند المحطات المفصلية في مسارها خاصة ما يتعلق بانفصال بعض أفرادها وأسباب ذلك، كما يكشف عن سبب انفصاله هو نفسه، وأشياء أخرى تجدونها ضمن هذا الحوار.الذي يعد أول خروج إعلامي لهذا الفنان على صفحات جريدة. < ماذا يمكن أن تقول لنا بشأن بداياتك الفنية وتكوينك الموسيقي؟ < تكويني في الموسيقى عصامي محض، إذ بعد حصولي على الشهادة الابتدائية نهاية الخمسينات، كنت أحاول العزف على مجموعة من الآلات الوترية المصنوعة بشكل بدائي، كما كان شقيقي يتوفر على آلة عود كنت أحاول تعلم العزف عليها في غيابه، وأعتمد على أذنيّ في توقيع النغمات على أوتارها، إلى أن أتيحت لي سنة 1961 فرصة الحصول على كتاب بعنوان «الموسيقى النظرية» لسليم الحلو ، تعلمت منه كيفية تمييز المقامات الموسيقية كما تعلمت الصولفيج وتدوين وقراءة النوتة بشكل عصامي، إلى أن أسست ناديا صغيرا سنة 1964 لتعليم الموسيقى تخرج منه موسيقيون عززوا العديد من الأجواق والفرق الموسيقية الكبيرة، واستمر هذا النادي إلى السنوات الأخيرة قبل أن يتحول حاليا إلى نادي لتعليم الخياطة تشرف عليه ابنتي «الموسيقى ما بقا فيها ما يدّار» (ضاحكا). < وكيف «احترفت» الموسيقى؟ < الطريف أن احترافي الموسيقى كان من خلال الأغنية العصرية، إذ التحقت سنة 1968 بفرقة موسيقية بمكناس تابعة للجوق الجهوي للإذاعة الذي كان يشرف عليه الملحن محمد بنعبد السلام، وخلال الفترات التي كنت أعود فيها إلى البيضاء كان بوجميع يقترح علي الانضمام إلى فرقة غنائية حديثة العهد، فكنت أجيبه «منين تقادّو أموركم أنا موجود». كانت البداية بأغنية «الصينية» التي سجلناها للتلفزيون خلال السنة نفسها، بآلات البندير والعود، لكنها لم تكن بداية رسمية إذ لم تكن المجموعة تحمل حتى اسمها الحالي، ثم التحق بعدها عبد العزيز الطاهري ومحمود السعدي، وشرع أعضاء المجموعة في الغناء < وماذا عن علاقتك بالإيقاعات و»الميازن « الشعبية؟ < رغم نشأتي بالحي المحمدي بالبيضاء، إلا أن أصول أسرتي تعود إلى قبيلة «أولاد برحيل» بنواحي تارودانت، الشهيرة بالميزان الهواري، وهو أحد الإيقاعات المغربية الصعبة، وكان والدي يجيده بشكل خاص بل كان رئيس فرقة «هوارية»، كما أنه من الإيقاعات النادرة الذي لم نوظفه في أغاني مجموعة ناس الغيوان لصعوبته ولإداركي بأن بقية أعضاء الفرقة لن يجيدوه. < كيف توصلتم إلى الشكل الموسيقي الذي ظهرت به ناس الغيوان؟ < كما قلت لك كانت البداية بأغنية «الصينية» وهي الأغنية التي استلهم العربي باطما كلماتها من رجل كان يقطن قريبا منه يدعى «بّا سالم» وكان يردد مقطعها الشهير «ياللي ما شفتوني رحمو عليا»، فكان باطما يطلب مني تسجيلها وأنا أرجئ الأمر إلى حين اكتمالها بالصيغة التي عرفها بها الناس، فسجلناها في البداية بمرافقة البنادر وآلة العود كما أسلفت الذكر، قبل أن نجري تعديلات على شكل الفرقة بعد أن أدخلت آلة البانجو التي عوضت بها آلة «السويسدي» الوترية، واخترت البانجو لأنه أتاح لي التعبير موسيقيا بشكل أفضل، كما أنني أزلت منه «الدساتين» (les cases) لكي أعزف به المقامات العربية التي تتضمن ربع المسافة الصوتية، لكن قبل الانطلاقة الحقيقية كانت هناك محطة مهمة مع الطيب الصديقي الذي التحقت بفرقته المسرحية سنة 1967، وقضيت معه أزيد من سنة إذ شاركت في عزف موسيقى بعض مسرحياته منها مسرحية «سيدي ياسين في الطريق»، لكنني انفصلت عنه بعدها خاصة خلال اللحظة التي كانوا بصدد القيام بجولة فنية بفرنسا، إذ رفضت الالتحاق بهم لأنني كنت أعلم أن أعضاء الفرقة لن يجنوا من ورائها مالا كثيرا. وبعد فترة قصيرة من الجولة الفنية عاد عمر السيد ونعيمة المشرقي، فيما لبث بوجميع والعربي باطما لفترة، وهناك كتبا نصوصهما الأولى منها «واش حنا هوما حنا» و»فين غادي بيا خويا» وغيرها. < إذن متى كانت الانطلاقة الحقيقية لناس الغيوان؟ < كانت بعد أن عاد بوجميع وباطما من فرنسا، إذ جاءا وفي جعبتهما العديد من النصوص، كما أن أغنية «الصينية» كانت مهيأة سلفا لأنه سبق أن غنيناها للتلفزيون، وجرى الاشتغال عليها مجددا وأضيفت إليها النصوص الجديدة التي كتبها بوجميع وباطما، فكان يتم إعدادها بشكل جماعي، إلى أن جاءت فرصة السهرة الكبرى التي أحييناها سنة 1971 بالمسرح البلدي بالبيضاء، والتي أعلنت الميلاد الرسمي لمجموعة ناس الغيوان. < لكن المجموعة بتشكيلتها الأصلية طرأ عليها تغيير لماذا؟ < فعلا فقد انسحب مولاي عبد العزيز الطاهري من المجموعة بعد أن سجل معنا بعض القطع الأولى مثل «يا بني الإنسان» و»كولو ليامنة» و»الماضي فات»، إذ لم يستمر معنا لأنني لم أكن على وفاق موسيقي معه، فطريقة عزفه على «السنتير» لم تكن تلائمني ولم تكن مضبوطة من الناحية العلمية، وهي المسألة التي يعانيها العديد من العازفين على هذه الآلة بمن فيهم عبد الرحمن باكو الذي سيعوض الطاهري بالمجموعة، إذ رغم براعته ولمسته المميزة في تجربة ناس الغيوان، إلا أن الدقة كانت تعوزه في بعض الأحيان، هي المسألة التي لم يكن يلاحظها إلا المختصون في الموسيقى. < هل يمكن تقسيم مسار مجموعة ناس الغيوان إلى مراحل؟ < من المؤكد أن انضمام عبد الرحمان باكو إلى «ناس الغيوان» نهاية 1972، كان له أثر إيجابي كبير على مسار المجموعة، خاصة أن بوجميع كان مازال حيا، وشهدت التجربة حينها أوج تألقها فنيا، وأيضا من حيث قوة الحضور، إلا أن الرحيل المفاجئ لبوجميع في أكتوبر 1974 شكل حينها صدمة مفجعة لبقية أعضاء المجموعة، لدرجة اعتقدنا أننا لن نقوى على المواصلة بالقوة نفسها، إلا أن المرحلة الموالية حاولنا فيها استجماع قوانا ورثينا بوجميع بأغنية «والنادي أنا» قبل أن نواصل بالاعتماد على نصوص العربي باطما والأنغام الكناوية التي يجلبها باكو فضلا عن انفتاحنا على العديد من الإيقاعات والأنغام المغربية التراثية التي كنت أتولى ضبطها موسيقيا ومقاميا، وهو ما منح المجموعة نفسا متجددا إلى حدود منتصف التسعينات. لست مريضا < كيف ولماذا أوقفت مسارك مع المجموعة؟ < حينما أجريت عملية جراحية على رأسي، والمثير أنه منذ تلك اللحظة لم أر أحدا من العناصر الحالية لمجموعة ناس الغيوان، أي منذ أزيد من سبع سنوات، ولم يكلف أحد منهم نفسه للسؤال عني ولو هاتفيا، وهو الشيء الذي حز في نفسي كثيرا، قبل أن يستفحل الأمر بأن صرح عمر السيد، على هامش إحدى الندوات الصحافية، إثر سؤال وجه إليه حول أسباب غيابي عن المجموعة ليقول إنني غائب لظروفي الصحية، وهي المسألة التي تم الترويج لها بقوة، وهي محض أكاذيب وافتراء غرضها الركوب على اسم «ناس الغيوان» والاستفراد به من أجل الاسترزاق، إذ أن عمر السيد «هو اللي دار العكاز قبل وقتو» أما أنا فلست مريضا وما زلت في قمة عطائي الفني. < بهذا المعنى فإن بينكم مشاكل شخصية وليست فنية فقط؟ < صحيح أنني كنت على خلاف فني مع الأعضاء الجدد لناس الغيوان، إذ تبين لي أن أفكاري الفنية والموسيقية لم تعد تجد لها صدى واستجابة وسطهم «ما كايتصنتوش للهضرة» فضلا عن أن المبدعين الحقيقيين في المجموعة قد ماتوا «أما هاذوك بزاف عليهم ناس الغيوان والمجموعة الله يرحمها»، أما أن يصل الأمر إلى حد مقاطعتي على هذا النحو فهو أمر اعتبرته نكرانا وجحودا وإهانة يزداد وقعها أكثر بحجم التعويضات الهزيلة التي يرسلونها لي بين الفينة والأخرى، والتي لا تتجاوز ثلاثة آلاف درهم عن كل حفلة، وكأنهم يكفرون بها عما ارتكبوه في حقي، وليتهم لم يرسلوها لهزالتها لأنها إمعان في إهانتي. باكو قال عن العربي "يتكعد إيلا بغا رزقو " < خلال هذه الفترة انسحب عبد الرحمن باكو وكثرت الأقاويل حول سبب ذلك، ما روايتك حول الموضوع؟ < رغم أنني لم أكن معنيا بشكل مباشر بالأسباب، يمكن أن أقول إن باكو غادر المجموعة خلال الفترة التي مرض فيها العربي باطما ولم يعد قادرا على الاشتغال، إذ رغم ذلك كنا نحتفظ له بحصته المالية حتى ولو لم يشارك معنا في الحفلات، وهو الأمر الذي لم يرق باكو إذ بعد بضعة أشهر انفجر في وجهنا قائلا « ينوض يتكعد إيلا بغا رزقو»، كما أنه رفض مرافقتنا إلى إحدى الجولات الفنية بتونس وكنا حينها على أهبة السفر حين أخبر عمر السيد بأنه لن يسافر، فعوضناه لحظتها برشيد باطما وهكذا توقفت علاقة باكو بناس الغيوان وهو الذي اختار المغادرة. < وماذا بعد رحيل العربي باطما؟ < شعرت حينها أن ناس الغيوان فقدت أحد ركائزها، إلا أن المجموعة استمرت بعد انضمام عناصر جديدة منها رشيد باطما وشقيقه حميد، وأفرزت مجموعة من الألبومات منها ألبوم «ما يدوم حال» إضافة إلى أغان أخرى، إلا أن مساري مع المجموعة توقف منذ 2009. لم أنل حقي منذ 20 سنة < وماذا بشأن حقوق التأليف الخاصة بناس الغيوان؟ < هذه قضية أخرى فأنا لم أتوصل بحقوق التأليف وحق الأداء العلني عن أغاني المجموعة منذ 1997، أي منذ حوالي عشرين سنة، قبيل رحيل العربي باطما، إذ بعد تأسيس «ناس الغيوان» مطلع السبعينات كانت جل الأغاني مسجلة باسم بوجميع، اتخذ العربي باطما وعمر السيد بتسجيل الأغاني باسميهما، العربي مؤلفا وعمر السيد ملحنا، على أساس أن الأول يقتسم العائدات معي، والثاني يقتسمها مع أسرة باكو، واستمر الوضع كذلك طيلة سنوات، إذ كان يمدني باطما بنصيبي الذي لم يكن يقل عن خمسة آلاف درهم كل ثلاثة أشهر، علما أن حجم تلك التعويضات لم يكن قارا، لكن بعد رحيله لا أعلم شيئا عن مصير تلك التعويضات إلى حدود الآن.ولولا المنحة الملكية لوجدت نفسي في وضع مالي حرج. أجرى الحوار: عزيز المجدوب - تصوير (عبد الحق خليفة)