fbpx
ملف الصباح

شعباني: “الحكار” مريض بالسلطة

< كيف يمكن تفسير تنامي الإحساس بالحكرة في الوقت الذي يجب أن تكون منعدمة، بالنظر إلى أنه يفترض أننا في دولة الحق والقانون؟

< “الحكرة”، شعور وإحساس ذاتي أو موضوعي، يشعر به الفرد أو الجماعة عندما يفتقدون لأحد الرساميل الرمزية في المجتمعات المعاصرة والمتمثلة في الجاه أو السلطة أو المال أو المكانة الاجتماعية المتميزة. كما أن الإحساس بالحكرة ينمو في المجتمع عندما يتفشى الظلم وتتعاظم الفوارق الطبقية وتتسيد المحسوبية والزبونية على حساب الكفاءة والمساواة في الحقوق والواجبات.

والحكرة هي تدريج لكلمة “الاحتقار”، وتعني النيل من كرامة الانسان والتنقيص من كفاءاته وقدراته ومعاملته معاملة العبيد وعدم الاعتراف بما يمكن أن يكون له من حقوق. وهذا الإحساس، ليس وليد اليوم، وإن كان الإحساس به اليوم أكثر مما مضى، بل وجود هذا الإحساس مع وجود الحياة البشرية.

أما ما يفترض أن شعوب اليوم تعيش في ظل دول الحق والقانون، فهذه المقولة ، خاصة في الدول المتخلفة أو “النامية”، التي مازالت تعاني مضاعفات الثالوث المرعب: الجهل والأمية والبطالة، ومن مخلفات التركات السيئة للاستعمار، كالتبعية والاستلاب والشعور بالدونية، فما هي إلا مقولة افتراضية أيضا، لأن الشعور السائد عند شرائح واسعة من الناس في هذه الدول، هو أنه “لا حق ولا قانون”، عندما يسود الظلم وتغيب المساواة وتتوسع الفوارق الاجتماعية وتنتشر الأمية ويعم الفقر والأمية والبطالة.

< المشكل، هو أن الحكرة ليست حكرا على المواطن البسيط، بل إنها تشمل أحيانا حتى المسؤول وصاحب السلطة. كيف تفسر ذلك؟

< الاحتقار، سلوك مشين لا يصدر إلا عن كائنات مريضة بالسلطة والتجبر والطغيان مهما كانت مكانتها ومواقعها الاجتماعية، والتي يطغى عليها الشعور بالتعالي والكبرياء. لهذا قد لا يتعرض لاحتقارهم فقط أولئك البسطاء من المواطنين، ولكن قد يعاني من احتقارهم من يوجد تحت إمرتهم من مسؤولين وأطر عليا وكفاءات متميزة. وهذا سلوك متجذر لدى الطغاة والجبابرة والديكتاتوريين أينما وجدوا. والمجتمعات التي يقودها مثل هؤلاء هي التي يسود فيها الإحساس بالحكرة، رغم خروج الكثير من المظاهرات المنادية بمحاربتها.

الطاغية عادة لا يكترث بمن حوله، ولا يعترف إلا بما له من قوة ونفوذ، ولا يجد راحته إلا في احتقار الآخر وإذلاله، وسلبه حقوقه، دون اعتبار من هو مواطن بسيط ومن هو مواطن مسؤول.

< هل هناك مجالات أو مهام تكرس الإحساس بالحكرة للطبيعة التراتبية التي تفرضها، أم أن الحكرة قابلة لأن تمارس ضد المواطن العادي والمسؤول على حد سواء؟

 < بالتأكيد، هناك في كل المجتمعات مجالات ومهام بحكم طبيعتها قد تعمل على تكريس سلوك الاحتقار وتنمي الإحساس بالحكرة. ذلك أن التمكن من امتياز ما أو التوفر على رأس مال رمزي معين قد يدفع هؤلاء المحتقرون إلى احتقار من يعتبرونهم أدني منهم مكانة وجاها وسلطة وثقافة. فالقوي قد يحتقر الضعيف، والغني قد يحتقر الفقير، والمعلم قد يحتقر تلميذه المتكاسل، والضابط قد يحتقر الجندي البسيط…

وكثيرة هي تلك المجالات أو المهام التي قد تكرس الإحساس بالحكرة في المجتمعات المعاصرة. فمع تفشي الأمية وغياب الوعي وتجبر ذوي السلطة والجاه والنفوذ وتواري العدل والانصاف ونزاهة وصرامة تنفيذ القانون، يكثر الإحساس بالحكرة عند كل أولئك الذين لا يتوفرون على إمكانيات الحصول على ما لهم من حقوق.

أجرت الحوار: هجر المغلي

*أستاذ باحث في علم الاجتماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى