fbpx
حوار

الحكومة وقعت في الفخ

حسن طارق قلل من أهمية ״سؤال مع أو ضد الملكية״ في هيكلة الحقل السياسي الحالي

انتهت الولاية التشريعية لمجلس النواب 2011 -2016 التي ساهمت في تنزيل الدستور الجديد منه بالمصادقة على 362 مشروع قانون، بينها 18 مشروع قانون تنظيمي، وعلى 21 مقترح قانون وضع من قبل الفرق البرلمانية.
ووضع النواب أزيد من 8500 تعديل على مشاريع القوانين الحكومية، وهو معطى له رمزيته في الرقي بالممارسات النيابية وتجويدها، وتكريس دور مجلس النواب فاعلا أساسيا في المشهد السياسي والدستوري الوطني. ولأجل تقييم هذا الكم الهائل من القوانين التأسيسية لدستور 2011، وتسليط الضوء على حدود العلاقة الفاصلة بين مؤسسة الحكومة والبرلمان، أجرينا الحوار التالي مع حسن طارق، أستاذ علم السياسة في جامعة الحسن الأول بسطات، وقيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي.

< كيف دٌبرت مسألة تنزيل الدستور في العلاقة بين الحكومة والبرلمان ؟
< دعني أقول لك أولا إن سؤال تنزيل الدستور، كان حاضرا بقوة خلال كل الولاية، بل كان مهيكلا لكل اللحظات الأساسية منذ الجلسة الأولى التي طرح فيها موضوع الفصل بين السلطة التشريعية والتنفيذية على ضوء ترشيح النائب كريم غلاب، الذي كان يحمل آنذاك حقيبة وزارة التجهيز والنقل، لرئاسة مجلس النواب إلى غاية النقاش المطروح الآن حول قانونية انعقاد أشغال اللجان بعد اختتام الدورة التشريعية الأخيرة، مرورا بعدد كبير من النقاشات حول موضوع الشرعية الدستورية .
طبعا هنا لايمكن التطرق إلى هذا السؤال دون استحضار كذلك دور المجلس الدستوري من خلال عدد من قراراته في إضاءة العديد من العتمات المتعلقة مثلا بمسطرة التشريع الجديدة بين المجلسين، أو في تحديد علاقة البرلمان بهيآت الحكامة ،وهي أحد المتغيرات الكبرى للمشهد المؤسساتي لما بعد 2011، أو في تفسير مقتضى التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية .

< كيف استقبل المشرعون مستجدات الوثيقة الدستورية ؟
<  هنا لابد من تقديم بعض الخلاصات السريعة :أولها، عجز البرلمان عن تحويل آلية رقابية مهمة مثل لجن تقصى الحقائق إلى آلية رقابية عادية. وثانيا،الفشل في تحقيق قفزة حقيقية في تملك فعلي  للمبادرة التشريعية للنواب ، وثالثا، عدم القدرة على إعطاء حضور فعلي لمسألة المكانة الخاصة للمعارضة داخل المجلس.

< بماذا تفسر هيمنة الحكومة في التشريع على حساب البرلمان، هل لأن البرلمانيين يفتقدون إلى المعرفة المتخصصة في التشريع القانوني أم لأن هناك تقاليد وأعرافا انتصرت؟
<  الأمر له علاقة بالأساس بنموذج دستوري مبني على فكرة العقلية البرلمانية ، والتي تجعل عمليا الحكومة هي المشرع الرئيسي وهي المتحكمة في الزمن التشريعي، ثم ببقايا رؤية سياسية تنطلق من تفوق السلطة التنفيذية والبنية التقنقراطية، على مشروعية المنتخبين .
والواقع أننا أمام هندسة مؤسساتية وتقاليد سياسية تستبطن فكرة الأنانية المؤسساتية للحكومة، وهذه الهندسة توجد في طبيعة النخب البرلمانية و في هزالة التأطير البشري والمواكبة التقنية للعمل التشريعي، وهي عوامل مساعدة تمكن في النهاية من تعميق ما يسميه السؤال بهيمنة الحكومة في مجال التشريع .

< انتقد بعض الذين اشتغلوا بلجنة إعداد الدستور، وجود تناقضات بين بعض الفصول، هل يتعلق الأمر باحتكار مشاريع القوانين التنظيمية التي يوافق عليها المجلس الحكومي ويصادق عليها المجلس الوزاري، مقارنة مع مقترحات قوانين تنظيمية حرم منها البرلمانيون؟
< الأمر لا يتعلق بتناقضات في الفصول ،الأمر يتعلق بتأويل متعسف احتكمت إليه الحكومة في اللحظات الأخيرة لمناقشة مقترح قانون تنظيمي يتعلق بلجنة تقصي الحقائق، بعد أن كانت قد واكبت النقاش منذ البداية، وهو التأويل الذي تصدينا له بكل قوة سواء في لجنة العدل والتشريع أو على مستوى الجلسة العامة في غشت 2013.
وعندما طلبت الحكومة بإعمال المقتضى من النظام الداخلي الذي يسمح له بإرجاع النص إلى اللجنة، قاومنا ذلك وترافعنا دفاعا عن مسألة مبدئية تتمثل في حق النواب بأن يتقدموا بمقترحات قوانين تنظيمية، كحق أصلي مرتبط بمبدأ أحقيتهم العامة في المبادرة التشريعية، وهو مبدأ يرتبط بجوهر الوظيفة البرلمانية، ولايمكن تجزيئه أو حصره في القوانين العادية دون سواها.
وطبعا فإن هذه القراءة هي التي أجازها المجلس الدستوري في قرار مطابقته للنظام الداخلي عندما أقر في صيف 2013، دستورية مادة تتحدث بالضبط عن حق النواب في التقدم بمقترحات قوانين تنظيمية، وطبعا هذا ما سيؤكده بكل وضوح جلالة الملك محمد السادس، في رسالته الموجهة إلى الندوة الدولية المخصصة للاحتفاء بذكرى مرور خمسين سنة على التجربة البرلمانية المغربية.

< اتهمت الحكومة البرلمانيين بضعف مقترحات قوانينهم التنظيمية، كيف ترد عليها؟
<  لا أذكر شخصيا أن وزيرا سبق له أن وجه هذا الاتهام المباشر إلى البرلمانيين، والمؤكد أن فكرة هذا الاتهام غير مبنية على أي أساس واقعي، ويمكن العودة إلى مقترح القانون التنظيمي للجن تقصي الحقائق لكل من فريقي التجمع الوطني للأحرار و العدالة والتنمية، للتدليل عن ذلك، فضلا على أن هذه الحجة واهية من الناحية الديمقراطية .

<  لكن إدريس الضحاك، الأمين العام للحكومة أثار هذه القضية وعممها أيضا على الوزراء ما دفعه إلى إصدار دليل للتشريع؟
<  أنا أتحدث عن مقترحات القوانين التنظيمية التي جاءت بها الفرق النيابية، والتي وجدت صدى لها في البرلمان ولدى الوزراء، لكن الحكومة تمادت في إنتاج خطاب الأنانية المؤسساتية حتى في إصدار القوانين العادية، و حتى مع وجود مقترحات قوانين بجودة واضحة لغويا ومطابقة للدستور، ودليلي هنا مثلا هو تعامل الحكومة مع مقترح قانون الفريق الاشتراكي حول الحق في الوصول إلى المعلومة.

كتابة النصف الثاني من الدستور

من الناحية السياسية ارتبط السياق العام بمرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد 2011، إذ حاول المغرب تجريب وصفة الإصلاح التدريجي ضمن المنظومة السياسية نفسها، إذ كان على المؤسسات المنتخبة أن تمارس وظيفتها الأصلية في التمثيل ، وفي تدبير الطلب الاجتماعي والسياسي المتزايد على العدالة  والمشاركة من خلال تكثيف شعار محاربة الفساد والاستبداد، إلا أنه أخفق بدرجات متفاوتة.
ويتعلق الأمر إذن بولاية تأسيسية بمعنى أن مهمة البرلمان كانت ترتبط باستكمال ورش كتابة النصف الثاني من الدستور، والمتمثل أساسا في عدد كبير من القوانين التنظيمية ذات العلاقة بالبناء المؤسساتي،الذي يشمل مختلف السلطات والهياكل الترابية والسياسية  (مجلس الوصاية، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الحكومة، البرلمان، الجهات، الأحزاب).
وفصل البرلمان في قضايا ذات الصلة بالديمقراطية التشاركية من قبيل ملتمسات التشريع ، وقانون العرائض، ودقق في توزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية  مثل قانون التعيين في المناصب العليا، أو ما يتعلق بقضايا اجتماعية وثقافية حساسة  مثل ترسيم الأمازيغية ، والقانون التنظيمي للإضراب.
هذا هو المحدد الأول المتمثل في الإطار العام والمنطلق الرئيسي للهوية السياسية والدستورية الواضحة للمنجز التشريعي لهذه الولاية
ومن جهة أخرى لايجب أن ننسى أن هذه الولاية هي الأولى في ظل وثيقة دستورية جديدة أعادت في محددها الثاني، بعض التوازن للعلاقة القائمة بين البرلمان والحكومة، وعززت من صلاحيات السلطة التشريعية في مجال المسؤولية السياسية للحكومة، وفي الميدان الرقابي والتشريعي، فضلا عن منحها صلاحية تقييم السياسات العمومية، وهي الوثيقة التي حاولت كذلك أن تتقدم في إعطاء وضع خاص للمعارضة البرلمانية.
أما المحدد الثالث لهذه الولاية، بالإضافة إلى سياقها الدستوري الجديد، وطبيعتها التأسيسية ، يتمثل في الأرضية القانونية الجديدة التي تتجلى في النظام الداخلي لمجلس النواب، والذي طالته تغييرات هامة على مستوى هندسة جلسة الأسئلة الشفهية، وعلى مستويات أخرى عديدة.
والمحدد الرابع، يرتبط بالسياق العلائقي الجديد للبرلمان، من خلال أثر ما يعرف بالحوارات الوطنية، والاستشارات العمومية على مخرجات العمل البرلماني، أو من خلال علاقته الجديدة والمعقدة مع هيآت الحكامة، والمجالس

اكتشاف الأوهام الدستورية

طيلة هذه السنوات ظل كما قلت سابقا سؤال الابتعاد أو الاقتراب من روح وثيقة يوليوز 2011، حاضرا خلال التداول في كل هذه القوانين، والتي لاشك أن بعضها تحول إلى نصوص ضرورية لفهم وتأطير الحياة السياسية والدستورية، كما هو الحال بالنسبة إلى القانون التنظيمي الشهير المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، والذي أصبح عمليا نصا مهيكلا للعلاقة بين المؤسسة الملكية وبين الحكومة، خاصة أنه كان حاسما في توضيح الحدود الفاصلة بين حقل السياسات العمومية وحقل الإشراف الإستراتيجي، وهو الأمر الضروري لفهم الصيغة الجديدة لتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية، هذا التوزيع الذي شكل عمليا الركن الرئيس للإصلاح الدستوري الأخير .
وخلال هذه الخمس سنوات كذلك عايشنا طبيعة الأثر الذي استطاع الدستور إحداثه، في علاقته بعودة جزئية للسياسة وللرهانات السياسية للحقل الانتخابي، نتيجة الربط بين صناديق الاقتراع وبين القرار السياسي، ونتيجة «تسييس» مؤسسة رئيس الحكومة، وبناء سلطة تنفيذية – مبدئيا- على فكرة «الحكومة السياسية» .واطلعنا على سيل القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري، وهو ما يخفي وراءه مسارا من الاجتهادات القضائية، والتي شكل بعضها مجهودا تأويليا حقيقيا لا يمكن بتاتا اليوم، قراءة بعض فصول الدستور بمعزل عنها .
كما تابعنا سلوك الفاعلين الأساسيين، في علاقة بالالتزام بحدود الشرعية الدستورية وفي القدرة على ممارسة الصلاحيات الجديدة، وكان الرهان هو تجاوز مرحلة من التطبيق التقريبي للدستور، والابتعاد عن نوع من الثقافة السياسية التي تجعل الفاعلين لا يهتمون بالضرورة بتنزيل الدستور، أو بالحرص على احترام الدستور المكتوب أمام إغراء ثقافة الدستور الضمني غير المدون، وأمام سطوة تقاليد الإشارات السياسية وخطابات الثقة والتوافق وشعار: «النص لا يهم».
وعايشنا كيف أصبح نقاش الدستورية من عدمها واحدا من ثوابت النقاش السياسي في عدد وافر من المحطات، وكيف أصبح الاستناد إلى الدستور حجة مترددة في الحوار السياسي، وركنا أساسيا في بناء خطاب السياسات العمومية .
و كان علينا أن نعيد اكتشاف الكثير من الأوهام التي نعلقها على النصوص، وعلى القانون في «مجتمع متأخر» من الصعب الرهان على الجوانب المعيارية – على أهميتها- لإحداث القطيعة في طريق الانتقال المعقد نحو الحداثة أو ما يسميه السؤال بالدولة الحديثة.

بين وصفة التأزيم وخيار المواجهة

جزء من الحكومة عبر من موقفه من قضية “خدام الدولة” من خلال البلاغ الشهير، الذي توجه مباشرة إلى حزب العدالة والتنمية لتحميله مسؤولية ما اعتبره»حملة مغرضة». هنا خيارات الرد الحكومي المنسجم والمتضامن انتفت. ماذا تبقى لرئيس الحكومة إذن :إما الاستدراك إلى منطق التأزيم والدخول في مواجهة مباشرة مع اثنين من وزرائه، أو امتصاص الضربة عبر الصمت، و ترك المسألة تأخذ شكلها الطبيعي كحالة غضب شعبي، وليس كنزاع بين أطراف سياسية،وأتصور أن هذا التقدير كان ناجعا.
أعتقد أن هذا منطق الولاء مقابل الامتيازات شكل نمط حكم الدولة خلال عقود طويلة ،الدولة كانت تشعر أن لديها عجزا في الشرعية، وأن سؤال المشروعية السياسية مطروح في الساحة السياسية، وكانت محتاجة إلى بناء تحالفات طبقية و زبونية، لتقوية قاعدتها الاجتماعية .
لم نعد في حاجة إلى التعامل بهذا المنطق، لأن الدولة والمؤسسة الملكية هما موضوع توافق  سياسي ومجتمعي وشعبي واسع، وسؤال من مع الملكية و من ضدها لم يعد مهيكلا للحقل السياسي، ووقع تقدم هائل لكل منظومة الحكامة، وقنوات تصريف القرارات أصبحت أكثر شفافية و موضوعية و مؤسسية.
لكن هذا لا يعفينا من القول إنه توجد بعض جيوب منظومة الريع والامتيازات والتي شكلت القاعدة الرئيسية للاقتصاد السياسي للنظام خلال مرحلة طويلة، والتي ظلت تعمل على توزيع المنافع والسلط والنفوذ لدرجة القرب أو البعد من مركز السلطة.
لكن هذه الجيوب أصبحت شيئا فشيئا تتقلص أولا بسبب أزمة الموارد و ندرتها، ثانيا بالنظر إلى تحولات وظيفة الدولة ومجالات تدخلها، وثالثا بالنظر إلى التعقد المتزايد في المنظومة السياسية والإدارية، ورابعا بالنظر إلى تزايد رقابة الرأي العام .لذلك فمنظومة الريع أصبحت مكلفة سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا  وحقوقيا.

أجرى الحوار: أحمد الأرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق