fbpx
حوادث

دراسة: ثغرات قانون مهنة التوثيق العصري (الحلقة الثانية)

aamra3424مؤسسة النيابة العامة والموثق العصري

ارتأى أساتذة باحثون في العلوم القانونية، تحليل أحد أهم مشاريع القوانين 09-32 المعروضة أمام أنظار مجلس المستشارين بعد حصوله على تأشيرة مجلسي الحكومة (9 أبريل 2009) والنواب (13 يوليوز 2010)، رغم تعدد ثغراته سواء القانونية أو الواقعية، ووجدوا من خلال دراسته أن بعض مواده تتعارض حتى فيما بينها أحيانا، مما سيجعل منه قانونا استثنائيا بالمفهوم

السلبي، رغم انتظارنا لما يقارب 85 سنة لصدوره، علما أن هذا القانون المنتظر، سيؤسس لانطلاق قاطرة مؤسسة متطورة للتوثيق العصري بالمغرب، ويرسي لتشييد لبنة أساسية في المنظومة الحمائية لدولة الحق والقانون، من خلال تعزيز الحماية القبلية والبعدية لحقوق الأفراد المالية، أيا كانت صورتها، سواء كانت هذه الحقوق شخصية أوعينية.

إن محاولة دراستنا لحدود المسؤولية القانونية للموثق العصري من خلال مشروع قانون 09-32 الذي سينظم مهنته، تضعنا أمام تساؤلات عميقة بسبب صعوبة تحديد من أين تبدأ هذه المسؤولية وفي أي مرحلة تنتهي.
ومرد ذلك، أن مواد هذا المشروع أسست لقواعد تتراوح بين المسؤولية المدنية والجنائية والمهنية، وهي قواعد نكاد نجزم بأنها ستؤسس، إن هي اعتمدت من مجلس المستشارين كما هي عليه الآن، لقواعد جديدة مخالفة جوهريا لقواعد المسؤولية القانونية المتفق عليها في قوانين ودساتير العالم المتقدم، بل إننا يمكننا القول باعتبارها قواعد للمسؤولية موازية لنظيرتها في القانون الجنائي والقانون المدني وباقي المدونات القانونية المتدخلة في هاته المهنة، فالموثق العصري وفقا لهاته القواعد المستحدثة بموجب المادة 27 من المشروع يتحمل مسؤولية كل ما يضمنه في المحررات والعقود من تصريحات وبيانات يعلم مخالفتها للحقيقة، أو كان بإمكانه معرفتها أو العلم بها.
وبتوقفنا عند شرطي امكانية المعرفة أو العلم بزورية البيانات المدلى بها من قبل زبنائه أو تدليسها، يجعل من الموثق العصري مدانا حتى قبل تحريك مسطرة التحقيق والمتابعة، لأن مصطلح ‘’إمكانه» هنا فضفاض وعام، ويتحمل تغيره من موثق عصري إلى موثق آخر، بحسب عوامل متعددة، كنوعية البيوعات والزبناء والحقوق نفسها، وهو الوضع نفسه الذي تفطن إليه المشرع الجنائي قبل هذا التاريخ بسنوات عندما قرر أن الجهل أو الغلط الواقع على أحد العناصر المكونة للجريمة يعدم القصد الجنائي، فيسقط المسؤولية الجنائية.
والوضع هنا لا يختلف عنه بالنسبة للموثق، لأنه يعتمد بشكل كامل على الوثائق التي يقدمها له الزبناء، وأن إمكانية تواطؤ الزبون مع مصدر الوثيقة الإدارية ممكن، وهو نفسه التعبير الذي تعتمده المادة 27 لتحريك المتابعة. كما أن افتراض العلم أو حتى إمكانيته، بعدم صحة التصريحات للحقيقة أمر مستحيل من الناحية الواقعية والمنطقية، لأن حجم المتدخلين في توفير هاته التصريحات غير قليل، وترجيح افتراض العلم وليس العكس، فيه حكم ظني مسبق بسوء نية الموثق، مما يجعلنا أمام نسف كامل لمبدأ عالمية أن كل شخص مشتبه فيه أو متابع تفترض براءته ما دامت إدانته غير مقررة بمقتضى حكم نهائي، وكل مساس ببراءته المفترضة محرم ومعاقب عليه بمقتضى القانون، وأن الشك يفسر دائما لفائدة المتهم.
ونجد أنفسنا هنا ليس فقط أمام افتراض سوء نية الموثق العصري، بل وأمام إلقاء عبء إثبات عدم علمه هنا، دون تحديد وسائل الإثبات لذلك، وإلا سيكون مهددا بالسجن المؤبد بموجب المادة 353 من القانون الجنائي باعتباره ارتكب بسوء نية أثناء تحريره ورقة متعلقة بوظيفته تغييرا في جوهرها أو في ظروف تحريرها، وذلك …إما بإثبات وقائع على أنها اعترف بها لديه، خصوصا وأن المادة 26 من المشروع، توسع من مجال أساس مسؤوليته المدنية بتحميله الأضرار الناتجة عن الأخطاء المهنية للمتمرنين لديه، ولأجراءه كذلك، في إطار مسؤولية المتبرع عن أفعال تابعيه مدنيا، وهذا أمر غير منطقي حتى في ظل مبدئ بدل عناية الرجل غير العادي.
ويزداد الأمر غرابة، عندما توقفنا بمحطة المادة 37، والتي تمنح للموثق العصري مهنا أخرى، موازية لمهنته الأصلية، إذ يجب عليه أن يكون رجل مخابرات، عندما قررت بوجوب أن يتحقق تحت مسؤوليته من هوية الأطراف وصفتهم، وما يعلمه بخصوص موضوع عقودهم.
ويجب أن يكون خبير خطوط وتوقيعات، عندما قررت مسؤوليته على مطابقة الوثائق المدلى بها إليه للقانون، وأن يكون طبيبا نفسيا وعالم اجتماع عندما قررت مسؤوليته على التحقق من أهلية زبنائه للتصرف، وأن يكون عالم اقتصاد وسياسة داخلية ودولية وعالم مستقبليات، عندما قررت مسؤوليته عن توضيح الأبعاد والآثار التي قد (تفيد هنا المستقبل) تترتب عن العقود التي يتلقاها.
والخلاصة أن الموثق العصري هنا، يجب أن يكون ذلك الرجل الخارق الذي يعلم كافة العلوم وكافة آليات سير دواليب الإدارة العمومية والشبه عمومية، لأن تحميل كل هاته المسؤوليات للموثق العصري بموجب المادة 37 يعد أمرا مستحيلا وتعجيزيا، بل ويشكك في مصداقية المرافق العامة التي يتعامل معها، لأن وجوب تحققه من هوية الأطراف ومطابقة الوثائق المدلى بها له، تعني أن مصدر هاته الوثائق والهويات مشكوك فيه، وحتى لايقع تحت طائلة هاته المسؤولية، يتعين عليه عمليا الانتقال إلى المصدر الأصلي للهوية أو الوثيقة، ويقوم بالمقارنة المباشرة، أي أن مبدأ تقريب الإدارة من المواطن ومبادئ الحكامة الجيدة غير ذات جدوى هنا، كما أن مبدأ فصل السلط، وتحمل كل مرفق لمسؤوليته القانونية في ما يصدر عنه ينعدم، أي أن الموثق العصري سيجمع بين مهنته، وبين وظيفة «المقدم ومصحح الإمضاء وضابط الحالة المدنية ورجل الأمن …إلخ»، وهو ما يستحيل فعله على أي كان استحالة واقعية وعملية.
كما أن الموثق حتى يتوفق في تحديد أهلية المتعاملين المعنوية أو النفسية – ما دامت الأهلية القانونية في شقها البيولوجي «أي سن الرشد القانوني» واضحة، وحسم فيها المشرع صراحة مسبقا- ، فإنه يكون ملزما بعلمه بأصول الطب النفسي، وعالما بقواعد علم الاجتماع، وربما أكثر من ذلك وهذا أمر غير منطقي، يوازي ما ساقه المشرع الجنائي في الفصل 486 منه، عند تحديده الظروف النفسية والعضوية المشددة لعقوبة الاغتصاب، والمتمثلة في عجز المجني عليها أو إعاقتها أو معروفة بضعف قواها العقلية، وهي عبارات فضفاضة توسع من إمكانية الإدانة.
وتنضاف إلى هاته المهام والمسؤوليات، تحميل الموثق العصري عبء توضيح أبعاد وآثار موضوع عقود زبنائه بما فيها الاقتصادية منها والاجتماعية، ما دامت الفقرة الأخيرة من هاته المادة (37) قد ألزمته بضرورة توضيح هاته الأبعاد، دون تحديد القصد من هذا التعبير باعتبار أنه يحتمل الشق الاقتصادي، وهو أمر لا يتوفر إلا في خبراء مختصين بهذا المجال، مما يفتح المجال أمام زبناء التوثيق في متابعة الموثق في إطار مسؤوليته المدنية باعتباره لم يدلهم على هاته المخاطر، في ظل عدم حصر هذا المشروع للأخطاء التي تكون مهنية هنا.
ويتقيد الموثق بموجب مقتضيات الفقرة 4 من المادة 34 كذلك بضرورة علمه المسبق بمدى صلاحية الأموال التي تنصب عليها العقود للتفويت من عدمه، وهذا أمر مقبول، لكن أن يشترط هذا المشروع علم الموثق بألا يكون تفويت هذه الأموال، متوقفا على إجراءات غير مستوفاة، فهو أمر مجانب للصواب، لأن فيه تقييدا صريحا لحرية أطراف العقد عندما يتعلق الأمر بشراء عقارات في طور الإنجاز (على التصميم) ، رغم أن هذا النوع من التعاملات والبيوعات، فيه مصلحة لأطراف  العقد من جهة، وللحركة الاقتصادية الوطنية من جهة أخرى، مادامت حقوق الجميع محمية قانونا من خلال العقود المبدئية (كالوعد بالبيع)، وهو ما سيصبح بموجب أحكام هاته الفقرة الرابعة محرما، باعتبار أن استيفاء الإجراءات يعني أن يكون العقار مسجلا و محفظا مسبقا، وهو وضع متقدم جدا عن الحالة التي يكون فيها العقار محل العقد مازال في طور الإنشاء، والذي سينتقل إليه المنع رغم أنها تصرفات أجازها القانون المدني صراحة في الفقرة الأولى من الفصل 61 من قانون الالتزامات و العقود، والتي تنص على أنه» يجوز أن يكون محل الالتزام شيئا مستقبلا أو غير محقق، فيما عدا الاستثناءات المقررة بمقتضى القانون»، وإعمالا لهذه القاعدة، ولقاعدة «أن الاستثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره»، فإن المشرع المغربي حتى قبل الاستقلال، أجاز بيع السلم (مثل المادة 613 من قانون الالتزامات والعقود)، وهو ما ينطبق على بيع العقار في طور البناء، ما دام ذلك لا يخالف النظام العام.

د. المختار أعمرة: باحث جامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى