fbpx
الأولى

ثورة الشك داخل قلعة العدالة والتنمية

PJDأجواء توحي أن الحزب مقبل على حرب صون النتائج بـ”الخطط المتكاملة” و”الحماية الخارجية” و”فرق اليقظة”

دخل “بيجيدي” مرحلة السعار الانتخابي للحفاظ على وضعه الحكومي وحماية ما ألفته قياداته من سلطة وجاه وامتيازات أصبح من العسير التخلي عنها والعيش بدونها، فالحزب الحاكم يعي جيدا أن القناع قد سقط عن العديد من وجوهه التي لم تستطع مقاومة إغراءات ممارسة السلطة ومراكمة الثروة. وما النزوة الأخيرة للوزير السابق ورئيس جهة درعة تافيلالت إلا عنوان مصغر لعقلية الغنيمة التي تطبع تفكيرهم، مع اختلافات بسيطة في تقدير التوقيت المناسب لتنفيذ ما يدور في خاطر أغلب من تحمل منهم مسؤولية تدبير الشأن العام.
دفعت قناعة الحزب بوجود متغيرات في صورته لدى الرأي العام الوطني إلى النهل من قاموس الحركات الجهادية بإعلان النفير العام في صفوف فروعه المحلية بمختلف ربوع البلاد، رغبة في ما يسميه حماية نتائج الانتخابات التشريعية المرتقبة، وكأن حصول الحزب على الرتبة الأولى أصبح مسلمة غيبية لا يجب الخروج عنها وإلا وقعت الخطيئة الكبرى.
بدأ العدالة والتنمية نفيره بإصدار مذكرة داخلية تحث كتابه المجاليين على تغطية جميع مكاتب التصويت المركزية والفرعية، وهو أمر تسعى إليه جميع الأحزاب السياسية، ولا ضير في ذلك مادام الحزب يتوفر على الامكانيات المالية والعطاءات السخية والمجهولة المصدر أحيانا، غير أن المثير هو الخطاب المستعمل في صياغة المذكرة، الذي يفضح العقلية الجهادية في مخيلة قادة لم يترددوا في مجاراة أفكار سيد قطب كما سطرتها “معالم في الطريق” و”في ظلال القرآن” وأطروحات ابن تيمية، الذي قسم المسلمين في القرون الوسطى إلى “دار إسلام” و”دار كفر”.
اختارت اللجنة المركزية للانتخابات لـ “بيجيدي” إصدار المذكرة تحت رقم واحد في استعمال متعمد للقاموس العسكري تماما كما روجت له بعض التنظيمات الإسلامية إبان زمن “الربيع العربي”، ولم يكن اللجوء إلى لغة الانقلابات العسكرية محض صدفة، بل كان خطورة أولى لوضع الأعضاء في أجواء توحي أن الحزب مقبل على ساحة حرب، وليس عملية انتخابية آلية ديمقراطية سلمية تخول للمواطن اختيار من يمثله لتدبير الشأن العام بكل حرية ومسؤولية وفي هدوء سياسي يعكس مستوى التقدم، الذي راكمته بلادنا عبر مختلف المحطات الانتخابية.
لم يقف “جنوح” قاموس الحزب الحاكم إلى “الحرب” عند هذا الحد، بل تجسد في توظيف مصطلحات من قبيل “حماية النتائج” و “وضع الخطط المتكاملة” و”الحماية الخارجية” و”فرق اليقظة” لا يجد المريدون معها إلا الانخراط في التعبئة بروح الجهاد وعقلية محاربة العدو. ولا عجب في الذهاب، بعد ذلك، حد الدعوة إلى قطع الرؤوس علانية داخل مواقع التواصل الاجتماعي. عقلية كهاته سوف لن تجد لها سبيلا للانزواء إلى الخلف ما دام الحزب يٌسير بمنطق الحركات الدينية، ومادامت القيادة تعبر عن أهداف سياسية بلغة دينية لم يسلم منها حتى المتعاونون، إذ وصفت المذكرة رقم 1 تغذية مراقبي مكاتب التصويت بـ “قفة المراقب”، فالحس الإحساني حاضر ولم يتم إهماله حتى بين المؤسسة الحزبية والمشتغلين تحت لوائها. أي خطاب سياسي هذا الذي يراد الترويج له. فالمغاربة ألفوا ممارسة السياسة من أبوابها الواسعة واعتادوا على النقاشات الراقية ومقارعة الفكرة بالفكرة، وحتى في ظل أصعب المراحل السياسية لم يجرؤ أحد على رفع شعار “أنا أولا أحد”.
لم يتمكن العدالة والتنمية من التخلص من ثقل عقيدته الإيديولوجية رغم ما توفر له من الأجواء الديمقراطية التي مكنته من تولي مركز الصدارة في الانتخابيات التشريعية الأخيرة، أليس المسار الديمقراطي خيارا في خدمة جميع المغاربة على مختلف انتماءاتهم؟ أم يجب أن يتوقف عند تجربة “بيجيدي” إلى حين تحقق الإشباع من السلطة عند قادته؟.
كيف يمكن قبول “إحداث هيآت حزبية تحمي النتائج الانتخابية”؟ ألا يحمل هذا السلوك في طياته عدم اعتراف بسلطة القانون ومؤسسات الدولة ؟ أليس ذلك بمثابة تشكيك في التجربة السياسية والديمقراطية في بلادنا ؟.
إنه العبث السياسي الذي لا يمكن تفسيره إلا بحالة التخبط التي يعيشها الحزب الحاكم، وثورة شك في قدراته الانتخابية جعلته يبحث منذ الآن عن شماعة يعلق عليها إخفاقه في حال لم يتصدر نتائج استحقاقات 7 أكتوبر.
ياسين قُطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى