fbpx
ملف عـــــــدالة

عراقيل دستورية وقانونية تحول دون استقلال القضاء

النقيب بن عمرو: استقلال القضاء يمنع التدخل أو التأثير عليه

يرى النقيب عبد الرحمن بن عمرو أن مفهوم استقلال القضاء يتلخص في عدم جواز التدخل والتأثير من قبل الغير على ما يصدر عنه من إجراءات وقرارات وأحكام، فالتدخل والتأثير مرفوضان، سواء كان ماديين أو معنويين، وسواء تما بكيفية مباشرة أو غير مباشرة، وبأي وسيلة من الوسائل. ويدخل في نطاق الممنوع من التدخل، حسب ورقة قدمها النقيب في إحدى الندوات، السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وغيرهما من أشخاص القانون العام والخاص، كما يدخل في نطاقه الرؤساء الإداريون للقضاة وأطراف الدعوى، إذ يقتضي استقلال القضاء من جهة أخرى وجوب امتناع القضاة عن الاستجابة أو القبول أوالخضوع لأي تدخل أو تأثير .وتبعا لذلك فإن القضاة لا يمكن أن يستجيبوا ويخضعوا إلا لصوت القانون والضمير.
ويحدد النقيب الهدف من استقلال القضاء ومن حمايته في تحقيق العدالة التي لا يمكن أن تتحقق في غياب أحد مقوماتها الأساسية وهو استقلال القضاة وحماية هذا الاستقلال من أي تدخل وتأثير، ويشمل استقلال قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة، كما يشمل السلك القضائي، مثل القضاة الذين يمارسون مهامهم بالإدارة المركزية بوزارة العدل ويستنتج ذلك من مقتضيات الدستور (الفصل 82)، ومن مقتضيات النظام الأساسي للقضاة (الفصل1).
ويبرر النقيب استقلال النيابة العامة وحمايته، بأن النيابة العامة تختص، من بين ما تختص فيه، الأمر بإجراء الأبحاث في الجرائم المرتكبة، وتقرير المتابعات، وتقديم الملتمسات للمحكمة وتنفيذ قرارات وأحكام هذه الأخيرة، وإذا اقتضى الأمر الطعن فيها، ومن شأن استقلال النيابة العامة في ممارسة الاختصاصات المذكورة أن يبعد هذه الممارسة عن كافة أنواع التدخل والتأثير بما يحقق العدالة التي تتجلى من بين ما تتجلى في عدم الإفلات من العقاب بالنسبة لمن يستحقه وفي عدم متابعة ومعاقبة من لا يستحق المتابعة و العقاب.
واستقلال القضاة الذين يمارسون مهامهم بوزارة العدل يكون ضروريا ومبررا عندما تسند لهم مهمة تفتيش المحاكم أو البحث في وقائع محددة طبقا للفصل 13 من التنظيم القضائي.
ومن بين النصوص القانونية الحامية لاستقلال القضاء، على المستوى الدستوري، عدة مقتضيات تنص على استقلال القضاء وتساهم ، في حدود معينة، في حماية هذا الاستقلال، فالفصول 82 و 85 و 86 و 87 من الدستور تنص على أن القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، ولا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون، وأن المجلس الأعلى للقضاء، الذي يتألف أغلبية أعضائه من قضاة منتخبين، هو الذي يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم .
وحسب النظام الأساسي للقضاة (الفصل 69) فإنه «لا يمكن ترقية القضاة المنتخبين بالمجلس الأعلى للقضاء من درجة لأخرى ولا نقلهم ولا انتدابهم مدة انتخابهم». ويرمي هذا الفصل إلى حماية استقلال القضاء عن طريق حماية استقلال الممثلين لهم في المجلس الأعلى للقضاء من كافة التأثيرات المادية والمعنوية.
وعلى مستوى القانون الجنائي، فإنه طبقا للفقرة الأولى من الفصل 266 فإنه يعاقب على”الأفعال أو الأقوال أو الكتابات العلني، التي يقصد منها التأثير على قرارات رجال القضاء، قبل صدور الحكم غير القابل للطعن في قضية ما».
ويمكن اعتبار المس باختصاص القضاء نوعا من المس باستقلاله، الأمر الذي ينتج عنه أن المعاقبة على المس باختصاص القضاء كأنها معاقبة على المس باستقلاله. ومن المعلوم أن الفصل 239 يعاقب كل عامل أو قائد ممتاز أو قائد أو أي حاكم إداري آخر فصل في مسألة من اختصاص المحاكم وذلك في غير الحالات التي ينص عليها القانون، ورغم معارضة الخصوم أو أحدهم .
وعلى مستوى المسطرة الجنائية، يرى النقيب أن ما يطلق عليه « الامتياز القضائي» الذي يتمتع به القضاة، وفق الفصول من 264 إلى 267 م ج ، التي تتضمن مقتضيات استثنائية خاصة بالبحث والتحقيق والمتابعة والمحاكمة، الهدف منه (من هذا الامتياز) حماية استقلال القضاء .
ولا يكفي تحقيق الاستقلال القضائي كعامل من العوامل المهمة في تحقيق العدالة، وإنما يجب، بالإضافة إلى ذلك، أن يمتد هذا الاستقلال إلى مساعدي القضاة، ذلك أنهم، إنما يتخذون القرارات ويصدرون الأحكام بناء على وثائق وإجراءات يساهم في إعدادها،  في النطاق الجنائي، ضباط الشرطة القضائية على مستوى البحث التمهيدي، وقضاة التحقيق على مستوى التحقيق الإعدادي، والمحامون والخبراء والتراجمة وكتاب الضبط، فكل هؤلاء المساعدين للقضاة والذين يساهمون في صنع ما يصدر عنهم من إجراءات وقرارات، يجب أن ينص دستوريا عن استقلالهم عن الغير، كما هو الأمر بالنسبة إلى قضاة الأحكام وقضاة النيابة العامة، وعلى حماية هذا الاستقلال الذي بدونه سيمس ويتأثر سلبيا استقلال القضاة.
ويحدد النقيب في مداخلته العراقيل القانونية والواقعية التي تحول دون استقلال القضاء استقلالا حقيقيا وكاملا ، ومنها أن النصوص القانونية الحالية، الدستورية منها وغير الدستورية، غير كافية لحماية استقلال القضاء، إذ أن هناك نصوصا قانونية متفرقة تفتح ثغرات واسعة تمكن السلطة التنفيذية على الخصوص من المساس باستقلال القضاء .
ومن جهة أخرى لا تكفي الحماية القانونية عبر النصوص بل يجب احترام هذه النصوص وعدم خرقها، وفي حالة خرقها يجب إنزال العقاب المدني (جبر الضرر) والتأديبي وإذا اقتضى الأمر الجنائي.
واستعرض النقيب بعض العراقيل القانونية، ومنها العراقيل القانونية، فالنظام السياسي المغربي سن عدة نصوص قانونية لا يمكن إلا أن تمس باستقلال القضاء، وتفرغ الفصل 82 من الدستور من محتواه، خاصة في علاقة القضاء بالسلطة التنفيذية (الملك كسلطة تشريعية في حالات معينة وتنفيذية، ووزير العدل كسلطة تنفيذية)، إذ أعطى لهذه الأخيرة عدة منافذ قانونية للتأثير على القضاء وتوجيهه، فالملك يرأس المجلس الأعلى للقضاء المختص بترقية القضاة وتأديبهم (فصل 86 و87 )، والملك على مستوى التعيين، يعين القضاة بالإدارة المركزية لوزارة العدل بظهير باقتراح من وزير العدل (الفصل 1 من النظام الأساسي للقضاة ن أ ق)، كما يعين الملحقين القضائيين الناجحين في الامتحان بظهير يصدر باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء قضاة في الرتبة الأولى من الدرجة الثالثة .
وعلى مستوى وزير العدل، فإنه يرأس المجلس الأعلى للقضاء نيابة عن الملك، ويهيئ ويحصر سنويا لائحة الأهلية لترقي القضاة بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء (مجرد استشارة) (ف 23 من ن. أ. ق)، كما يمكن لوزير العدل وبدون الرجوع إلى المجلس الأعلى للقضاء، أن ينتدب بقرار عند الحاجة قاضيا بدعوى ملء فراغ في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة بإحدى المحاكم وذلك لمدة ثلاثة أشهر في السنة (ف 57 ن أ ق)، كما يمكن لوزير العدل وبدون استشارة المجلس الأعلى للقضاء توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه وذلك في حالة ما إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ خطيرا، ويمكن أن يشمل التوقيف عدم صرف الراتب طول مدة التوقيف ( ف 62 من ن أ ق )، وبالإضافة إلى كل ذلك فإن العقوبات التأديبية من الدرجة الأولى تصدر ضد القضاة بقرار من الوزير بعد استشارة (مجرد استشارة) المجلس الأعلى للقضاء وتشمل عقوبات الدرجة الأولى الإنذار والتوبيخ عن التأخير من رتبة إلى رتبة أعلى لا تتجاوز سنتين، والحذف من لائحة الأهلية. ومع أن سن التقاعد للقضاة هو ستون سنة، فإن وزير العدل يمكنه السعي في تمديد هذا الحد لمدة أقصاها سنتان قابلة للتجديد مرتين للفترة نفسها بمقتضى ظهير وباقتراح منه بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء .
كما يهيمن وزير العدل على انتخاب القضاة الستة الأعضاء في المجلس الأعلى للقضاء، فهو الذي يحدد تاريخ الانتخاب وعدد مكاتب التصويت والدوائر، وتحضير لوائح الناخبين وتعليقها وإمكانية الطعن فيها، وهو الذي يبت في هذه الطعون. وهو الذي يعين أعضاء مكاتب التصويت باقتراح من الرئيس الأول للمجلس الأعلى والوكيل العام به والإعلام بتاريخ الفرز (مرسوم 882 . 75 . 2 المؤرخ في 20 ذي الحجة 1395 الموافق لـ 23 / 12 / 75 المتعلق بانتخاب ممثلي القضاة كما تم تعديله وتتميمه).
ووزير العدل هو الذي يعين قضاة التحقيق لدى المحاكم الابتدائية والاستئنافية ويعفيهم .
إن النيابة العامة لدى محكمة العدل الخاصة لا يمكنها تحريف الدعوى العمومية إلا بأمر كتابي من وزير العدل ( ف 8 من قانون محكمة العدل الخاصة).

أعدها للنشر: خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق